درج الناس على أن ينتابوا ويتعطوا عندما يهبون من نومهم في الصباح ، وعلى الرغم من أنه ممل عادي ومتكرر ويأتيه الناس جميعا إلا أن قليلا منهم من يهتمون بمعرفة سببه وكيفية حدوثه . والكل مسوقون إليه بحكم العادة .
وإنك في سألت أحدا عن سر ذلك التثاؤب والتمطي لتلقيت الجواب الآتي :
" إنهما يبعدان النوم عن الدماغ ، ويؤديان إلى اليقظة ويكسبان المرء نشاطا بعده لمباشرة ما يؤديه من أعمال " .
تلك حقيقة لا ريب فيها ، إلا أن هذا الرد لا يتضمن التفسير المقنع المنشود ، لذلك سنحاول أن نشاهد بأنفسنا ما يأتيه رجل نائم على وشك الاستيقاظ في الصباح ، وإنك المستطيع فعل ذلك بملاحظة نفسك إذا شئت لتتيقن مما يحدث تماما
انظر إلي الشخص النائم بعض الوقت بإمعان ولاحظه ما استطعت فإنك تري عينيه مغمضتين وجفنيه ثابتين لا حراك بهما ، كما أن فمه يكون مطبقا أيضا أو مفتوحا قليلا ، إنه يتنفس ببطء حتى لتكاد تشك أنه يتنفس ، وإذا دققت في ملاحظة تنفسه وجدت الهواء الذي يدخل إلي جسمه يستغرق من الوقت أطول مما يستغرفه الهواء الخارج منه ، وإذا تيسر لك أن تلاحظ جسمه تحت الغطاء فإنك تراه يكبر عند الشهيق ويصغر عند الزفير ، وإذا استطعت أن تراه نائما بغير غطاء وربما تيسر لك ذلك أثناء الصيف أو في وقت الحر القائظ . فإنك تشاهد أن الجزء الذي يحوي
المعدة هو الذي يكبر أي يتمدد عند الشهيق ، ويصغر أي ينكمش عند الزفير ، كأنه صنع من مطاط مرن . ولنحاول إجراء تجربة اخري قبل أن نوقظ هذا الرجل النائم ؛ إنك عندئذ تستطيع أن تشاهد بنفسك أن النائم لا يستطيع استعمال عينيه مطلقا فهما مغمضتان ، ولكن هل أذناه مغلقتان كذلك ؟ وهل أنفه مغلق أيضا ؟ وهل يستطيع السمع وهو نائم كما يستطيعه وهو صاح ؟ وهل يستطيع الشم وهل يحس بالأشياء التي تلامسه ؟ .
قليل من يستطيع أن يجيبك عن هذه الأسئلة العديدة لأن عدد من حاول رؤية ذلك قليل جدا - فلنجرب إذا
هل تنام آذاننا :
أحضر إلى غرفة النائم ساعة لها دقات عالية وقربها من أذن النائم ، إن الرجل إذا كان مستغرفا في نوم عميق سوف لا يحس بالساعة ولو قربتها من أذنه حتى لامستها ، وسوف لا يزعجه عملك هذا ، فهو فاقد الشعور تماما ، كما انك تستطيع أن تحدث صوتا او أصواتا مرتفعة دون أن يتنبه إليها أو يسمعها على شرط أن تكون أصواتا عادية لأن أذنيه نائمتان كما تنام عيناه .
أحضر زجاجة من العطر وضع قليلا منها فوق منديل ، قرب المنديل من أنف النائم وشممه الرائحة إنه لا يحس بشم الرائحة ، ولذلك سوف لا يتنبه أقل تنبه .
إلمس يده لمسا خفيفا وليكن بحذر ، فإنه سوف لا يحس
بفعلتك هذه ، ولكن إذا لم تحترس في اللمس فإنه سوف يشعر به فتراه يزيح يده جانبا ومع ذلك فإنه لا يستيقظ ، وإذا كنت ممن يغرمون بالمزاح فلك أن تتقدم إلى أكثر من ذلك ، فتستطيع مثلا أن تأتي بريشة من ريش الطير وتحك بها أنفه ، إنك لا تلبث أن تراه يحرك رأسه ويدعك أنفه إلا أنه مع ذلك لا يستيقظ ، ولكنك لو كررت هذه العملية فإنه عندئذ يهب من نومه ويصحو .
مامعنى كل ذلك ؟
إذا كانت لديك الروح العلمية أي إذا كنت مشغوفا بمعرفة أسرار الكائنات فإنك لابد سائل نفسك هذه الأسئلة : -
لماذا لا يسمع الناس وهم نيام كما يسمعون وهم في اليقظة ؟ ولماذا لا يستطيعون الشم وهم نيام ويستطيعونه في اليقظة ؟ .
ولماذا يفقدون الشعور وهم نيام ؟ . لا ريب أنه يهمك أن تعرف الإجابة الصحيحة عن كل ذلك ، ولكن عليك أن تعلم أن هذه المعرفة لا تتيسر حتى اليوم لأمهر الأطباء ، وبرغم ذلك فتوجد بعض الأشياء التي تساعدنا على إدراك بعض المعرفة
إذا كان لك أخ صغير أو أخت صغيرة لا تزال بالمهد فألق على والدتك هذا السؤال : - أتسمعين بكاء أخي وأنت نائمة يا أماه ؛ - نعم ، إنني أسمعه إذا رفع صوته بالبكاء إنها تلقي إليك هذا القول من غير تفكير لأنها ربما ظنت أن من الغباوة منها ألا نسمع صياح طفلها . ألق عليها بعد ذلك السؤال التالي :
- ولماذا تسمعين صياح أخي الرضيع ؟ إنها عندئذ تتطلع إليك مشدوهة لأنها لا تعرف لماذا وكيف تسمع صياح الطفل ، وربما أجابت بما يلي : - اعلم يابني أن الأمهات يستيقظن دائما عندما يصيح أطفالهن .
إن صياح الطفل في الحجرة لا يعمل كثيرا من الضوضاء ، وإن هو عملها فإن هذه الضوضاء سوف لا تكون في قوة عاصفة هوجاء ومع ذلك فالعاصفة الشديدة الهوجاء ربما
لا توقظ والدة الطفل ؛ حقيقة نجد كثيرا من الأمهات يستطعن النوم ملء جفونهن برغم وجود عاصفة ، ولكن إذا صاح أطفالهن لا يلبثن أن ينهضن سراعا من النوم .
وهاك مثلا آخر عن هذه الحالة الغريبة - عندما يكون كلبك نائما نشاهد أنه يظل مستغرقا في نومه مهما حدث حوله من جلية أو ضوضاء ما دام الناس الذين عرفهم جالسين بالحجرة التي ينام فيها ، ولكنه يصحو عند ما يقبل على هذه الحجرة شخص غريب ، إنه يصحو في التو واللحظة ويأخذ في ملاحظة هذا الغريب ، وهو ما يزال واقفا بباب الحجرة قبل أن يدخلها .
ليست المسألة في مبلغ الضوضاء :
ليست المسألة في مبلغ الضوضاء قطعا ، وماله أكبر الأثر هو نوعها ، ففي أثناء النوم تكون آذاننا مغلقة عن الأصوات المرتفعة كما تكون عيوننا مغلقة عن الضوء ، ولكن آذاننا تكون مفتحة لنوع معين من الضوضاء الخفيفة ، وإذا استطعنا سماع هذه الأصوات الخفيفة فإننا نصحو في الحال . ألا فاعلم أن هناك سرا مهما في هذه المسألة ، وذلك لصالح سلامتنا وسعادتنا ؟ فالأم إذا لم تستيقظ عند صياح فلذة كبدها عندما يحتاج إليها ويدعوها إليه بصياحه . ربما كانت سببا في فقد حياة وليدها بوقوعه على الأرض من فراشه أو بإصابته في آية حادثة أخري ؛ وإذا لم ينتبه الكلب النائم عندما يقتحك الغرباء حجرة أسياده فربما هوجم قبل أن يجد الوقت الكافي للاستعداد للمقاومة والدفاع والإنذار كما في حالة سطو اللصوص مثلا .
والناس الذين يسافرون بطريق البحر إلى مسافات طويلة يهبون من نومهم عندما تتوقف آلات السفينة عن العمل وهم نائمون ؛ وقد انفذت حياة أنفس كثيرة نتيجة لتوقف آلات السفن الناشئ عن إصابتها بكارثة من الكوارث .
وفي النهاية نستطيع أن نقول إنه ولو أن أعيننا وآذاننا وغيرها من أعضاء الحس عندنا تكون نائمة إلا أن أجزاء المخ الموكل إليها أمر المحافظة على سلامتنا وأمننا وسلامة الناس الاعزاء لدينا وأمنهم لا تنام مطلقا ، فهي بمثابة الحراس الأمناء المتيقظين الذي يعطون اشارة الخطر في الوقت المناسب .
