الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 213الرجوع إلى "الثقافة"

في مكتب الحياة . .

Share

قالت الحياة ، وقد رأته يدخل عليها لأول مرة بعد طول الامتناع والتأني :

أتدري لماذا استدعيتك  الآن ؟

فقال " هو " ولم تخفه رهبة المكان وصاحبته : من يدري ؟ لعلك لم تكتفي أو تشتفي  لعلك لديك فسحة من الوقت أردت أن تزهقها في العبث ببعض من تطاردينهم .

فامتعضت الحياة من هذه الجرأة وهمست أن تدفع إلي غير قرار ، ولكنها عادت فكظت غيظها ، ثم قالت في شيء من الحدة :

قل أيها الشقى ، لماذا استدعيتك الآن اتسألين لماذا ؟ ومن لي باستكناه الغازك  واحاجييك ؟ وماذا يهمنى  ان استدعي إليك أو لا استدعي : لقد ساءت العلائق بيننا من زمن بعيد ، واستوي لدي خيرك وشرك ، حربك وسلمك  ، نعيمك  وجحيمك ! فافعلى الآن ما شئت ومثلي بي ما اردت  فلن تسيئي إلى بأكثر مما أسأت ) !

وأدركت الحياة أنهما مفضيان إلي إحتدام ، فسترت غيظها وامتعاضها بإبتسامة تهيأت بعدها للكلام ، ولم تكد تفعل حتى ثار ثائره  واعترضها بيده صائحا

تبسمين  أنت أيتها العجوز التي لا يدري أعلم أهل الأرض كم عمرها تبسمين ؟ ولمن هذه البسمة ؟ إلى تبسمين حسن   فمن أنا في جنودك أو بين ملكوتك ؟ ولكن تذكري أن هذا الهباء الجالس أمامك شئ له شأنه وخطره . انظري من النافذة التي على يسارك ، ثم قولي : ماذا ترين ؟ أهذه هي الحضارة الزاهرة التي أفنيت ملايين السنين في خلقها وتطورها ؟ ثم أهذه الاشلاء

المتناثرة المتراكمة بعض من أنجبتهم وعمرت بهم فضائك

إن حملك الذهبي المديد قد بدده  هذا الهباء الجالس أمامك أجل ، بدده هو وأمثاله بما يملكون من قوي غير منظورة   علي أن ما أحدثنا في دنياك مما تشاهدين ، ليس إلا نوعا من الانتقام لانفسنا تستطيعين ان تخدعي او ترهبي السذج الأغرار بمثل هذه الأبتسامات . أما أنا  

وهنا احس كأن الهواء قد تغير ، وكانما قد تخلله قوي تخيف وترهب فكاد يصرخ من الفزع ، ولكنه عاد فتماسك وتشجع وابتسمت الحياة مرة ثانية ، وأعرضت عنه قليلا تصرف بعض الشئون ، ثم أقبلت عليه تسأله

- أما أنت  فماذا ؟

وأدركه الوجل من هذا التغير الغريب ، وشعر لأول مرة  بالخوف ، فهدأ من ثورته ، وخفض من صوته ، ثم قال في أسلوب مهذب :

أما أنا فرهن مشيئتك . إنها نزوات الشباب ، ودفعات الجهل ، وأوهام الغرور . الست ابنك وانت أمي ؟ إذن فسامحيني . فما احوج الابن الضال إلى  العفو  والمسامحة و ضحكت الحياة في هذه المرة ضحكة كلها فناء وشعر فسري هذا الغناء الشعري إلي نفسه المضطربة فرده هادئا وادعا . وكأن الحياة توسمت فيه الخضوع والانقياد  ، فعادت تسأله

وبعد افتدري لماذا استدعيتك الآن ؟

بل أدري يا أماه  لقد شجاك ضلال أحد أبنائك ، وساءك أن يعمل على تقويض دعائم الأمن في ملك احكمته عند ملايين السنين . اردت ان تشعرينى إنى منك قريب غير بعيد ، وان ليس بيني وبينك حجاب ، وان حالك يشملني ، وعنايتك تلحظني مهما تشابهت المسالك ! أليس كذلك يا أماه ؟

ولم ترق تلك العبارات لدى الحياة ، فأظهرت امتعاضها ، ونظرت إليه في ازدراء ، ثم قالت في أسف ؛

- ما أقبح رياءكم بني الإنسان ! وما أمهركم في صناعة التضليل ! احلم أنا فتسفهون ! وأبرق لكم فتجبنون ! ما ثمرة العقل والعلم والامتياز إذا لم تثمر صراحة مريحة ؟ وهل من سبب لازورارك مني ، وثورتك على ؟ الآن يجب ان يصفي كل ما بيننا ، كى افرغ من شكاياتك التي كادت تفسد على عملي .

وأطرق هو خجلان اسفا ، وشعر بالخزي من نفسه ، حينما أدرك أن الحياة قد فطنت إلي مراوغته ، ولم يجد بدا من ان يفضي إليها بوجه آخر من المشكلة ، فقال :

- إنك معي يا أماه جد قاسية ! كلما قارنت بين حظي وحظ غيري منك انتهيت إلي نوع من الاسى اليم . ماذا أفدت منك حتى الآن ؟ الذكاء ؟ النبوغ ؟ الفن ؟ يا لها من سيئات احاسب عليها ! هأنذا احترق فمن يبصر  ؟ وأغنى فمن يسمع ؟ !

لماذا لا أكون كبعض المحظوظين من أبنائك ؟ لماذا ينهلون وتظمأ ؟ ويتقدمون وتخاف ؟ ويحلقون وتخبو سهرنا العمر في تجميلك وقضوه هم في تشويهك ، ثم أقبلت عليهم وأعرضت عنا .

الأنبياء هم الذين يطيقون أن يحملوا ذلك فقد وعدوا الجنة وسموا أنبياء ، أما نحن فبأي حق نطيق ولسنا بالأنبياء الموعودين ؟ ألحكمة هذا التفاوت ، وذاك الشذوذ

وتريث لحظة يستجمع فيها وعيه وخواطره ، وخيل إليه أنه موفق ، وأن في وسعه أن يحرج الحياة أكثر من ذلك ، فاندفع يتم ما بدأ ، ولكن سرعان ما اعترضته في ثورة الأنثى الغضوب ؛

- ويحك أيها المتمرد الصغير ! أكنت تطمع أن تشتري بالمعرفة خبزا ؟ ألا ما أضلك ! علي أني أتهمك بالإفتراء مرة ثانية

وصدمته الكلمة ، فصاح في لهجة المفاجأة

الإفتراء ؟

- أجل ، فليس ما تترثر به إلا نوعا من المناورة والأفتراء لقد كنت راضيا قبل اليوم بكل  ما تشكو منه الآن ، وآية ذلك أنك لم تثر عليه أو تعترض . فلماذا تندد به اليوم ؟ الحق أن المشكلة شئ غير هذا . إنها المرأة التى تعرفها ) أليس كذلك !

المرأة التي أعرفها ؟ ويحك ! من تقصدين  

- تلك التي وضعتها في طريقك  ثم رفعتها . ذلك الحلم الذي استغرق كل أيامك ولياليك . ذلك الشجى اللذيذ ، والضني الذي استنزف دموع قلبك . ؟

ولم يكد يسمع تلك الكلمات حتى انفجر كالمحموم :

- كفي كفي ! أمبالغة في الكيد إلي هذا الحد ؟ أحين نسيت دورك في تلك المأساة تعودين فتجددين حنقي عليك ؟ لئن أكن خسرت لأنت أشد خسرانا   أين الأغاني ؟ اين الصلوات ؟ اين الفرح الطافر ؟ اين كل هذه المعاني المجنحة التي كنت أبعثها في جوك ، فتلطف من حدة عملك هذا ؟ الذي تمارسينه من قديم الأزل ؟ كل ذلك خسرته في سبيل التشفى ؛ أحين نسيت أو أو شكت تذكرين بكلمة العذاب ؟

ولم ترد الحياة ان يسترسل حرصا على الوقت فاعترضته قائلة :

أنسيت أم تناسيت ؟

فصاح بها :

- وهبني تناسيت ، فلماذا تنكئين الجرح ؟ ألا تعلمين أن التناسي قد يقضي إلي النسيان ؟

أجل . قد يفضي . . ولكن عند غيركم . أما أنتم يا من تجسمون الخيال . . يا من تحنطون الزمان والمكان  ، والأشخاص والحركات ، والأصوات والذكريات ، وتقهرونها على أن تعيشوا فيها أو تعيش

فيكم ، فهيهات أن ترقوا إلي مرتبة النسيان  

وما راع الحياة إلا دموع تفصح عن صفاء عنصره وطهارة قلبه ، فشق عليها امره وشعرت في اعماقها بالندم إذ لمست موضع أحزانه ، فراحت تلاطفه

- ليتك تفكر - حين تفكر في هذا الموضوع - بعقلك لا بقلبك . .

فاستحثها إلي النتيجة بقوله :

إذن

إذن لأدركت  أني لست بظالمة لك -

بل أنت - واغفري لي - جد ظالمة يا أماه

- أو تزعم

- بل اعتقد .

وأحست الحياة مدى تأثره ، فأشفقت عليه ، وخاطبته بلهجة كلها حنان وعطف :

بني . لا تسرف في اتهام أمك إلي هذا الحد . لا تصورها هكذا في صورة المناهض لأمالك . بربك ماذا تدري عمن  غرست في نفسك بذور التمرد ؟

كل ما أدريه  أنها كانت لي مصدر إشراق وحياة ، ينبوع فرح وإلهام

- أجل ، وأدري أنا أن الحب كان يعشيك فتزعمها هبة السماء ؛ وان الوهم كان يستبد بك فتنسبها إلي الإلهة . أكانت من الآلهة حقا !

- أجل كانت كذلك عندي . .

- وعندي أنها غير ذلك  كل ما هنالك أنك تعكس عليها بعض معانيك ، وتخلع عليها من محاسنك ومواهبك فتبدو شيئا فريدا . إنك تحلم بها ولا تراها

- أحلم بها ؟

نعم ، ويوم تراها تعيش وتأكل مثلك ، وتثور وتغضب مثلك ، وتنجب اطفالا مثل بنات حواء يوم تراها كذلك ستموت في خاطرك ، و تموت انت معها  

ونالت هذه الكلمات منه ، فاضطرب في مجلسه ، ثم قال في حزن :

- ويحك يا أماه . أقتلا وتمثيلا ؟

- لا قتل ولا تمثيل ذلك هو الحق . طلبت الموت وأردت لك الحياة .

- ولكن ألن تعود إلي مرة ثانية ياأماه

كلا ، لن نعود يا بني !

- ولن أعود أري عينيها ، وأسمع صوتها !

- أجل لن تري ، ولن تسمع

- آه ولكني أحبها ، لن أطيق الحياة بدونها . . ولأن تموت معا خير من هذا العذاب  

- لن نعود إليك جسدا فانيا ، إنما تعود وتبقى علي الدوام بجانبك ، فكرة تهمس إليك بأرقي الألحان ، وأعذب الأناشيد ، فكرة تستمد منها سمات الخالدين .

- ولكني أفضل الفناء فيها أو معها على هذا الخلود

- أيها الشقي : ليس لك ان تختار

وأيقظته هذه الجملة على أمر كريه كان يجهله فوجم ، وكأن الحياة قد ضاقت ذرعا به ، فلم تحفل بوجومه ، واستأنفت حديثها :

- علي أنك تكلفني المستحيل حين تأمل أن أحقق لك كل شئ . . كم من آلاف الميول والرغبات ، تود لو أحققها لك في ثانية ؟ وكم من آلاف الميول والرغبات المتعارضة المتناسخة ، تود لو احققها لك في الثانية الأخرى فإذا ضربت آلاف الميول والرغبات المتعارضة المتناسخة هذه في آلاف الثواني والدقائق  ، والساعات والأيام ، والأسابيع والأشهر التي يحتويها عمرك ، فماذا يكون الحال إذن ؟ ثم ماذا يكون الحال إذا ضربت ملايين هاتيك الميول والرغبات المتعارضة المتناسخة لدي الشخص الواحد في ملايين البشر ! ألا تري أن الأمر يكون جد خطير ، وأن مسئوليتي تبدو جد معقدة ؟

ثم لدي شئ أحب أن أوثرك به . اتظن أن لي مطلق الحرية في المنع والإعطاء كلا ، يا بني ! ما أنا إلا مثلكم ! وكم من مرة تناسيت وتدخلت من أجلكم ، ثم قيل لي : مكانك ، فليس ذلك من واجبك !

ولم يطق هو هذه الفاجعة فصاح كمن به مس - ماذا تريدين أن تقولي يا أماه ؟ أئنك عاجزة مثلنا ؟

أجل ، وإن عجزي لمركب مهين

وهاله ما سمع ، وآلمته معرفته أكثر من أي ألم آخر . . ثم سمع ساعة الزمن تدق دقات كثيرة كأنما  توحي إليه بالإنصراف فقال وهو ينهض :

- شكرا لك أيتها الحياة

ستخفي خبر هذه المقابلة ، وما كان فيها من حديث إذن ؟

- أجل ، ليسلم للناس اعتقادهم فيك .

وأنت  ؟ !

لقد دخلت شاكا ثم خرجت . .

وقبل أن يتم جملته ، رأي نفسه خارج الباب . أما الحياة فلم تكد تنفرد حتي زفرت زفرة قوية ، ثم همست إلي نفسها :

ويلي من الإنسان ! أزري الحقيقة عنه فيثور . ثم أصارحه فيدرك عجزي .

ورأي الناس " هو " يسير على غير ما عهدوا ، رأوا كثير الوجوم ، دائم الإطراق ، رأوه يميل إلي العزلة والإنفراد ، ثم رأوه يتحاشي الإلمام بكل شئ

وقال الذين تسربت إليهم أخبار استدعائه إلي مكتب الحياة

لقد - أنذرته الحياة

وقال آخرون من هذا الفريق :

- بل اصطنعته وجعلته تابعا لها . وإلا فلماذا قد عقل لسانه عنها ؟

وقال الذين استدعوا إلي مكتب الحياة من قبله :

لقد عرف الحقيقة مثلنا ، فانهارت بقية اماله ، فلاذ إلي عالم الصمت والنسيان

أما " هو " فقد ماتت ثورته ، وانطفأ وجومه ، وطاف به طائف من الوجوم الكئيب ، ولم يعد قلبه يخفق  بأشواق الإنسانية واحلامها ، وكلما هم يحلق جذبته الحقيقة إلي التراب فيصبح في أعماقه

- ما أقسي الحياة ! دخلت عليها بالفن - وهو ما كان قد بقي لي - ثم خرجت بدونه

ما عملي الآن ؟ ولماذا ولمن أعيش ؟

أسئلة أظل أرددها ، ومن أعلم من الحياة يستطيع أن يجيب .

اشترك في نشرتنا البريدية