الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 619الرجوع إلى "الرسالة"

في مدرج كلية الحقوق بجامعة فؤاد

Share

دفعني حب الاستطلاع إلى مشاهدة مناقشة رسالة الأستاذ    (أنور مصطفى الأهواني)  في يوم السبت الماضي عن   (رئيس  الدولة في النظام الديمقراطي)  التي تقدم بها إلى   (كلية الحقوق)   بالجيزة. ولطالما تاقت نفسي - بعد أن طوفت ما طوفت في جامعات  لأوربا وشهدتُ مناقشة رسائل عدة بها - إلى أن أحضر نقاشاً  في جامعة مصرية يكون فيها المحتكمِ والمحتكَم إليه من المصريين.  ولقد تركت أحسن الثر في نفسي تلك الساعات القليلة التي قضيتها  في مدرج كلية الحقوق أستمع إلى الحوار الذي دار بين أعضاء  لجنة التحكيم وبين مقدم الرسالة. وراعني حقاً حرص المحكَّمين  جميعاً على الفصل بين العلم والسياسة، وإيثارهم التفرقة بينة لغة  الكتب ولغة الصحف، وأن يكون النقاش كله بالعربية الفصحى  وإن رأت لائحة الكلية غير ذلك

وكان يسود الجلسة روح من المرح والإفادة، وكان يغشاها  جلال العلم ورهبته لولا ما تخللها من تصفيق استحسان أو قهقهة  استملاح. وحبذا لو عمل رؤساء لجان التحكيم على أن يظل للعلم  حرمته ولقاعة المباحث ما لا يذهب بقدسيتها ويصيرها سرادقاً يضم  خطباء ومعجبين.

ولقد أظهرت مناقشة المحكمين للرسالة دراستهم إياها دراسة  مستفيضة وإلمامهم بموضوعهم إلماماً تاماً، ودلت على غزارة مادتهم  واطلاعهم على ما كتب الأعاجم، ولا غرو فمن بحرهم نهلوا  أو عليهم تتلمذوا. وعندي أن لو هيئ لهذا الشباب الناهض  من الأساتذة، مجال العمل وإيقاف النفس على العلم وحده دون  تطلع إلى مناصب القضاء أو الإدارة لأتي بأطيب الثمرات، ولأنجبت  مصر مئات من عبد الحميد بدوي وأحمد ماهر

وكان غريباً أن يطلب إلى المرشح أن يذكر ملخصاً  لأطروحة باللغة الفرنسية، ولا أكتمك أنني أحسست  عند ذاك يخدش في عزتي القومية، وتساءلت كيف نكون  في جامعة مصرية، وبين أساتذة وطلبة مصريين تُنَاقَشُ  رسالة مصرية بلغة أعجمية؟ ولم يذهب بدهشتي إلا قول جار لي  إن لائحة الكلية تجيز ما كان. إلا أنه إذا صح لِلاَّئحة أن تجيز  ذلك أيام أن كنا فقراء في العلماء وكان الأساتذة الأعاجم يشتركون  في مناقشة الرسائل، أو لا يجدر بنا أن نغفل هذا الأمر اليوم  بعد أن توفر بيننا العدد الكافي من المحكمين المصريين؟

ثم أعود فأقول إن من صواب الرأي أن يؤذن للطالب بالحديث  والرد وهو جالس لا أن يترك أكثر من ساعة واقفاً كالخطيب  يستند على إحدى قدميه تارة وعلى الثانية أخرى. إن المرشح يكون  في حال نفسية تتطلب أن توفر له أسباب الراحة، ولن يكون هذا  بتركه يلقي ملخص رسالته وهو واقف والكرسي بجانبه. ولعل  إدارة الكلية تفكر في أن تضع ثلاثة مصابيح ثابتة على منصة  المحكمين أمام كل عضو مصباح حتى لا يتكرر ما تكرر في الجلسة  التي نكتب عنها مما ذهب ببعض جلالها

وبعد، فلقد كان الدكتور سيد صبري بارعاً في محاجته  للطالب وإن ظهرت عليه روح التحامل الخطابة  أحياناً. وكان بارعاً كذلك في دفاعه عن نفسه وتنصله من أنه    (يميل إلى الحلول الوسطى)  أو   (أن بعض العبارات في كتبه  غامضة)  وكانت روح الدعابة التي مزج بها نقده تخفف على  الممتحَن بعض ما لقي منه.

أما الدكتور وحيد رأفت فكان حواره حوار العالم الذي  لا يرمي من وراء مناقشته إلا إلى الوصول إلى الحقيقة وإرشاد  المخطئ إلى مواضع خطئه. وكان التزام سبيل المنطق في الإقناع  أكبر عون له في بلوغ غايته؛ وألبست نبرات صوته المتزنة الهادئة  الجلسة جلالا فوف جلالها؛ فكان الكل آذاناً صاغية له.

وكان صديق الدكتور عثمان مثلاً للشباب الحي. ولقد

برهنت مسايرته الطالب في المناقشة متتبعاً الرسالة صفحة صفحة  على أنه   (قتلها بحثاً)  ولو كنت ذا إمْرَة لأذنت لعضو اليسار  بأن يكون البادئ في المناقشة؛ فهو عادة أحدث المحكمين سناً،  وأنَّ سّبْقه بغيره يفوت عليه كثيراً من نقده.

ولو أن الدكتور عثمان التزم اللغة العربية الفصحى في مناقشة  لكان لحواره شأن آخر. وليت شعري لماذا كانت تبدو عليه  إمارات الغضب والتألم وهو يعد المآخذ على الرسالة؟ إن كان  المصنف قد أسرف في الاقتباس إسرافاً حوّل الرسالة إلى    (ملخص)  مدرسي، فكيف أذنت له الكلية في طبعها؟ كيف  أذنت في أن يحمل أسمها كتاب ليس لواضعه فيه إلا الجمع والتوقيع؟

اشترك في نشرتنا البريدية