قالت الحياة ، وقد رأته يدخل عليها لأول مرة بعد طول الامتناع والتأني :
أتدري لماذا استدعيتك الآن ؟
فقال " هو " ولم تخفه رهبة المكان وصاحبته : من يدري ؟ لعلك لم تكتفي أو تشتفي لعلك لديك فسحة من الوقت أردت أن تزهقها في العبث ببعض من تطاردينهم .
فامتعضت الحياة من هذه الجرأة وهمست أن تدفع إلي غير قرار ، ولكنها عادت فكظت غيظها ، ثم قالت في شيء من الحدة :
قل أيها الشقى ، لماذا استدعيتك الآن اتسألين لماذا ؟ ومن لي باستكناه الغازك واحاجييك ؟ وماذا يهمنى ان استدعي إليك أو لا استدعي : لقد ساءت العلائق بيننا من زمن بعيد ، واستوي لدي خيرك وشرك ، حربك وسلمك ، نعيمك وجحيمك ! فافعلى الآن ما شئت ومثلي بي ما اردت فلن تسيئي إلى بأكثر مما أسأت ) !
وأدركت الحياة أنهما مفضيان إلي إحتدام ، فسترت غيظها وامتعاضها بإبتسامة تهيأت بعدها للكلام ، ولم تكد تفعل حتى ثار ثائره واعترضها بيده صائحا
تبسمين أنت أيتها العجوز التي لا يدري أعلم أهل الأرض كم عمرها تبسمين ؟ ولمن هذه البسمة ؟ إلى تبسمين حسن فمن أنا في جنودك أو بين ملكوتك ؟ ولكن تذكري أن هذا الهباء الجالس أمامك شئ له شأنه وخطره . انظري من النافذة التي على يسارك ، ثم قولي : ماذا ترين ؟ أهذه هي الحضارة الزاهرة التي أفنيت ملايين السنين في خلقها وتطورها ؟ ثم أهذه الاشلاء
المتناثرة المتراكمة بعض من أنجبتهم وعمرت بهم فضائك
إن حملك الذهبي المديد قد بدده هذا الهباء الجالس أمامك أجل ، بدده هو وأمثاله بما يملكون من قوي غير منظورة علي أن ما أحدثنا في دنياك مما تشاهدين ، ليس إلا نوعا من الانتقام لانفسنا تستطيعين ان تخدعي او ترهبي السذج الأغرار بمثل هذه الأبتسامات . أما أنا
وهنا احس كأن الهواء قد تغير ، وكانما قد تخلله قوي تخيف وترهب فكاد يصرخ من الفزع ، ولكنه عاد فتماسك وتشجع وابتسمت الحياة مرة ثانية ، وأعرضت عنه قليلا تصرف بعض الشئون ، ثم أقبلت عليه تسأله
- أما أنت فماذا ؟
وأدركه الوجل من هذا التغير الغريب ، وشعر لأول مرة بالخوف ، فهدأ من ثورته ، وخفض من صوته ، ثم قال في أسلوب مهذب :
أما أنا فرهن مشيئتك . إنها نزوات الشباب ، ودفعات الجهل ، وأوهام الغرور . الست ابنك وانت أمي ؟ إذن فسامحيني . فما احوج الابن الضال إلى العفو والمسامحة و ضحكت الحياة في هذه المرة ضحكة كلها فناء وشعر فسري هذا الغناء الشعري إلي نفسه المضطربة فرده هادئا وادعا . وكأن الحياة توسمت فيه الخضوع والانقياد ، فعادت تسأله
وبعد افتدري لماذا استدعيتك الآن ؟
بل أدري يا أماه لقد شجاك ضلال أحد أبنائك ، وساءك أن يعمل على تقويض دعائم الأمن في ملك احكمته عند ملايين السنين . اردت ان تشعرينى إنى منك قريب غير بعيد ، وان ليس بيني وبينك حجاب ، وان حالك يشملني ، وعنايتك تلحظني مهما تشابهت المسالك ! أليس كذلك يا أماه ؟
ولم ترق تلك العبارات لدى الحياة ، فأظهرت امتعاضها ، ونظرت إليه في ازدراء ، ثم قالت في أسف ؛
- ما أقبح رياءكم بني الإنسان ! وما أمهركم في صناعة التضليل ! احلم أنا فتسفهون ! وأبرق لكم فتجبنون ! ما ثمرة العقل والعلم والامتياز إذا لم تثمر صراحة مريحة ؟ وهل من سبب لازورارك مني ، وثورتك على ؟ الآن يجب ان يصفي كل ما بيننا ، كى افرغ من شكاياتك التي كادت تفسد على عملي .
وأطرق هو خجلان اسفا ، وشعر بالخزي من نفسه ، حينما أدرك أن الحياة قد فطنت إلي مراوغته ، ولم يجد بدا من ان يفضي إليها بوجه آخر من المشكلة ، فقال :
- إنك معي يا أماه جد قاسية ! كلما قارنت بين حظي وحظ غيري منك انتهيت إلي نوع من الاسى اليم . ماذا أفدت منك حتى الآن ؟ الذكاء ؟ النبوغ ؟ الفن ؟ يا لها من سيئات احاسب عليها ! هأنذا احترق فمن يبصر ؟ وأغنى فمن يسمع ؟ !
لماذا لا أكون كبعض المحظوظين من أبنائك ؟ لماذا ينهلون وتظمأ ؟ ويتقدمون وتخاف ؟ ويحلقون وتخبو سهرنا العمر في تجميلك وقضوه هم في تشويهك ، ثم أقبلت عليهم وأعرضت عنا .
الأنبياء هم الذين يطيقون أن يحملوا ذلك فقد وعدوا الجنة وسموا أنبياء ، أما نحن فبأي حق نطيق ولسنا بالأنبياء الموعودين ؟ ألحكمة هذا التفاوت ، وذاك الشذوذ
وتريث لحظة يستجمع فيها وعيه وخواطره ، وخيل إليه أنه موفق ، وأن في وسعه أن يحرج الحياة أكثر من ذلك ، فاندفع يتم ما بدأ ، ولكن سرعان ما اعترضته في ثورة الأنثى الغضوب ؛
- ويحك أيها المتمرد الصغير ! أكنت تطمع أن تشتري بالمعرفة خبزا ؟ ألا ما أضلك ! علي أني أتهمك بالإفتراء مرة ثانية
وصدمته الكلمة ، فصاح في لهجة المفاجأة
الإفتراء ؟
- أجل ، فليس ما تترثر به إلا نوعا من المناورة والأفتراء لقد كنت راضيا قبل اليوم بكل ما تشكو منه الآن ، وآية ذلك أنك لم تثر عليه أو تعترض . فلماذا تندد به اليوم ؟ الحق أن المشكلة شئ غير هذا . إنها المرأة التى تعرفها ) أليس كذلك !
المرأة التي أعرفها ؟ ويحك ! من تقصدين
- تلك التي وضعتها في طريقك ثم رفعتها . ذلك الحلم الذي استغرق كل أيامك ولياليك . ذلك الشجى اللذيذ ، والضني الذي استنزف دموع قلبك . ؟
ولم يكد يسمع تلك الكلمات حتى انفجر كالمحموم :
- كفي كفي ! أمبالغة في الكيد إلي هذا الحد ؟ أحين نسيت دورك في تلك المأساة تعودين فتجددين حنقي عليك ؟ لئن أكن خسرت لأنت أشد خسرانا أين الأغاني ؟ اين الصلوات ؟ اين الفرح الطافر ؟ اين كل هذه المعاني المجنحة التي كنت أبعثها في جوك ، فتلطف من حدة عملك هذا ؟ الذي تمارسينه من قديم الأزل ؟ كل ذلك خسرته في سبيل التشفى ؛ أحين نسيت أو أو شكت تذكرين بكلمة العذاب ؟
ولم ترد الحياة ان يسترسل حرصا على الوقت فاعترضته قائلة :
أنسيت أم تناسيت ؟
فصاح بها :
- وهبني تناسيت ، فلماذا تنكئين الجرح ؟ ألا تعلمين أن التناسي قد يقضي إلي النسيان ؟
أجل . قد يفضي . . ولكن عند غيركم . أما أنتم يا من تجسمون الخيال . . يا من تحنطون الزمان والمكان ، والأشخاص والحركات ، والأصوات والذكريات ، وتقهرونها على أن تعيشوا فيها أو تعيش
فيكم ، فهيهات أن ترقوا إلي مرتبة النسيان
وما راع الحياة إلا دموع تفصح عن صفاء عنصره وطهارة قلبه ، فشق عليها امره وشعرت في اعماقها بالندم إذ لمست موضع أحزانه ، فراحت تلاطفه
- ليتك تفكر - حين تفكر في هذا الموضوع - بعقلك لا بقلبك . .
فاستحثها إلي النتيجة بقوله :
إذن
إذن لأدركت أني لست بظالمة لك -
بل أنت - واغفري لي - جد ظالمة يا أماه
- أو تزعم
- بل اعتقد .
وأحست الحياة مدى تأثره ، فأشفقت عليه ، وخاطبته بلهجة كلها حنان وعطف :
بني . لا تسرف في اتهام أمك إلي هذا الحد . لا تصورها هكذا في صورة المناهض لأمالك . بربك ماذا تدري عمن غرست في نفسك بذور التمرد ؟
كل ما أدريه أنها كانت لي مصدر إشراق وحياة ، ينبوع فرح وإلهام
- أجل ، وأدري أنا أن الحب كان يعشيك فتزعمها هبة السماء ؛ وان الوهم كان يستبد بك فتنسبها إلي الإلهة . أكانت من الآلهة حقا !
- أجل كانت كذلك عندي . .
- وعندي أنها غير ذلك كل ما هنالك أنك تعكس عليها بعض معانيك ، وتخلع عليها من محاسنك ومواهبك فتبدو شيئا فريدا . إنك تحلم بها ولا تراها
- أحلم بها ؟
نعم ، ويوم تراها تعيش وتأكل مثلك ، وتثور وتغضب مثلك ، وتنجب اطفالا مثل بنات حواء يوم تراها كذلك ستموت في خاطرك ، و تموت انت معها
ونالت هذه الكلمات منه ، فاضطرب في مجلسه ، ثم قال في حزن :
- ويحك يا أماه . أقتلا وتمثيلا ؟
- لا قتل ولا تمثيل ذلك هو الحق . طلبت الموت وأردت لك الحياة .
- ولكن ألن تعود إلي مرة ثانية ياأماه
كلا ، لن نعود يا بني !
- ولن أعود أري عينيها ، وأسمع صوتها !
- أجل لن تري ، ولن تسمع
- آه ولكني أحبها ، لن أطيق الحياة بدونها . . ولأن تموت معا خير من هذا العذاب
- لن نعود إليك جسدا فانيا ، إنما تعود وتبقى علي الدوام بجانبك ، فكرة تهمس إليك بأرقي الألحان ، وأعذب الأناشيد ، فكرة تستمد منها سمات الخالدين .
- ولكني أفضل الفناء فيها أو معها على هذا الخلود
- أيها الشقي : ليس لك ان تختار
وأيقظته هذه الجملة على أمر كريه كان يجهله فوجم ، وكأن الحياة قد ضاقت ذرعا به ، فلم تحفل بوجومه ، واستأنفت حديثها :
- علي أنك تكلفني المستحيل حين تأمل أن أحقق لك كل شئ . . كم من آلاف الميول والرغبات ، تود لو أحققها لك في ثانية ؟ وكم من آلاف الميول والرغبات المتعارضة المتناسخة ، تود لو احققها لك في الثانية الأخرى فإذا ضربت آلاف الميول والرغبات المتعارضة المتناسخة هذه في آلاف الثواني والدقائق ، والساعات والأيام ، والأسابيع والأشهر التي يحتويها عمرك ، فماذا يكون الحال إذن ؟ ثم ماذا يكون الحال إذا ضربت ملايين هاتيك الميول والرغبات المتعارضة المتناسخة لدي الشخص الواحد في ملايين البشر ! ألا تري أن الأمر يكون جد خطير ، وأن مسئوليتي تبدو جد معقدة ؟
ثم لدي شئ أحب أن أوثرك به . اتظن أن لي مطلق الحرية في المنع والإعطاء كلا ، يا بني ! ما أنا إلا مثلكم ! وكم من مرة تناسيت وتدخلت من أجلكم ، ثم قيل لي : مكانك ، فليس ذلك من واجبك !
ولم يطق هو هذه الفاجعة فصاح كمن به مس - ماذا تريدين أن تقولي يا أماه ؟ أئنك عاجزة مثلنا ؟
أجل ، وإن عجزي لمركب مهين
وهاله ما سمع ، وآلمته معرفته أكثر من أي ألم آخر . . ثم سمع ساعة الزمن تدق دقات كثيرة كأنما توحي إليه بالإنصراف فقال وهو ينهض :
- شكرا لك أيتها الحياة
ستخفي خبر هذه المقابلة ، وما كان فيها من حديث إذن ؟
- أجل ، ليسلم للناس اعتقادهم فيك .
وأنت ؟ !
لقد دخلت شاكا ثم خرجت . .
وقبل أن يتم جملته ، رأي نفسه خارج الباب . أما الحياة فلم تكد تنفرد حتي زفرت زفرة قوية ، ثم همست إلي نفسها :
ويلي من الإنسان ! أزري الحقيقة عنه فيثور . ثم أصارحه فيدرك عجزي .
ورأي الناس " هو " يسير على غير ما عهدوا ، رأوا كثير الوجوم ، دائم الإطراق ، رأوه يميل إلي العزلة والإنفراد ، ثم رأوه يتحاشي الإلمام بكل شئ
وقال الذين تسربت إليهم أخبار استدعائه إلي مكتب الحياة
لقد - أنذرته الحياة
وقال آخرون من هذا الفريق :
- بل اصطنعته وجعلته تابعا لها . وإلا فلماذا قد عقل لسانه عنها ؟
وقال الذين استدعوا إلي مكتب الحياة من قبله :
لقد عرف الحقيقة مثلنا ، فانهارت بقية اماله ، فلاذ إلي عالم الصمت والنسيان
أما " هو " فقد ماتت ثورته ، وانطفأ وجومه ، وطاف به طائف من الوجوم الكئيب ، ولم يعد قلبه يخفق بأشواق الإنسانية واحلامها ، وكلما هم يحلق جذبته الحقيقة إلي التراب فيصبح في أعماقه
- ما أقسي الحياة ! دخلت عليها بالفن - وهو ما كان قد بقي لي - ثم خرجت بدونه
ما عملي الآن ؟ ولماذا ولمن أعيش ؟
أسئلة أظل أرددها ، ومن أعلم من الحياة يستطيع أن يجيب .

