) مهداة للدكتور أحمد زكي بك بمناسبة مقاله عن نبي النازية نتشه (
مات صديقي المفكر المخلص ، المشوه الخلقة ، المحروم من الجاء والثروة ، الموهوب من الحكمة وصدق الإحساس ، فتحررت أفكاره العظيمة من شخصه الضعيف وجاهه المغمور ، وانقطعت الصلة بين الكاتب الضئيل والمكتوب العظيم ، وابتدأت كلماته تدب فيها الروح ، وتبرز مستعلنة بهيئتها المجردة من هلهلات ملابسه وسقم جسمه ومهانة فقره
وكان يدرك ما يجول بخواطر الناس عنه حين يغشي مجالسهم ويحتك بهم من الاستصغار لشأنه ونبو البصر عنه فكان يجتهد ان ينأي عنهم ، ويتحرج ان يغشى مجامعهم التي يعرضون فيها اجسامهم الرشيقة ، وملابسهم الأنيقة ، وأحاديثهم اللبقة التي يتحدثون فيها من انانيتهم واختباراتهم في علائق الطين والذهب ، وضجيج المخاصمات والمنازعات التى لاتتصل بصميم الحياة ولباسها ، ولا يقدس الفكر وحقائق العلم .
ولم يشأ ان يترك صورة لشخصه ، حتى لا يقترن وجهه . وكان دميم الخلقة - بأفكاره وميراثه الروحي ، فتذهب قباحة بزته وهيئته بقداسة فكره ونزاهة حكمته
وقال : أتركها كلمات يتيمة محررة من وجهي وجملة جسدي ، كما تلقيتها كلمات طليقة محررة اتسربت إلي فؤادي موجات عذراء ليس لها نسب إلا صمير الكون وكان فيه ) مركبات نقص ( كثيرة ، يشعر بها شعورا عميقا عصافا . عصف بزهرة صباه وضحوة شبابه ، إذ كان مبكر الحساسية بذاته وشذوذها عن ذوات اترابه
ولداته ؟ وضاعف من آلام شعوره بشذوذه الجسمى ما كان يلقاه من عبث اولئك الرفاق الصغار به ، وسخريتهم من قماءته وخروج خلقته على غير استواء .
وفي قلوب الصغار جبروت وقساوة لا ترحم الضعف أو القبح في حيوان ولا إنسان ، إذا لم يعودوا ان يستقبلوا الدنيا بشيء قليل من فلسفات رحمة النقص والقبح ، لان القبيح او الناقص لم يخلق نفسه ، ولم يخير هواه ، ولو خير لاختار وكان المذهب الكامل الجميل .
ولما مضت به السن من بيئة الطفولة العابثة الساخرة بألوان من السخرية الصريحة القاسية ، وأقبلت به على بيئة الشباب الذي عرف من ضروب الحياة الوانا غير غير ألوان الكمال والجمال ، وعرف من آداب الاجتماع انواع المجاملة والمصانعة التي قد تخفى من الرحمة والرثاء أو الهزء المقنع والسخر المبرقع ، اقس انواع الإيذاء على النفس الحساسة الشاعرة بنقصها بين الكاملين . . أيقن أنه لا قبل له بزحمة الاجتماع ، ولا احتمال منه لضغطه وقسوته ؟ فأخذ يرتد عن موارد الحياة الاجتماعية ، وانحاز إلى نفسه وحدها ، وانطوي عليها في صبر وسكينة وبراءة صدر من ذلك الغل والحقد الذي يعتري كثيرا من الناقصين ،
حين يطاردهم زحام الكاملين القادرين الذين سلحوا بالغفلة أو بالفجور أو بالاقتحام أو بالثروة أو بالجاه ، فينقلبوا إلى ابواق سخط وبؤر تشاؤم ومصادر إجرام ،
ليحصلوا ما فاتهم الحصول عليه من طريق السباق الشريف والمواهب القادرة ، او ليحموا المتاع الذي لم ينالوا منه شيئا ونال منه غيرهم أى منال !
قلت له مرة ؛ - " ياكمال - وكان هذا اسمه ! وكأنه كان من تمام سخرية الظروف به - إنك لا تصلح لجد الحياه وصرامتها التى اخذت بها نفسك ، لان للجد والصرامة ادوات مادية من السمت والقامة والقوة تكون إطارا لازما لمعانيها ، وليس لك من ذلك شئ !
وإنما أراك تصلح لعبث الحياة وبحبوحاتها وأضاحيكها التي تفرج عنك ضيق ذلك الجد الذي حبست فيه نفسك ، وتفرج عن الناس حين يرون منك الاعتراف بنقصك ، واستغلالك إياه في العبث بالحياة والناس وبنفسك . .
أو يكون هذا مع الأقل وسيلة الإيجابية لإثبات وجودك في هذا المجتمع الذي يصيح فيه كل شخص لإثبات شخصه والإعلان عن ذاتيته " ؟ !
فقال : " تعلم عنى منذ طفولتنا برغم نقصي تعشقت الكمال وهمت به ، وانا اعلم انى لا أمثله ، وان الأروح لي وللناس أن أرسل نفسي على سجيتها ، فأعترف بعجزها ونقصها ، وأستخدمها في فن الضحك والتضحيك على الاقل ، واعلم اني حينئذ ا كون قريبا إلى قلوب الناس حين أرضي إحساسهم بكمال شخصياتهم بمضاهاتها بنقص شخصيتي . ولكن من أجل عشقى للكمال وشدة شوقي إليه تمسكت بالسبب الوحيد الذي اتيح لي منه ، وهو هذه السكينة وهذه العزلة النفسية ، وهذا الرضا المستسلم بالواقع المقسوم لي من حظ الدنيا ، وهو الفكر المخلص الذي يرصد الحياة والناس بعين غريب عن الحياة والناس .
وإنك لاتدري ما أهتدي إليه من فجوات لا يهتدي إليها المغمورون بضجة الحياة القادرون على الخوض في زحامها
ودائما يلقط الضعيف ما فات القوي ، وكثيرا ما يفوت ! فالقوي دائما مشغول بعنف نفسه وكثرة ما يحصله من مظاهر الحياة عن الاشتغال بما تحت الظاهر . والضعف يسبب للضعيف الذكى يقظته إلى ما يفعله القوي وما يتركه ، ويجعله يظفر بالحق المغمور في دنيا القوة . والتجربة دلت على أن الضعفاء أو الذين فيهم " مركب نقص "هم دائما خدام الحياة ، وموطدو الاجتماع على اساس الحق والواجب ، والرحمة والعدالة .
وصمت قليلا ثم رفع إلي عينيه المنطفئتين ، وقد رأيت فيهما بريقا لم اعهده من قبل ، وقال : إن الحياة مدينة لنا
نحن الناقصين بأعظم نصيب . وإن الأقوياء المدلين بقدرتهم على الخوض في معترك الحياة لا يدر كون ان " مركب النقص " اعظم عامل في حمل اصحابه على الإنتاج ومتابعة خطوات الكمال الحضاري والخلقي . . لان الفاقد يدرك لذة الواجد وحولها هالة من احلام الحرمان . .
ولأن الناقص يكمل الحياة بإرهاف حسه بالفجوات التي في حياته وحياة الناس ، ويزيد عليها ما لم يستطع ان يحققه في نفسه . والاستعراض التاريخي لمن كملوا الحياة من العلماء والحكماء ، والصالحين يكفي ان يقيم الدليل على على تلك الدعوي . فقد كان دائما الرواد في الخلق والسلوك والعمل والإنتاج هم من يشعرون بعدم القدرة على الخوض في معترك مظاهر الحياة مع الأقوياء المسلحين بأدوات القدرة على الزحام ! ثم قال : من أجل ذلك تحملت العزلة والحرمان من المتاع بالناس ، لافكر في وضعي ووضع امثالي ، ولأذود قسوة الجاهلين عن الضعفاء والشاذين .
ولأحاول إحداث انقلاب في نظرة أولئك لهؤلاء حتى بروا انهم شركاؤهم في خدمة الحياة شركة متساوية ، وانهم حتى ولو كان شذوذهم وضعفهم عن غباوة وتخلف ذهن هم وحدات من الإنسانية لاغني عنها ، وان للغباوة عبقرية كعبقرية الذكاء ! ! هي عبقرية الصبر والاحتمال والقيام بتوافه الأعمال التى لا غني للحياة عنها ، والسير في الحياة في ذهول وغفلات وقدرة على تقبل العمل الرتيب المكرور في غير سأم ولا ملال .
فلئن كان للذكي فضل السبق إلى كشف واحات جديدة في الحياة ، وفضل إضافة ما ليس منها او تنقيح ما يستحق التنقيح فيها ، فللغبي فضل عظيم في احتمال واقع الحياة بدون تذمر ، وعدم تطلع إلى شيء غير ما كان ، وفي التعبد للحياة والتعليق بها . .
وله كذلك فضل الرضا بما يكلفه فيها من عمل ضروري حقير كالكنس والكسح والخدمة وما إليها
وإني أتخيل الحياة خالية من المحدودين في آمالهم وعقولهم ، فأراها حينئذ سعيرا محتدما بين الاذكياء القادرين الذين يتطلعون جميعا إلى السيطرة في السيادة ، ولديهم وسائل الخديعة والغلبة ، وفيهم الحسد والقلق والحقد والنفاق والجرأة والاقتحام فالذكى دائما منتقض على الحاضر ،
يحاول ان يغير ما يحيط به ، ويخلق لنفسه عالما اخر يكون هو وحده رأسه وغيره الذنابي . . وإن الذئب اذكى من الحمار والشاة ، ولكن شتان بين نفعهما الحياة ، وإضراره بها ! ولذلك اهدرت الحياة ذكاءه وطاردته ؛ شانها مع كل ذكاء بارع يعتدي على قوانينها في سبيل غاية شخصية ،
لان الذي يهدم دعامة بيت ليستعملها ارجوحة مزوقة يتمتع بها ، يجب عقابه وإهداره مهما كان عظيم الصناعة بارع الافتتان . . وقد ثبت ان عالم الذكاء الإنساني يشتط كثيرا في الخروج عن نطاق الطبيعة وحدودها ، ويأتي بأشياء غريبة عنها ؛ فواجب الاحتراس منه
وأغلب ذكاء أذكيائنا القادرين وعلومهم كذكاء الثعابين والذئاب : لارحمة معه ، ولا خلق ولا شعور بالمسئولية الاجتماعية ، ولا بالمعاني السامية التي تحمل علي العطف والتواضع ورحمة النقص وتقدير حياة الأقل ذكاء وقدرة . فكلهم يخاتل ولا يخلص للجماعة ، لانه لم يشعر بالجسم الاجتماعي الواحد ، ولم يؤمن بديانة الجنس
إن الأولى أن نعتقد أن الحياة الاجتماعية مبادلة بين القادرين الاذكياء والعاجزين الأغبياء فلقد اخذ الاخرون من الأولين عبقرية الفكر وانتفعوا بها . . وقد اخذ الأولون من الآخرين عبقرية الصبر والاحتمال والعمل وانتفعوا بها كذلك لتحقيق أفكارهم واحلامهم . . واكثر من ذلك : اخذوا منهم عقلهم ونقائص خلقتهم وصيروها " قفشات ، وتهريجات واضاحيك اوسعت مدى أفراحهم ومباهجهم ومسلاتهم !
ثم قال : تلك هي التعزية عن حياتي وحياة امثالي من الذين خرجوا على غير استواء . جنت عليهم الجهالة القديمة ، واوشكت الثقافات والتأملات الحديثة ان تنصفهم وتضعهم مواضعهم في خدمة الحياة مع خدمات القادرين الكاملين . ولولا ضعف قوتى وهواني على الناس ، وقلة ادواتى المادية للدعاية بين الجماهير لهذه المعاني ، لصدعت بها دعوة إلي تكريم كل كائن بشري والعناية به ، وتفهم الحكمة فيه مهما بدا به من نقص ظاهري ؛ فليس المهم ان يكون المرء تاجا على رأس الإنسانية ، وإنما المهم ان يكون نافعا ولو كان نعلا لها !
استمعت في عجب إلي هذا الحديث الصادق الذي ملك على منافذ السمع ، ودوي في فؤادي ، ووجه فكري لبعض أسرار الإنسان ، وجعلني وأنا من " وحدات " الإنسان العادي الذي لا يشعر بنقص أو يخيل إليه بذلك اتضاءل أمام هذا الذي ينبو عنه نظر أكثر الناس ازدراء له وتهوينا من شأنه ، وتذكرت به لباب الإنسانية الذي ضيعه وأخطأه الناس وراحوا يبحثون عن القشور المزوقة ، ويقيسون المرء بعرضه وطوله ، ولونه وثيابه ، مغفلين وزنه من اصغريه : قلبه ولسانه .
ثم قلت له : لقد كنت أرثي بعض الرثاء لك ولأمثالك ممن أخطأهم حظ كمال الأجسام وأصابوا من كمال الفكر والروح . . ولعلي الآن أرثي لنفسي وامثالي ممن لا يفقهون شيئا من اسرار الحياة ، ولا يبقى منهم شئ حين يضرح لهم في القبور التي يستوي لديها جسم العملاق وجسم القمئ والوجه الجميل المصقول والوجه المقبوح المجدور الممسوخ ، ولا يستعصي على ظلماتها إلا نور الفكر والروح اللذين ليسا مما يحمل إلي القبور ، وإنما يخلدان في الأفئدة والصحف والسطور
فقال : لا ترث لي ولا ترث لأمثالك . فانما نحن جميعا
نمثل " رواية " الحياة التي لابد فيها من اختلاف شخصيات التمثيل وأنواع الأدوار ، حتى لا تكون الرواية حديث شخص واحد ، وموقف ممثل واحد يتكرر تكرير الرقم الواحد في الملايين . .
لارثاء . . وإنما فهم وتفاهم وتبادل تقدير ، وتساوي نظرات من الأعلى للأدنى والادني للاعلى ، إن صح ان فينا أعلى وأدنى . . وتلك حدود ديانة الجنس . . "
لقد مضي الجنس الناقص ، وخلف هذا الكلام الكامل . . ولا عجب فالنحل وهو ذباب يخلف الشهد المصفي . . وقد أحسن حين لم يترك صورة للصدفة " الخسيسة حتى لا تجني على " اللؤلؤة " النفيسة ، بل تركها درة عذراء ، ليس لها نسب إلا جهد الغادة الحسناء
المعشوقة : الإنسانية

