الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 704الرجوع إلى "الرسالة"

في محطة القاهرة

Share

دخل (المحطة) في اليوم السادس من سبتمبر سنة ١٩٢٨  وخرج من (المحطة) في اليوم التاسع عشر من ديسمبر سنة ١٩٤٦  دخل من باب، وخرج من باب، وكانت المحطة كأنها  النسخة المختصرة من كتاب الدنيا، وكأنها الصورة المصغرة لها:  كل يركض إلى غايته، ويزحم بكتفه، ويدفع بيده، ويعتدي  ويُعتدى عليه، والحمالون ينهبون أموال الناس ما استطاعوا،  والناس يتقونه ما قدروا، والقطر تصفر وتزمجر وتملأ الجو  دخاناً وشراراً، وتسرع لتفرق أحباباً، وتجمع أحباباً، وتريق  دموعاً وتضحك أفواهاً، وكأن صفيرها لحن الوصال العذب  لناس، ونواح الفراق الأليم لآخرين، وكان الباب يفتح أبداً

ويغلق، والناس يدخلون ويخرجون، لا يلتفت أحد إلى أحد،  ولا يسأل سائل أخاه عن آلامه ولا عن آماله، فهو يستمتع  بمسراته وحده ويتجرع أحزانه بلا معين. . .

والمحطة كالدنيا تسعد وتشقى، وما تسعد المرء ولا تشقيه  إلا نفسه وذكرياته. هذا يحبها لأنه دخلها في مسرة، وأستقبل  فيها الحبيب، فهو يذكر كلما مر بها، أو سمع صفير قطرها،  تلك الساعة التي كانت عنده العمر، ساعة جاءه البشير بقدوم  حبيبه فذهب إليها يكاد يطير من الشوق، وقام ينتظر القطار  لا يستطيع أن يستقر في مكان، واستبطأ الوقت فهو يخرج  ساعته كل دقيقة، يحسب الدقيقة من الانتظار دهراً، فيراها  لا تتحرك عقاربها، حتى إذا صفر القطار وهدر خفق له قلبه،  وغلى في عروقه دمه، فركض إليه، فلما أبصره رأى سواده نوراً  مشرقاً لأنه يحمل الحبيب، وناره المتقدة برداً على قلبه وسلاماً،  ودخانه أرق من النسيم العليل؛ ورآه بثقله أخف من الطيف الساري  وأقبل يزاحم الناس، يطأ بقدمه حيث لا يدري لأن بصره

معلق بالنوافذ ينظر الوجوه فلا يحفل بها ويبصرها كالسرج  المطفأ، لأنه يريد وجهاً واحداً يراه مضيئاً بالسناء، حتى إذا  وصل إليه وصل إلى السعادة. . . فهو يذكرها كلما رأى المحطة.

وهذه تكرهها لأنها عرفت الشقاء فيها، وذاقت غصة الحياة  بين جدرانها، فقد كانت سعيدة حتى حل الوداع، ودنا السفر،  وصحبته إلى المحطة، فوقفت معه، ثم سايرته إلى رصيف القطار،  فصعدت معه إليه، وقعدت تكلمه كما كانت تكلمه كل يوم،  تتحدث بتوافه الأمور، ولو علمت أن هذا آخر لقاء ما كان  ذاك حديثها؛ ثم صفر القطار فشدت على يده وعانقته عناقاً  خفيفاً على استحياء من الناس ونزلت، فوقفت تنظر إليه وهو  في شباكه، والقطار يبتعد. . ولكنها لا تزال تعيش بقربه لم تذق  بعد طعم الهجر ولم تعرفه، حتى إذا اختفى عن ناظريها ورأت  نفسها منفردة، صحت كما يصحو النائم من الحلم الممتع ليس في  يده شيء منه، وتبدلت حياتها السعيدة بالوصال شقاء وألماً،  وانطفأ النور الذي كان يهديها السبيل، وكانت المحطة هي خاتمة  سعادتها، وهي فاتحة شقائها، فهي تحج إليها كل يوم، تقوم  حيث قام الحبيب آخر مرة، وتشم عبقه وتتحسس موطئ أقدامه  وتبحث عنه حيث تركته في شباك القطار، وتذكر كل حركة  من حركاته، وكلمة من كلماته، حتى صار ذلك مدار أفكارها،  وعماد حياتها، ولكنها كانت تكره المحطة، لأنها هي سبب  الفراق. . .

وما في الدنيا مكان تستقر فيه محجبات العواطف، وتبرز  مكنونات الضمائر كالمحطة، وما في الأمكنة ما هو أحفل بالذكريات  منها، ففي كل إصبع منها ذكرى عزيزة على قلب، وقطعة من  حياة إنسان.

هنالك تبصر المختلف من ألوان الحياة قد ائتلف في هذه  الصورة المعروضة، والشتيت قد اجتمع، وهنالك أمام الحاجز  الحديدي ذي الأبواب المؤدية إلى الأرصفة، لا يفصل باباً عن  باب، ورصيفاً عن رصيف إلا جدار. . . ترى جموع الناس في مد  وجزر، كما تضرب أمواج البحر صخرة الشاطئ، يدخل الرجل  من الباب فيصل منه إلى البلد الطيب، ويدخل الآخر من الباب  إلى جنبه فيحمله إلى القرية المقفرة، وهذا الرصيف فيه لقاء  الأحبة، وهذا فيه الهجر والبعاد، وكذلك الحظوظ في الحياة  تتقارب بداياتها وتتباعد نهاياتها:

يتردد الطالب إذ يخرج من المدرسة بين طريقين لا يفصل  بينهما إلا القليل، ولكن هذا يمشي إلى الجنة وهذا إلى النار،  ويتردد التاجر بين أن يشتري البضاعة أو يدعها، وما يتردد إلا  بين الخسران والضياع والربح واليسار. . .

دخل من باب وخرج من باب، ولكن المحطة لم تنظر إليه.  فقد رأت من الناس وشاهدت من الأحداث، وأبصرت من  القبل والدموع، ومن المسرات والأحزان، ما جعلها تمل،  فأغمضت عينيها؛ وتركت هذا السيل البشري يجري على هواه  يحمل معه ما شاء من لذاته وآلامه، ونامت.

دخل شاباً في العشرين متوقداً حماسة، يفور دمه ويتوثب  يريد أن يبلغ الذروة بقفزة واحدة، وخرج شيخاً في سن  الشباب لا يفور دمه ولا يتوثب، ولا يريد أن يبلغ الذروة ولا  يفكر فيها. لا يفكر إلا في شيء واحد هو أن يرى نفسه نائماً  على صفحة النسيم، مرخى الأعصاب، مغمض العينين، لا يصنع  شيئاً، ولا يعمل فكره في شيء حتى. . . حتى يبلغ ساحل الموت.

دخل يحب الشهرة ويطمع فيها، يريد أن يعرف الناس  ويعرفوه، وخرج زاهدا في الشهرة، خائفا من تكاليفها، يفزع  من لقاء الناس لا يريد أن يعرف أحدا ولا يعرفه أحد.

دخل المحطة يستقبل الشام، يدفعه الشوق إليها، والغرام  بها، يستقبلها ببسمة تبدو من خلال دموع الفرح، كما تبدو  شمس نيسان من خلال الغمام، وترك من أجلها مقعده في دار  العلوم، ومستقبله في مصر وخرج هاربا من دمشق يريد أن  يبتعد عنها حتى لا يأسى على ما يرى فيها، وما يكاد يرى فيها إلا  ما يبعث الأسى. . .

كان طالبا في المدرسة همه الارتقاء من فصل إلى آخر، وغايته  الامتحان يريد النجاح فيه، فصار موظفا لم تعد لديه غاية يسعى  إليها، ولا هم يفكر فيه فتشابهت أيامه، وتماثلت لياليه، وخلت  من كل جديد، يصبح خاملا متكاسلا لأنه لا يرقب في نهاره  شيئا، ويمسي متكاسلا خاملا لأنه لا ينتظر في ليله شيئاً، ولم  يعد يجد ما يعمله إلا أن يشغل نفسه ساعة كل أسبوع بالكتابة  للرسالة . .

لقد كان إنسانا يحس ويشعر، وكان له عقل يفكر ويدرس،  وقلب يحب ويصبو، فعودته الوظيفة الكسل، وسهلت له

العيش، حتى خلا رأسه من الفكر، وقلبه من الحب، ويده  من الشغل، وصار آلة   (تعدد أياما وتقبض راتباً) ، ولكنها  لا تستبقي من هذا الراتب شيئاً، فالكيس أيضاً خال من المال.

انه لا يشكو الفقر ولا للمرض ولا التعب، ولكنه يشكو  البطالة، وأن قواه معطلة، وأن عقله صدئ، وأنه كالجواد  الأصيل المصفد بالأغلال الذي لا يستطيع أن يتحرك.

هذا هو الرجل الذي خرج من المحطة يوم الخميس الماضي.  إنه مدين بحياته للرسالة؛ لا لأنها تنشر له وتذيع أسمه، كلا،  فهذا أمر لم يعد له عنده نفع، بل لأنها هي التي تشعره بأنه حي،  هي التي تجعل له كل أسبوع جديداً يرقبه ويعيش له. إن الأيام  عنده السبت والأحد ويوم الرسالة. فإذا انقطع عنها أسبوعاً،  محي من عمره هذا اليوم الذي يجمل الأيام ونسى أنه يحيا كما  يحيا الناس، ويأمل في الحياة أملا.

لقد خرج من باب المحطة إلى البلد الواسع، ولكنه ما يدري  ما يجد فيه، فالضيق في النفس لا في البلد وأعظم المدن للقلب  المغلق سجن، والسجن للقلب المتفتح جنة فيحاء. . .

اللهم اشرح قلبه، وصب فيه الحياة، حتى يجد القراء في  قلبه أدباً حياً. . . فإنه لا يخرج الأدب الحي فلم ميت، يمده  قلب مغلق. . .

القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية