الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 660 الرجوع إلى "الثقافة"

في موسم الفيضان, الملك زوسر والنيل

Share

كنت أنظر إلى مياه النيل السعيد عشية أمس، حين تردد في أذني البيتان الآتيان للصلاح الصفدي:

قالوا: علا نيل مصر في زيادته حتى لقد بلغ الأهرام حين طما

فقلت: هذا عجيب في بلادكم أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما

فأرجعا إلى ذاكرتي أسطورة "فيضان النيل" التي اكتُشفت سنة ١٨٩٠م. والعاهل المذكور في كتابات هذه الأسطورة، هو: "زوسر" الملك الثالث من الأسرة الثالثة القديمة. وتنص القصة على أنه في السنة الثامنة عشرة من حكم هذا تلك العظيم (١)، قد حَلَّ قحطٌ مبيد بأرض مصر، فكلبت الأعمال، لأن النيل ظل سبع سنوات لا يسوق ماءً، وتقاصرت الآمال عنه، فعكف على المغارس والعلات الياس، وكظمت في الحقول والبساتين الأنفاس، فلم تَجُدْ بنَبْتٍ أو غرس، وتواترت أنباء هذا البلاء، إلى الملك الجالس فوق عرشه في "طيبة" فالتاع والتعج من فرط الأسى ورأى أن يكتب إلى نائبه ورائده "ميتار" الذي كان حاكمًا على "بلاد المعابد" في أرض الجنوب ورئيس شعوب "كنتي" القاطنة بين "الدكة" و"أسوان" وبعث إليه الرسالة الآتية:

"نحن إذ نستوي علي عرشنا في البيت العظيم العالي، الذي هو مرتع التراث الوطني، وعنوان مجد المصريين جميعًا، نستشعر مضًا وجوى، بسبب الأنباء التي ترد إلينا يوميًّا، وتتساقط نفسنا همًّا وأسى من أجل الكوارث التي نزلت بشعبنا؛ لأن النيل قد حجب وجهه ما مدة

سبع سنوات طوال. ولم ترتفع مياهه إلى مستواها اللازم منذ سبع سنوات كاملات، وأوشكت الحنطة أن تنفد من المخازن، وتعذَّر الحصول على الفاكهة والخضر والبقل، وأصبحت الأرض مواتًا لا يرف على أديمها نور نضر، أو عود خضر، وأصبح القوم ضراسى بتلوون من سعار الجوع، ويتلملمون من شدة المسغبة، وغدا الماشي مصرعًا والتِّرْب معدمًا، وأغلب الناس من عَوَزهم لصوصًا، ينهب الواحد منهم أخاه، حتى تفشى الاغتصاب والجور، والقسوة والعدوان، وتضاغى الأطفال في الأحياء والطرقات من الجوع الأدفع، وضرعت مفاصل الشبان، وانسرقت قوة الفتيان مما اعتراهم من رهبة الإملاق، وخواء البطون وعنف الرقة والهزال، وسقط الشُّيَّب الرعشون على الأرض، وباتوا ينتظرون الموت، وكثر استغفارهم من الذنوب. والآن تحدو بي ذاكرتي إلى ذلك العهد الذي كان لي فيه مشير نصوح، عهد الأرباب، عهد "توت" وعهد الريس " أموفيس" ساحر "ممفيس" وكاهنها الشهور -ابن المعبود "بتاح" رب الجدار الجنوبي. ولكن ابن بتاح، الذي أنقذ البلاد من العدو، قد خلا مكانه وذهب في سبيل القرون الماضية، ولا يمكن أن يعود لنجدتنا، خبرنا يا "ميتار": "من أين يجيء النيل ومياهه"؟ ومَنْ المعبودة أو المعبود الذي يهيمن عليه ويقوم على حراسة مياهه؟ وأيّ شكل يتخذه ذلك المعبود، لأن النيل مصدر ثروتي. وهو الذي يملأ أنباري بالغلات!! إني أريد أن أذهب وأستشير رئيس كهنة "هرموبوليس" مدينة المعبود "توت" الذي يتقوى بإحسانه جميع الناس في أعمالهم كافة، وأريد أن أذهب إلى "بيت الحياة" (أي: مكتبة المعبد) وأتناول ملفات المخطوطات بين يدي، وأفحصها لأتفهم جميع هذه المسائل".

وما إن قرأ "ميتار" تلك الرسالة الملكية حتى مضى في رحلته إلى "طيبة"، ومثل في حضرة جلالته، فسأله: "مَنْ هو المعبود المتسلط على النيل؟ ولماذا خذلنا الفيضان، وتخلى عنا هذه السنين الطوال؟".

فأجاب الحاكم: "إنه في حوزة إله الفيضان (خنومو) وهو يزجر مياهه ويختزنها في جزيرة "فيلة". فسأله زوسر قائلًا: "وأين تقع هذه الجزيرة، وكيف يفعل المعبود ذلك"؟ -لأن زوسر وإن كان ملك مصر والمسيطر على تلك الجزيرة إلا أنه لم يكن يعرف عنها إلا اسمها- فقال "ميتار": إن "فيلة" جزيرة عجيبة، تجثم في وسط اللجة، مجثم الفيل الضخم العظيم، وعليها بقيت (آبو) ومعناها (مدينة البداية) ومنها يبزغ إله الشمس، حين يريد أن يسبغ الحياة على بني البشر، وتقوم فوقها الصخور الصلدة الباذخة، التي تؤلف المتراس الخارجي للحصن الجنوبي القوي، الذي لا ترقى المياه إلى عليائه. ولكن الفيضان يختبئ في جوف مغارة هائلة في تلك الجزيرة، وهذه المغارة تضم نقرتين تشبهان النهدين، ومن هاتين النقرتين كان فيضان النيل، يُدر أخلاف نعمائه ويجري في قوة ووداعة ليبارك الأرض بالخصب والإثمار، كلما عمد المعبود إلى جذب مزاليج الباب ليفتحه في الوقت المرتقب والموسم المعهود. واعلم أيها الملك أن الأراضي المحيطة بالجزيرة، ليست غنية كأراضي طبية، إلا أنها تجود من الحنطة والخمر والزيت، بالمقادير التي تسد أعواز الأهالي. وعلى أكمة في وسط الجزيرة، يقوم المعبد المخصص لخنومو، ولكنه تداعى وتهدَّم وأوشك أن يندثر. لأنه قد حَسُنَ في أعين الملوك آبائك وأسلافك، أن ينتزعوا منه الأراضي التي كانت تمده بالثروة". وهنا صمت الرافد الملكي صمتًا يضج بالمعاني والدلالات الخطيرة. فسأله الملك: "وبماذا تشير عليَّ إذا؟" فأجابه الرافد في إصرار صليب: "إن ملك الشمال والجنوب -جلالتكم- له الرأي الأسدّ. ولكن لعله يروق لمولاي الملك أن يتجه إلى الرب خنومو، ويقصد إليه في معبده الخاص القائم في تلك الجزيرة" فقال زوسر: "إن كلماتك هي كلمات الحكمة".

وفي ذلك اليوم بعينه انطلق الملك إلى المعبد، وبعد أن

جاء بتقدماته إلى ربه، جثا أمامه في محرابه. وفيما كان يرفع إليه الابتهالات والضرعات، تراءى له (خنومو) ورفع يده إلى العلاء وتكلم قائلًا: أنا (خنومو) الخالق، وهو ذا عيناي عليك، ويداي تمتدان نحوك لحمايتك وصيانتك، وقد منحتك الحياة. وأنا مرشد جميع البشر وحافظهم وظهيرهم. أنا إله النيل الذي ينهضه في فيضانه، ليمنح الصحة والحياة لجميع الذين يكدون ويكدحون. انظر، إني أبو جميع الناس، ولي الأرض كلها، ومع ذلك فإن الناس يهملونني ويقصرون في حقوقي. وفي تكبُّرهم الأرعن وعتوِّهم الأحمق، يُقسون قلوبهم ولا يدعون باسمي، ولا يعبدون في محرابي المقدس. ولكن بما أنك قد جئت ورجعت إليَّ والتمست معونتي، فسأرجع إليك وسترتفع مياه الفيضان كل سنة كسالف عهدها، وستنهال الأموال والثروة والوفر والخصب على أرض مصر". وتم جميع الذي قاله المعبود. وذكر "الملك زوسر" أن المعبود قد اشتكى من إهمال محرابه الذي تهدَّم، مع أن الحجارة مكدسة من حوله بكثرة وأوجد الشكر لهذا العبود المُحْسِن، عبادته في قلب الملك، فأمر فورًا بتجديد المعبد، وأصدر بيانًا ملكيًّا هذا نصه: "إلى المعبود العظيم (خنومو) نسلم زمام السؤدد على جميع الأرض التي تقع على مسيرة يومين حول (جزيرة فيلة). ومن الآن فصاعدًا يجب أن يدفع إلى معبده جميع ما تنتجه الأرض من حنطة وخمر وزيت، وعلى كل مزارع مرابع أن يؤدي الأتاوة اللازمة، كما يتحتم على كل سمَّاك وصياد أن يقدم العشور من كل ما يقع في حوزته من السمك والطير والعجول لتُرفع إليه مع التقدمات. وكذلك يجب أن تجبى المكوس عن جميع الأحجار الكريمة والمعادن والأخشاب الثمينة التي كانت تُرسل سابقًا إلى البلاد الأخرى المجاورة مُحَافَظَةً على مقام المعبود المقدس، وإبقاءً على سلامة معبده؟! وأمر جلالته بأن ينقش هذا المرسوم الملكي، على لوحة مستديرة من حجر الجرانيت وأن تُوضع في مكان بارز في جزيرة "ساهال" على بعد ميلين أو ثلاثة أميال من الشلال الأول لتكون رمزًا ثابتًا دائمًا إلى إقراره بالفضل واعترافه بالجميل، الذي يحتمل منة أياديه المعبود "خنومو" رب "جزيرة الفيل"!!.

اشترك في نشرتنا البريدية