انتهت الحرب منذ أكثر من عام . ولكن السلام العالمي لا يزال مطلبا بعيد المنال ، ومثل كل الأمم التي نشأت عن الحرب لا تزال باقية بغير حل ولا تكاد الدول تعالج مسألة من المسائل وتخطو إلى الأمام خطوة في سبيل حلها حتى تصطدم بعقبات وتتسع بينها أسباب الخلاف ويشتد الجدال والنزاع وتثار مشاكل جديدة تعقد الموقف فتقنع في تسوية الأمر بالتأجيل والإرجاء .
فهل أصبحت الحالة مستعصية ؟ وهل أصبح من المتعذر تلاقي وجهات النظر والوصول إلى تفاهم يحقق السلام ويعيد العالم إلى حالة الهدوء والاستقرار ؟
إن أمور العالم قد أصبحت - بعد هذه الحرب - بأيدي ثلاث دول عظمى هي الروسيا وأنجلترا والولايات
المتحدة . وهي الدول التي خرجت من هذه الحرب ظافرة محتفظة بقوى عظيمة وقد خلا لها وجه الأرض بعد أن سحقت ألمانيا واليابان وإيطاليا وبعد أن فقدت فرنسا في أوائل الحرب قوتها وحكمت عليها الظروف بأن تقنع في المحيط الدولي بمنزلة ثانوية حتى يشتد ساعدها وتستعيد قوتها .
ولقد كان يظن أن من اليسير أن تجتمع هذه الدول الثلاث على رأي في السلام كما اجتمعت كلمتها في الحرب ، ولكن الأحوال دلت على أن الاتفاق في وقت الشدة أيسر من التعاون في ظروف السلام . ولم تكد كل منها تفرغ من عدوها المشترك حتى عاودتها طبيعتها الخاصة وتكشفت نياتها التي كانت الحرب تخفيها ورجعت لأسلوبها الخاص الذي تراه أنجح في تحقيق أغراضها . وظهر بجلاء
أن سياسة كل منها تتعارض مع سياسة غيرها في مراميها وأساليبها . ومن هنا كانت صعوبة التوفيق بينها وعجز الاتصالات والاجتماعات والمؤتمرات عن التقريب بين وجهات النظر المختلفة .
ومما لا خلاف فيه أن كلا من تلك الدول خرجت من الحرب مؤمنة أشد الإيمان بالقوة وبأنها الأداة الفعالة في تحقيق أغراضها ، وأن كلا منها تستزيد منها باستحداث الأسلحة الجديدة واستبقاء قواها من غير تسريح ، وهي وإن جهرت جميعا باستنكار قيام حرب جديدة إلا أن كلا منها تؤثر الحيطة والاستعداد وترقب في حذر جهود سواها وتعد العدة لأسوأ الافتراضات . وقديماً كان الاستعداد للحرب مولداً للحرب ، والحذر وسوء الظن مبعث الشك والعداء . فلا غرو إذا كان التفاهم في مثل هذه الأحوال بعيداً ، فكل فريق يتلقى آراء الفريق الآخر بسوء الظن والارتياب
وتحتفظ السياسية الروسية بطريقتها العنيفة التي انتهجتها في الحرب والتي سيرت عليها أمورها منذ قيام النظام السوفيتي . فهي تقصد إلى غرضها وتهاجم هدفها بلا تردد . وهي تستغل ما تعرفه من تردد الدولتين الديمقراطيتين وتفاديهما أخطار الحرب ، فتقدم على تحقيق ما تستطيع تنفيذه ، وتضعهما أمام الأمر الواقع ، وهي لا تتراجع في شيء من ذلك إلا إذا تفاقم الأمر وأصبح يخشى أن يصل إلى قيام حرب .
هذه هي سياستها التي وضعت بها شرق أوربا ودول البلقان تحت نفوذها التام وعزلتها عزلا محكما عن الاتصال بالدولتين الديمقراطيتين ، وهي سياستها فيما تحتله من ألمانيا والنمسا ، وهي سياستها التي اتبعتها في إيران وتراجعت عنها مؤقتاً ، وهي سياستها فيما تشته من حرب الأعصاب على تركيا .
وهدفها ظاهر وهو امتداد نفوذها شرقاً وغربا وشمالا
وجنوباً لأبعد مدى تستطيعه . ومن هنا كان تعارضها مع السياسة الإمبراطورية البريطانية ؛ فإن هذا الامتداد على ما فيه من خطر في ذاته يمس نفوذ الامبراطورية البريطانية أو يخلق مناطق احتكاك بينهما .
والسياسة البريطانية تعوزها الصراحة ويغلب عليها اللف والدوران إلى أغراضها ، وهي تكره الالتجاء إلى القوة او التلويح بها ، وتحتمل من أجل كذلك كثيراً من العنت ، وتعتمد على الزمن وعلى إظهار خصمها بمظهر المتعنت المتجني ، حتى تقيم عليه العالم وتؤلب عليه القوى ، فتكسب بذلك المعركة ، وهي طريقتها في السلم كما كانت طريقتها في الحرب .
والسياسة الأمريكية سياسة ينقصها وضوح الهدف ويسودها الفتور ؛ فهي قد تؤمن برأي ولكنها لا تذهب في تأييده إلى آخر المدى ؛ ولعل ذلك بقية من سياسة العزلة التي درجت عليها ومن كراهية الحرب التي تبدو جلية في روح الشعب الأمريكي ؛ وهي لهذا - مع أنها أقوي أمم الأرض وأقدرها على أن تقول الكلمة الحاسمة التي تخضع الجميع - لا تستغل مركزها الاستغلال الكافي ، ولا تقف من المشاكل الدولية الموقف القاطع الذي يتقبله الجميع لبعدها عن الأغراض الاستعمارية الخاصة .
والواقع أن المتاعب الدولية الحالية ناشئة عن النزعة الاستعمارية السافرة لروسيا والنزعة الاستعمارية الأصيلة لبريطانيا . ولا سبيل إلى حل المشاكل حلا تاماً حتى يأذن الله بتغليب نظرة جديدة على سياسة الدولتين ، نظرة ترى الاستعمار كما رأى العالم المتمدين الرقى ، فتخرجا كلتاهما عن النزعة الاستعمارية وتنهجا أسلوباً إنسانياً جديداً في السياسة أساسه حرية الشعوب والأفراد واحترام حقوق الجميع قويهم وضعيفهم على السواء . (...)

