الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 682 الرجوع إلى "الثقافة"

في موكب العلم, الصاروخ الألمانى

Share

مقدمة :

لم يكن التفكير في الصاروخ وليد الحرب الحالية ، بل كانت الفكرة كامنة في خيال المهندس من زمن بعيد .

فلقد اقترح المهندس الإنجليزي وليم كوجريف أن يتخذ من فكرة الصاروخ سلاحا سريا لقهر نابليون . فهزا منه رؤساء البحرية المحافظون . ولكن سرعان ما تحقق حلم كوجريف واستخدم الصاروخ لتدمير ثغر " بولونى " بنوع من القنابل الصاروخية من قوارب صغيرة . كما لجأت قوة ) انجليزية عند النزول بشواطئ يوغوسلافيا إلى استعمالها أيضا .

وقد ظل الصاروخ سلاحا بحريا هاما إلى أواسط القرن التاسع عشر حين صرف الاهتام إلى المدافع ذوات الماسورة

ولم يكن لدافع الصاروخية أي شأن في الحرب العالمية الماضية ، ولكنها لم تكد تنتهي حتى تألفت جمعيات من الهواة في ألمانيا والنمسا وروسيا والولايات المتحدة . واشتغل بعض اعضائها بتجربة ارسال صواريخ جوية لتكون الخطوة الأولى للاتصال بالكواكب والسيارات ، ولقد لقى بعض التحمسين منهم حتفهم في تلك المحاولات ، ومن الطريف أن مهندسا نمساويا  أنشأ صاروخا لحمل البريد ، فكان يرسل قذائفه لتتخطي الجبال ، حتى إذا ما غد الوقود انفتحت مظلة وهبطت بالبريد إلى الأرض .

ولكن الذي استأثر بفضل هذه النهضة العالمية في تجارب الصاروخ هو الدكتور روبرت جودارد أستاذ الطبيعة في جامعة كلارك . فقد أعاد الدكتور جودارد تصميم الصاروخ الضخم القليل الإحكام على أسس علمية صحيحة، فوضع جهازا يحفظ توازنه بطريقة آلية ونبذ الوقود الصلب المسحوق وأتقن صنع خليط من البنزين والأكسجين السائل ، وبذا

زاد سرعة الصاروخ من ١٠٠٠ قدم في الثانية إلى حوالى سبعة أمثال ذلك .

وفضلا عن كون الصاروخ قذيفة فإنه أيضا آلة محركة عظيمة الطاقة غنية بما يرجى منها ! فالألمان يستعملون آلات صاروخية ليرفعوا بها فاذفات القنابل الثقيلة الحمولة ، كما أن طائرات القتال التي تنطلق من فوق السفن " حاملات الطائرات تقذف في الهواء بقوة الصاروخ ، واستعمل الروس الصاروخ كمدفع مضاد للطائرات ، واستعمله الأمريكان كمدفع مضاد للدبابات " البازوكا " واستعمله الألمان كطوربيد جوى .

والعامل الأساسي في سرعة الصاروخ هو مروره في طبقات الجو العليا المسماة واسترانو سفير " siratosphere ولما كانت هذه الطبقة خالية من الهواء فإنا نجد أن الصاروخ بمروره في هذه الطبقة لا يجد مقاومة على الإطلاق تسبب نقصان سرعته

الصاروخ الالمانى ف٢ :

ادت زيادة المعرفة بالوقود والاحتراق والدراسات الخاصة في المعادن والآلات وعلم طبقات الجو في السنوات الأخيرة إلى محاولة تطبق هذه التجارب عمليا كان من نتيجتها أن أخرج الصاروخ الألماني من حيز التجربة إلى النطاق العملي . ولقد كان العلماء الألمان في خلال العشرين عاما الماضية وراء احتمالات إيجاد صاروخ كبير ، فوضعوا التصميمات وعملوا الحسابات له ، ولكن لم يكن هناك من يحبذ أو يعضد اخراجه للوجود ، ويمكن تصور ضخامة هذه المحاولات إذا علم أنه لم بنته جديا من حل جميع العضلات الخاصة بالصاروخ إلا في عام ١٩٤٣ ، وحتى الآن فهناك من الأدلة ما يشجع على التفكير بأن الصاروخ ف ٢ قد استعمل عمليا قبل أن يكمل تماما .

أما المسئول الأول عن إتمام وإظهار كل من القنبلة الطائرة والقنبلة الصاروخبة فهو الأستاذ أو برث العالم الألماني الذائع الصيت . فمن سنة ١٩٣١ والأستاذ أو برث يتخذ الصاروخ الضخم البعيد المدى هوايته المفضلة ، وقد يمكن من حساب الزمن الذي يغضبه أحد هذه الصواريخ من برلين إلى كل من نيويورك وموسكو ولكن بقطع المسافة إلى الأولى في ٢٤ دقيقة وإلى الثانية في ١١ دقيقة وإلى الثالثة في ٦ دقائق فقط .

والصاروخ الألماني في٢  يحتوي على الأجزاء الرئيسية الآتية كلها داخل غلاف هيكلي يشبه إلى حد كبر جسم الطائرة : فالمقدمة تحتوي على مازنته طن من المفرقعات يليها غرفة تحتوى على أدوات التحكم في مسار القذيفة ، ثم وعائين كبيرين من الألمنيوم احدهما يحمل مازنته ٥٣ طن من الكحول والآخره اطنان أكسجين سائل ، ثم غرفة تحتوي على التربين والمضخات وتنتهي بغرفة الاحتراق ، وفتحة خروج العادم .

ويبلغ طول القذيفة ٤٦ قدما وقطرها ٥,٥ أقدام ، وتزيد الزعانب الأربع الكبيرة المركبة على الديل كثيرا من ضخامة القنبلة ، كما يزن الصاروخ عند بدء إطلاقه ١٢ طنا .

التحكم في سير الصاروخ :

طريقة التحكم في الطيران تكون بواسطة تحريك بعض أجزاء في زعانف التوازن الخارجية ، وكذلك بواسطة ألواح خاصة في طريق خروج الغازات التي تدفع الصاروخ وهذه الألواح مصنوعة من الكربون كي تتحمل حرارة الغازات العالية . ويحرك هاتين المجموعتين وكذلك صمام ماسورة الكحول آلات كهربائية هيدروليكية .

ويقذف الصاروخ ف ٢ عموديا من على مصطبة خرسانية ، ولا يحتاج إلا إلى آلة بسيطة لاستعدالة في الوضع الرأسي . وعند إدارة التربين تقوم المضخات بضغط الوقود لغرفة الاحتراق حيث يتم الاشتعال كهربائيا بواسطة جهاز موجود في غرفة بعيدة على مسافة حوالي ١٠٠ قدم من القنبلة . ومن ثم تخرج نتائج الاحتراق من فتحة خروج العادم باندفاع شديد مكونة دفعا قوته ٢٦ طنا كافيا لدفع الصاروخ عموديا إلى أعلى بعجلة تزايدية لمدة ٦٠ ثانية . ثم يبدأ عمل الجيروسكوب ، إما بواسطة آلة زمنية تتحكم فيه أو آلة بارومترية أو بالراديو ، وهذا بدوره يحرك الآلات التي تتحكم

في الأجزاء الخاصة من الزعانف الداخلية والخارجية لتغيير زاوية الطيران من الوضع الرأسي إلى زاوية 245 في اتجاه المرمى ، ويقدر المدى بكمية الوقود المستهلكة والتي تتحكم في السرعة النهائية للصاروخ ، فعند نقطة معينة تنقطع قوة الصاروخ المحركة بانقطاع دخول الوقود ، ويكون ذلك بواسطة جهاز خاص أو بواسطة الراديو ، ثم يستمر الصاروخ منطلقا بتأثير عزم دفعه ، وتبلغ أقصى سرعة له عند منع الوقود حوالى 3000ميل / ساعة ، ومن ثم يتخذ مسارا كأي قذيفة منطلقة من مدفع على نفس الزاوية .

ابتداء الطيران :

في أثناء صعود الصاروخ يقل وزنه تبعا لاستهلاك الوقود ، ولما كانت قوة الدفع تظل ثابتة ، فإن الصعود يكون بعجلة تزايدية وفي نفس الوقت تقل كثافة الهواء فنقل كذلك المقاومة ، مما يترتب عليه زيادة اكبر في العجلة التزايدية في أثناء صعود الصاروخ تحت قوة دفعه

وهذا يبين لنا بدون شك الفكرة في إطلاق الصاروخ عموديا ، وذلك لكي يقطع أقصر طريق في الجزء الأكثر كثافة نسبيا وهو القريب من سطح الأرض ، وتظهر أهمية ذلك جليا عند معرفة أنه عند ارتفاع ١٢/٥ ميلا من سطح الأرض يقل الضغط من ٧٦٠ م إلى ٤٤ مم زئبق

وعلى العكس من ذلك فإن مقاومة الهواء تقلل كثيرا من سرعة الصاروخ أثناء نزول مرة ثانية إلى الأرض . ولما كانت جميع هذه السرعات عالية فإن قوة الاحتكاك تبلغ مبلغا كبيرا بدرجة أنه قد شوهد فعلا الصاروخ ف ٢ أثناء نزوله أحمر قاتما .

هذا هو الصاروخ كما استعمل أيام الحرب . أما في السلم فينبأ لهذه الصواريخ بمستقبل حافل . فنقل البريد الجوي السريع عبر القارات بصواريخ كبيرة سيصبح مسألة دقائق معدودة ، كذلك يمكن استخدام هذه الصواريخ في جمع المعلومات الكافية للرصد ، والتنبؤ عن حالة الجو . وذلك بإرسالها في طبقات الجو العليا مجهزة بأجهزة ارسال لاسلكي متصل بجهاز آخر على سطح الأرض لتلقي الإشارات .

ونحن نرجو أن يتجه التقدم العلمي نحو خدمة الإنسانية يدل أن كان متجها نحو التدمير ، حتى يصبح كوكبنا الأرض جنة من جنات الله بعد أن أصبح مقبرة للبشرية .

اشترك في نشرتنا البريدية