بعد تلك المناقشات التي دارت بين رجال التربية في مشاكل الأطفال والشباب وها قد وضح الداء وأستفحل ولم نصل بعد إلى الدواء
فقد عز وندر، مما يجعلني أنظر إلى الوراء قليلا فأسطر مأخوذاً بموقف آبائنا من المربين في تربيتهم وطرق تأديتهم، وما كان لهم من أثر ملحوظ، وهمة مشكورة، وروحانية شاملة.
ولا أكون مغالياً إذا قلت: إن المربين في العصور السابقة كانت لهم شخصيات خاصة تمتاز بالفراسة المبنية على التجارب دون الاستعانة بعلم النفس أو بغيره من العلوم الحديثة.
ذلك أنهم كانوا يأخذون بالشدة ومن غير هوادة أو لين من يرونه بالبداهة جامد الحس بليد الذهن تصلحه العصا وما يتبعها من توبيخ وتقريع، ويتركون غيره المزمن يصقله ويهذبه ممن يلمسون فيه نوعا من الفهم والحذق تلهبه البشاشة وتزكيه الكلمة الطيبة الصغيرة والمعاملة الحسنة التي تشير من طرف خفي إلى محاسن الأخلاق والعادات.
ويزداد عجبي أن تسير تلك النظرة بخطة ثابتة على مر العصور تفتش وتستوعب بل وتعالج ذلك التنافر والتباين بين الأطفال من كل طبقة ووسط.
ولقد كانت تلك النظرة الممزوجة بالفراسة، هي العلاج الموحي إلى عقول الأطفال، فهي تهذب وتعالج في صمت دائم، يحس بذلك الطفل، وقد نظر إليه معلمه نظرة مناسبة لحاله، تشير إلى تأنيب شديد أو عقاب صارم. وما أمر تلك الحكمة الخالدة يخاف علينا (عصا المعلم من الجنة) فتراه يحاسب نفسه) فيزن أعماله بالميزان الذي يسير عليه العالم الذي حوله.
ومن هنا يزداد الطفل إيماناً بأن لكل نفس مريضة دواءها، ولكل نفس تتوق إلى الشر والخمول عقابها، فتراه يقيس نفسه بمقياس ما يراه حوله - وتلك لعمري كانت حالنا في الأزمنة السابقة؛ أما حالنا اليوم وفي عصرنا الراهن فهو - مع الأسف الشديد - محاولة غمر الطفل بوابل من العطف والرأفة والرقة على حساب العلم، وإحاطته بسياج من الدلال وقوة القانون، ومن هنا شلت يد المربي فأصبح كالجندي الأعزل، حيث لم يحسب لميول الطفولة حسابها، وفيهم من تكفيه النظرة، ومنهم من لا يخاف ولا يرعوي إلا من العصا وما يتبعها من عقاب.
وقد نشأ عن ذلك ما نراه في هذه الأيام من تحلل في أخلاق الشبيبة، وعدم اهتمامهم بالقائمين على تربيتهم، إما بمعاكستهم
وإغضابهم أو محاولة الاستهزاء بهم وإهانتهم بل وثورتهم على النظام والعلم، وما أمر تلك الحوادث المؤسفة التي حدثت أخيراً ببعيد. وها نحن أولاء نشاهد تخلي الشباب عن القيم الأخلاقية وتحليه بما يسمونه الحرية وهي التي بعدت بهم عن العلم وآدابه، وبذلك رفع الإخلاص الذي كان حلقة اتصال بين المربي وتلميذه، فقل الاهتمام وزاد الجهل وغاض معين الوفاء وضاعت المروءة.
فيا ليت شعري أين نحن من الاحترام الذي كنا نحس به لمعلمينا الأماثل في الأزمنة الماضية، لقد كنا نحس بجلال وهيبة دونها جلال الوالدين. بل أين نحن الآن من تلك الآداب السامية وقد جرد منها - مع الأسف - أكثر شبابنا في هذه الأيام؟
على أنني لست أدري - وقد حفيت أقلامً الباحثين - ما منشأ هذه الحالة الأليمة التي وصل إليها شبابنا: أمن تطور الزمن وهو هو لم يتغير -؟ أم من آثار تلك الحرية التي أعطيت بلا حساب فكانت كسلاح حاد سلط على نحورهم وأخلاقهم؟ أم من تهاون المربين؟ أم من فساد الضمائر؟
لقد حيرني ما أراه بعيني في هذه الأيام فمن لي بمن بدلني على سبب ذلك الجحود وهذا الاستهتار الذي يباعد عن الاستفادة من العلم والاغتراف من مناهله العذبة:
ولكني أعتقد مع ذلك اعتقادا جازما بأن التربية الصحيحة والأخلاق المرضية تحيا وتترعرع في ظل الرغبة والرهبة على شريطة استعمالها استعمالاً صحيحاً مبنيا على الفراسة الملهمة والتجارب السديدة السليمة. شطانوف

