الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 686الرجوع إلى "الثقافة"

في موكب العلم, الرصاصة السحرية

Share

وفي عام ١٩٠٦ قررت أرملة ثرية تدعي مسز جورج سباير أن تحتضن أعمال أرليخ ، فمنحته من المال ما يكفي لبناء معمل كبير لتجاربه ، وهكذا أنشئت مؤسسة جورج سباير ووضعت تحت تصرفه . ومنذ الآن أصبح باستطاعته الحصول على كل ما يحتاجه ليعمل في سرعة لتحقيق الفكرة التى احتضنها أعواما عدة ولم تعد تقلقه تكاليف أبحاثه .

لقد فشلت الصبغات الآزوية ، وقرر أنه يجب أن يعثر على مركب جديد ، وانجه تفكيره إلى مستحضر وصف حديثا باسم آنوكسيل . فقد أذاعوا أن هذا الدواء ذو تأثير ناجح في معالجة الفئران المصابة بمرض النوم ، بل لقد جرب الدواء على عدد قليل من الزنوج الإفريقيين فأحرز بعض النجاح

وإن سبب الكثير من الوفيات نظرا لتأثيره السام . وفي الحقيقة أن الأنوكسيل كان أخطر من أن يستعمل في الطب ، فقد كان مكونا من حلقة من البنزين متصلة بمركب من أكسيد الزرنيخ ، وكان هذا التركيب نفسه يوحي بأن الدواء لابد مهلك للكائنات الحية .

وأدرك ارليخ طبيعة هذا الدواء السامة ، ولكنه وجد فيه مقدمة لها ما بعدها وأعلن إلى مساعديه " قد نستطيع أن نغير من هذا الدواء ونجعله عديم الضرر " .

وهكذا بدأت الأبحاث الشهيرة عن مركبات الزرنيخ ، تلك التى انتهت بأن قدمت للوجود " السنفرسان " أو " ارليخ ٦٠٦ ". لقد اجتازت الأبحاث الكثير من

العقبات وتغلبت على الكثير من الصعاب فقد حضروا مركبات لا حصر لها خلال العامين الذين أعقبا تصميمه علي أن يجد عقارا قويا مضادا للبكتريا ، ولكنه عديم الضرر مكونا من الزرنيخ والصبغة الأزوية ، وكان كل مركب يعطي رقما . وكان الفشل حليف كل عقار جديد يجرب على الفئران التى أصيبت بمرض النوم . ومضت الشهور دون أن يبدو أمل في النجاح ، وأدرك مساعديه الملل من جراء هذا البحث الخيالي عن مادة مجهولة ، ويئسوا من العثور على مثل هذا الدواء .

وكانت مادة جديدة تبدو أحيانا ذات فائدة قليلة ، فتطيل في عمر الفئران ولكن يثبت بعد أيام قليلة أن الدواء الجديد سام جدا أو أن تأثيره قليل بحيث لايقوي على قتل الجرائم . وكانت فكرة ارليخ الأساسية أن يجد دواء إذا ما حقنت كمية منه مرة واحدة في الكائن الحي قتلت كل الجرائم ، إلا أن هذه الكمية كانت غالبا مميتة وإن قسمت إلى كميات أصغر لم يعد لها أثر إطلاقا .

وكان الرجل الوحيد الذي لم يفقد شجاعته واحتفظ دائما بثقته بنفسه هو ارليخ نفسه ، فلم يكف قط عن أن يشيع في نفوس مساعديه روح الثقة ؛ لكن لما حضرت ثلاثمائة مادة ولم تظهر أى علامة للنجاح بدت على ارليخ نفسه علامات الإنهاك الروحي إلا أنه في تلك اللحظة بالذات تلقي تشجيعا لم يتوقعه ، ففي سنة ١٩٠٨ بينا هو في بحثه الشاق عن " الرصاصة السحرية " منح جائزة نوبل بالاشتراك مع متشنكوف . وبدت له هذه الحادثة دليلا على أنه يسير على الدرب السوي .

ومضي ما يقرب من العامين من البحث الشاق الشامل فحضرت ستمائة من المركبات ، وجريت كل واحدة منها بعناية في الحيوان فإذا هي لا قيمة لها . ثم فجأة جاء وميض النجاح ؟ فعندما بدأوا العمل في الركب الذي يحمل رقم ٦٠١ بدا جليا قلة ضرر هذا العقار وتأثيره . كان هذا الدواء ما زال بعيدا عن الكمال ، لكن كان يري له النجاح إذا ما ادخل عليه تحسين بسيط .

وبعدها بقليل حضر المركب رقم ٦٠٦ ، وللدكتور قرائز برتايم مساعد أرليخ من العمل فضل كبير في

اكتشافه ، فقد استطاع الكيميائي البارع أن يصل إلى ما كان يعتبر من قبل مستحيلا ، فقد كاد الجزء الزرنيخي من الدواء يصبح عديم الضرر .

على أنه عند ما جرب ذلك الدواء ٦٠٦ - الذي سمي فيما بعد بالسلفرسان - على الفئران المصابة بمرض النوم لم يأت بالنتائج المتوقعة منه ، فقد شفيت بعض الفئران إلا أن بعضها لم يبد عليه أثر للشفاء ، ولم يكن الدواء بوجه عام عظيم الفائدة في علاج مرض النوم ومرض الخيل في الفئران .

قبل أن ينهمك ارليخ بهذا العنف في بحثه عن الدواء التالي بسنوات قليلة اكتشف عالم بالحيوانات الأولية وهو ف . شودن بالاشتراك مع الدكتورا . هوفمان في فرحة زهرية جرثومة عرف أنها بكتريا لولبية (سبيروخيت) وظن شودن أن هذه الجرثومة المسببة للزهري ليست من البكتريا ولكنها حيوان وحيد الخلية وسماها تريبونيما باليدم .

أما الآن فإننا نعلم أن لولبية الزهري هي من البكتريا وإن كان لها خواص تختلف عن خواص البكتريا المثالية .

وكان أشد ما أثار اهتمام ارليخ أن جرثومة الزهري من نفس طبقة العامل المسبب لمرض النوم (وهي غلطة من شودن ) وألهبت فكرة علاج الزهري خباله فصرخ في مساعديه " سأستطيع إنقاذ ملايين الأرواح ! فلنجرب السلفرسان في الزهري " وكان يعلم من قبل أن جرثومة الزهري يمكن نقلها إلى الأرانب ، فقد أثبت ا . برتارلي هذا في عام ١٩٠٦ .

وأحضر ارليخ بدلا من الفئران كميات كبيرة من الأرانب وبدأ ينقل إليها اللولبيات ومساعده في هذا العمل الدكتور ساهاشير وهاتا وهو طبيب ياباني آخر .

وبعد أربعة أسابيع ظهر علي اثني عشر أرنبا علامات القرحة الزهرية . ولم يعد شك في أن القرحات شديدة النشاط ومملوءة باللوبيات الخطرة .

وتولى إرليخ وهانا معا الفحص الميكرسكوبي ليتاكدا من أنها إصابات كاملة .

وفي أغسطس سنة ١٩٠٩ قررا أن الوقت قد حان التجربة السلفرسان وكان كلاهما مهتاجا ويشعر بأنها لحظة حاسمة بالنسبة لفكرة البحث كله . فلو فشل الدواء فهل

يعني ذلك نهاية أحلامهما ؟ واختارا ثلاثة أرانب مصابة بأكبر القروح وحقن الدكتور هاتا الدواء في وريد الأذن في كل حيوان ، وتلقي كل أرنب حقنة واحدة .

وفي تلك قليلة لم يستطع ارليخ أن ينام ، وفي الصباح الباكر أسرع إلى المعمل ليفحص الأرانب ، وكانت ما تزال حية وبدت القروح مختلفة عما كانت من قبل وظهرت كأنما جفت وقل التهابها ، وفحص الدكتور هانا في الحال محتويات القروح تحت الميكرسكوب . لقد كانت معجزة ! لم يجد في القروح اثرا للتولبيات .

وتملك ارليخ الفرح ، ولعل فرحه كان أكثر مما يجب ، فكتب في ١٥ سبتمبر : " يظهر من هذه التجارب أنه إذا أعطيت الكمية الكافية فإن اللولبيات تختفي تماما وفي الحال بعد الحقن " وسرعان ما أدرك أن هذا ليس صحيحا كله وأن بعض اللولبيات تبقي حية يوما أو اثنين بعد حقن الدواء ، على أنه كان بالنسبة لأرليخ نصرا للفكرة التى جاهد من أجلها في ثقة أكثر من عشرين عاما ، فها هو ذا دواؤه المعجز ، رصاصته السحرية قد اكتشفت في النهاية .

وكان الآن في مركز يسمح له بإجراء التجارب على القردة ، فمنذ ستة أعوام قرر متشنكوف ورو أنهما نجحا في إصابة أنثي الشمبازي بزهري الإنسان ، ولكن طريقتهما كانت بطيئة وغير مرضية ، فأحضر ارليخ عددا من الشمبانزي ولقحها بجرثومة الزهري مستعملا مزرعة لقية من اللولبيات ، وبعدها بأسابيع أصيبت الحيوانات بقرحات زهرية مثالية تشبه تماما تلك التى تصيب الإنسان .

وفي هذه المرة قرر أرليخ أن يعطي الحيوانات مقادير أكبر وقال " إن المقادير الكبيرة هي وحدها التى تؤدي المهمة ، فحقن الدواء - ما يقرب من جرام - في وريد الشمبانزي ، وبعدها بيومين لم يبقى أثر للولبيات حية في القروح ، وأعاد نفس التجربة على حيوانات اخري فأتت بنفس النتائج المرضية ، فإن جرعة واحدة من السلفرسان قادرة على أن تشفي الشمبانزي التي أصيبت بالزهري شفاء تاما وبذلك مهدت الأرض للأبحاث الإكلينكية ، فقد كانت تجارب السلفرسان على الحيوانات فاطمة وواضحة لدرجة جعلت ارليخ يقرر أن يبدأ التجارب على الآدميين ، وفي

البداية سأل عددا قليلا من أصدقائه الأطباء أن يعالجوا مرضاهم بهذا الدواء ، ولكن لما أعلنت النتائج الأولى للعلاح وكانت مشجعة جدا ، وزع السلفرسان على الأطباء على نطاق واسع ، ثم بدأت أنباء مزعجة تصل إلى ارليخ ، فقد مات عدد من المرضى أثر حقنهم ، وآخرون لم يشفوا رغم علاجهم ، وكان الدواء - أو علي الاقل إذا أعطي مرة واحدة - غير ناجح وبعد عام من الأبحاث الشاملة ظهر بوضوح أن السلفرسان ليس الرصاصة السحرية للزهري . فالحالات حديثة الإصابة هي وحدها التى تؤتي نتائج طيبة ، أما حالات الزهري البعيدة الآجل فإنها تقاوم العلاج بالسلفرسان ، ولكن أسوأ ما في الأمر كان أثر الدواء السام ، فبينما يبدو أن بعض الأشخاص يحتملونه جيدا فإن اخرين تبدو عليهم أعراض خطرة كثيرا ما تسبب الموت .

وبدأ أرليخ وهو محزون في العمل على تحسين السلفرسان ، وسرعان ما أعلن عن دواء أقل تسميما وأجزل فائدة ، وسماه بالسلفرسان الجديد ( نيو سلفرسان ) أوارليخ ٩١٤ ، وهو نتاج تكاتف الفورمالديهيد وسلفا كسالات الصودا والسلفرسان ، وكان أقل تسميما ولم يكن يسبب نخر الأوردة ، الذي كثيرا ماسببه السلفرسان ، ولكن حتى النيوسلفرسان كان بعيدا عن أن يكون " الرصاصة السحرية " التي يحلم بها أرليخ . لقد كان ذا فائدة في الزهري وكان قادرا على شفاء بعض حالات الإصابة الحديثة ولكنه كان أقل اثرا في حالات الزهري القديمة ، ورغم أنه كان اكتشافا قيما وخطوة عظمي في العلاج الكيميائي للأمراض المعدية فقد كان مخيبا لأمال الرجل الذي تخيل طوال حياته " رصاصة سحرية " تنجي الإنسانية بضربة واحدة من عدوها اللدود - الجراثيم المسببة للمرض ؛ وبعدها بثلاثة أعوام في العشرين من أغسطس سنة ١٩١٥ مات الدكتور بول ارليخ الذي تمسك في إيمان بفكرته ، إنه لم يصل إلى الهدف الذي مضي إليه كأنما تدفعه قوة خفية ، لكنه كان خالق ذلك العلم الجديد - العلاج الكيميائي - فقد شق طريقا جديدا خلال المجهول ومهد السبيل لتقدم العلاج الكيميائي ونجاحه المستقبل !

اشترك في نشرتنا البريدية