الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 417الرجوع إلى "الرسالة"

في غزوة حنين، بين السياسية الرشيدة والتعمق في الدين

Share

قد يكون من المعلوم عند الناس أن التعمق فى الدين ليس من الدين فى شىء ، وإن كنا فى زمن قد انقلبت فيه أوضاع الدين ، وصار التعمق في الدين هو المثل الاعلى فى التدين ، وأصبح المتعمقون في الدين قدوة للناس ، منهم تلتمس البركات ، وتقام لهم بعد مماتهم القباب والمزارات

ولكن هناك أمرا طريفا فى باب التعمق فى الدين يجهله كثير من الناس ، وقد أردت أن ألفت النظر إليه فى مجلة الرسالة الغراء ، فيكون للناس فيه عظة تنفعهم فى دينهم ودنياهم ، ويعرفوا أن الدين ليس أذكارا تتلى ، وأورادا تكرر كل يوم وليلة ، وقواعد ينظر إلى ألفاظها وحروفها ، ولا ينظر إلى الغاية المقصودة منها ، ولا يلتفت إلى وجه الحكمة فيها ، ليراعي فيها حال الزمان والمكان ، وتؤخذ بشئ من التساهل إذا كان من اللائق اخذها به ، وعدم التقيد بأحكامها وقيودها ، وفي هذا تظهر حاجة المتدين إلى أن يكون عنده شئ من حسن السياسة ، وإلى أن يكون من المرونة بحيث لا يقف جامدا أمام الالفاظ والنصوص ، ولا يؤثرها على الظروف الطارئة ، والأحوال

العارضة ، وذلك ما لا يمكن اجتماعه مع التعمق في الدين ، والجمود على ما فيه من قواعد وقيود

وكيف لا يكون طريفا كل الطرافة أن ينكر بعض المتعمقين في الدين على من أرسله الله به ، فيؤدى به هذا التعمق إلى أن يرى نفسه أرسخ منه دينا ، وأ كثر منه رعاية له ، ووقوفا عند حده وامتثالا لما جاء به من الأوامر والنواهي ، ولا يحمله على هذا إلا أنه حفظ قاعدة من قواعد الدين ، فاخذها قاعدة مطردة لا تشذ ، ولا يصح ان يؤخذ فيها وقتا ما بشئ من التسمح ، ولا يمكن أن تتأثر بشئ مما تقتضيه الظروف والأحوال

وقد كانت تلك الحادثة الطريقة فى غزوة حنين ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم خرج إليها من مكة بعد فتحها ، ومعه الجيش الذي فتح مكة من الأنصار وغيرهم ، وكذلك أهل مكة الذين لم يمض إلا قليل على اسلامهم ، وكان بيهم نفر بقوا على الشرك ، وخرجوا إلى القتال طمعا فى الغنييمة والمال ، وآخرون أسلموا ولم يخلص قلوبهم من أثر الحنين إلى وثنيتهم ؛ حتى إن المسلمين لما انهزموا فى حنين أول الامر فرح كثير من أهل مكة بهزيمتهم ، وقال بعضهم : ألا قد بطل السحر اليوم . وقال قائل منهم : الآن ترجع العرب إلى دين آبائها . وقال أبو سفيان اين حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر . وكان قد أسلم إلا أن إسلامه كان مدخولا ، وكانت الأزلام فى كنانته

ثم انتصر النبى صلى الله عليه وسلم بفضل من ثبت معه من المسلمين الاولين ، وأصابوا فى تلك الغزوة كثيرا من الغنائم ، وكان لقسمة الغنائم قواعد مقررة فى الدين ، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم لم يشأ فى هذه الغزوة ان يتقيد بها ، ورأى أن يبسط يده بالعطاء لأهل مكة تأليفا لهم ، وكان من بسط يده لتأليفه على ثلاثة أصناف : صنف تألفه ليسلم كصفوان بن أمية ، وصنف تألفه ليثبت اسلامه كاب سفيان بن حرب ، وصنف تألفه دفعا لشره كسينية بن حصن والعباس بن مرداس . فأعطى صفوان ابن أمية شعبا مملوءا نعما وشاء ، وكان قد رآه يرمقه ، فقال له : هل يعجبك هذا ؟ قال : نعم ، قال : هو لك ، فقال صفوان : ما طابت بمثل هذا نفس احد . وكان ذلك سبب إسلامه . واعطى أبا سفيان أربعين أوقية ومائة من الإبل ، وقال ابني يزيد : فأعطاه كذلك ، وقال ابنى معاوية : فأعطاء كذلك ، فأخذ ثلثمائة من الإبل ومائة وعشرين أوقية من الفضة ، وقال : بأبى أنت وامي

يا رسول الله : لقد حاربتك فنعم المحارب كنت ! وقد سالمتك فنعم المسالم انت ! هذا غاية الكرم جزاك الله خيرا . وأعطى العباس بن مرداس دون عيينة بن حسن والاقرع بن حابس ، فسخط ما اعطاه دونهما ، وقال في ذلك يعاتب النبى صلى الله عليه وسلم :

وكانت نهابا تلافيتها            بكرى على المهر في الأجرع

فأصبح نهبى ونهب الصبيــ     ــــد  دين عينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابس      يفوقان مرداس فى المجمع

وما كنت دون امرئ منهما      ومن تضع اليوم لا يرفع

فقال النبى صلى الله عليه وسلم : إذهبوا فاقطعوا عنى لسانه . فأعطوه حتى رضي

فلما رأى كل هذا ذو الخويصرة التميمي ، وكان امرأ متعمقا فى دينه ، جاء فوقف على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعطي الناس ، فقال : يا محمد ، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اجل ، فكيف رايت ؟ فقال : لم أرك عدلت . فغضب النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ويحك ! إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ، دعني اقتل هذا المنافق . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : معاذ الله أن يتحدث الناس اني أقتل اصحابي . دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد  شيء ، ثم في القدح فلا يوجد شئ ، ثم في الفوق فلا يوجد شئ ، سبق الفرث والدم

فهذا التعمق في الدين قد ادى بذى الخويصرة إلى هذا الجهل الفاضح ، واوقعه في ذلك الجمود القبيح ، وجعله ينسى مقام النبوة فيتعالى عليها ، ويظن أنه ارسخ في الدين منها ، وينظر على النبي صلى الله عليه وسلم ان ياخذ في قسمة غنائم حنين بشئ من حسن السياسة ، ويتسمح فيما وضع في قسمة الغنائم بعض التسمح ، ولا يعرف أن حسن السياسة من الدين ، وأن الإسلام ليس بشئ من ذلك التزمت الذى يضيق بالتسمح ، ويأبي الاخذ بشئ من التساهل . وما كثر الآن اولئك المتزمتين بيننا وما احوجهم إلى الانعاظ بما اوقع فيه التزمت ذا الخويصرة ، فلا تضيق نفوسهم

بما تدعو إليه الضرورة من بعض الخروج على المألوف ، ولا يقفون حامدين أمام الألفاظ والحروف ، لأن منطق الألفاظ لا يقوى على منطق الحوادث ، فيجب إخضاعها لها ، ولا يصح أن تقف حجر عثرة فى سبيلها

وقد يظن بعض الناس أن ذا الخويصرة كان من أولئك المنافقين الذين يضمرون الكفر ويظهرون الإسلام ، ويرى ان الذي أوقعه فى الإنكار على النبي صلى الله عليه وسلم نفاقه لا تعمقه في الدين ، ويأخذ فى هذا بظاهر قول عمر رضي الله عنه : دعنى اقتل هذا المنافق . ولكن الحقيقة ان ذا الخويصرة لم يكن من أولئك المنافقين ، وإنما كان طليعة لصنف اخر يخلص فى دينه عن جهل ، ويأخذ الدين على انه قواعد ورسوم ، فيبالغ في الجمود عليها ، ويقف عند ألفاظها وحروفها . وذلك الصنف من الناس هو الذي سمى فيما بعد باسم الخوارج . وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم أهم كفار ؟ فقال : من الكفر فروا .

فقيل : أمنافقون ؟ فقال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا . فقيل : ما هم ؟ فقال : أصابتهم فتنة فعموا وصموا

وتلك الفتنة التى ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هى فتنة الغرور بالتشدد في الدين ، والوقوف عند حدود القواعد والرسوم ، وكل شئ جاوز حده انقلب إلى ضده ، والإسلام وسط بين التساهل والتشدد ، ولهذا جاء دينا عاما لكل البشر ، وكانت أحكامه صالحة لكل زمان ومكان .

اشترك في نشرتنا البريدية