أشار (جامعي) في العدد السابق من الرسالة إلى حوادث تدل على مقدار كبير من المحاباة يتمتع به أجنبي يدرس الآن في كلية الآداب، وعلى أنه يحظى برعاية لا يصيبها مصري أحق منه. وجاءت هذه الإشارة عقب كلمة الدكتور بشر فارس في العدد الذي سبقه وهي الكلمة التي كانت لها فضل كبير في تنبيه الأذهان إلى مدى الخطوة التي يجود بها بعضنا على الغريب على حساب
دافعي الضرائب المصريين، فيطمع في المزيد منها ولو كان في ذلك حرمان للمصري. ولا شك أن كثيراً من شباب مصر الذي نبغ في معاهدها، ثم نال من الإجازات من معاهد أوربا أكثر مما نال هذا المدرس الأجنبي، ثم لا يجد بعد طول التحصيل عملاً يفيد به الأمة - يشكر للدكتور بشر فارس صراحته وشجاعته . وأني لأعرف بينهم من يود إعلان تأييده إياه وبسط شكواه من الواقع لولا خشية الذين يضرون وينفعون.
وإني أرجو أن تتفضل (الرسالة) بإفساح صدرها لشرح حقائق أخرى تضاف إلى حساب هذا الشاب الأجنبي الذي عين في كلية الآداب بمرتب يزيد على مرتب أثنين من المصريين الذين أتموا من الدراسة والتحصيل ما لم يتم، وحصلوا من الإجازات على ما لم يحصل عليه
أن الرجل عين في مصر بسعي مستشرق فرنسي كبير ذي نفوذ واسع وكلمة نافذة في بعض الدوائر المصرية، وذلك بعد أن رفضت وزارة المعارف الفرنسية تجديد عقده الذي كان يمنحه سنوياً في باريس مبلغاً يقل بكثير - على حسب سعر العملة اليوم - عن مرتبه الشهري في مصر؛ وقد فعلت هذا حكومة فرنسا الغنية ابتغاءً للاقتصاد. وتم تعيينه عندنا في عام ١٩٣٦. وفي عام ١٩٣٧ منحته كلية الآداب مكافأة لتمضية العطلة الصيفية في فرنسا وفعلت مثل هذا في عام ١٩٣٨. والمتداول عندنا أن المكافأة الثانية صرفت من الاعتماد المخصص لمكافآت الطلبة. ثم أن الكلية ذهبت في سخائها الحاتمي إلى زيادة مرتبه مرتين، وقررت أيضاً منحه مبلغ خمسمائة جنيه مصري إعانة له على طبع رسالته التي يتقدم بها أمام جامعة باريس لنيل الدكتوراه في الآداب. كل هذه الألوان المتعاقبة من المحاباة نفذت في زمن قصير بتوصية المستشرق الكبير الذي سبقت الإشارة إليه.
وأني لأعرف أديباً مصرياً مشهوراً طلب إلى كلية الآداب منذ عشرة أعوام أن تعينه على طبع رسالته للدكتوراه أمام جامعة باريس فلم يجد أذناً مصغية، وكان هذا الأديب في حاجة إلى الإعانة وقتئذ، إذ لم تجر عليه كلية الآداب راتباً شهرياً بل كان يجاهد بقلمه ليعيش أثناء إقامته للتحصيل في العاصمة الفرنسية. ولعل هذا الأديب يقرأ هذه الكلمة فيزكي هذه الذكرى بقلمه لينصف حقاً من حقوق الأمة.
وأني أتمنى أن يجرؤ كل عارف لمثل هذه الحقائق على نشرها ليمتنع حصول مثلها. وهذا أبر بالشعب من محاربة بعضنا لبعض واضطرار الكثير منا إلى الالتجاء إلى الأجنبي يشتري عونه وحمايته بأموال مواطنيه، وهو لا يبيعه العون والحماية إلا ليثبت مصلحة له يعلم من يعلم مقدار خطرها.

