يرجع اكتشاف الماس بجنوب أفريقيا إلي عام ١٨٦٧ ، وكان الناس قبل ذلك يجهلون انطواء أرضها عليه . وكانت الهند منذ القدم هي المصدر الوحيد الذي يمد العالم بهذا الحجر الثمين حتى اكتشف وجوده بالبرازيل وبالمنطقة المحيطة بمدينة كمبرلي بجنوب أفريقيا حيث توجد اغني حقوله
وتقع مدينة كمبرلي فوق هضبة افريقيا الجنوبية في وسط سهل رملي فقر لا يشعر بالثراء ، وهي تبعد عن مدينة السكاب نحو الشمال بمقدار سبعمائة ميل - ويدهش الزائر الغريب لهذه المدينة يتساءل ؛ كيف أنها تنار بالكهرباء وتعج بالحوانيت والفنادق الكبيرة وتصدر لها الصحف اليومية الكثيرة ؟ ويثير عجبه توفر جميع مظاهر المدنية بها ، كما يتملكه الدهش أيضا عندما يقع بصره على أهلها وهم يبدون بأبهج الحلل وتكتظ بهم الطرقات ودور الأعمال في كل مكان ؛ ولكن سرعان ما يبطل عجبه ويزول عنه الدهش عندما يعلم أن كمبرلي من بين أغني مدن العالم إن لم تكن أغناها ؛ فالأرض من حولها تنتج من الثروة ما يزيد على ما ينتجه غيرها منها ، والماس هو مصدر هذه الثروة التي يحتويها الثري ، وماسها من أنقي الأحجار وأكبرها حجما ، وتمثال السكيةالمنتجة منه ٩٠ % من جملة ما ينتجه العالم ، وقد بلغ مقدار ما أمكن الحصول عليه منه في مدى أربعين سنة ما يربو علي خمسة عشر طنا ، والطن من الماس حمل حصانيين ؛ وإذا استطعت تصور ثلاثين حصانا يحمل كل منها حملا ثقيلا ويسير الواحد منها خلف الآخر لاستطعت تصور الكمية الهائلة من الماس الثمين الذي تمد به العالم هذه المنطقة الغنية من جنوب أفريقيا . والقطعة الصغيرة من الماس تساوي عديدا من الجنيهات ، وقياسا على ذلك يساوي إنتاج هذه المدينة الكبيرة ملايين الجنيهات ، وهي تنتج سنويا ما تعادل قيمته خمسة ملايين من الجنيهات
على وجه التقريب ويعمل في صناعته بها آلاف الرجال .
وقد كانت الهند منذ القدم مصدرا مهما لمد العالم بالماس وما لبثت البرازيل أن عاركتها في هذا الميدان عندما اكتشف بها الماس قريبا من مدينة باهيا ، وسرعان ما رحل إليها آلاف الرجال للبحث عنه وذلك بمجرد السماع بأكشاف وجوده هناك ولم يكن أحد يظن في وجود الماس بجنوب أفريقيا حتى عام ١٨٦٧ حينا عثر عليه هناك شخص يدعي " جون أوريلي " والمتواتر ان " أوريلي " هذا كان يصطاد قريبا من شاطئ نهر قال ولما أصابه الإعياء واستولى عليه التعب وجن عليه الليل لجأ إلي مزرعة قريبة لشخص يدعي " عموك فان نا يكرك " وهو ثري من أهل هولندا اثر العيش بهذه البقعة المتوحشة . وبينما كان الصياد يجاذب مضيفه أطراف الحديث وقع نظره مصادفة على بعض أحجار براقة ملقاة فوق منضدة صغيرة ، ولما تناولها بين يديه وأخذ يقلبها فاحسا قبل له إنها جلبت من شاطئ نهر قال ، وما رأي مضيفه إعجابه بها حتى أهداه إياها فتقبلها منه شاركا ، ولما أعاد فحصها وجد من بينها حجرا كبيرا فيه خاصة قطع الزجاج فعرضه على أحد تجار المجوهرات فأخبره التاجر أنه قطعة من ماس وأنه يساوي من القيمة ٢٥٠٠ دولار . وماذاع هذا الخبر حتى هرع الأوربيون والوطنيون علي السواء إلى هذه المنطقة للبحث عن الثراء ، ومر عامان ولم يعثر على حجر كبير آخر ، وأخيرا عثر عليه أحد رجال الهونتوت وباعه " لشوك فان نايكرك " مقابل قطيعين صغيرين من الماشية والأغنام لم يتجاوز ثمنهما جميعا الفي دولار ، وباع " فان نايكرك " هذا الحجر إلي أحد تجار الناس بمبلغ خمسين ألف ريال وأرسله هذا بدوره إلي انجلترا حيث ابتاعته الكوتية " دودلي بعد صفة بما يزيد على ضعف
ثمنه . وظهر أنه من الماس الأبيض النقي وأنه يزن ثلاث أوقيات ونصف أوقية .
وما ذاعت أنباء هذا الكشف العظيم حتى عسكر كثير من الرجال قريبا من شواطئ نهري فال وأورانج وشمروا عن سواعد الجد وأخذوا يقلبون الثري رجاء العثور على الماس الثمين ، ولم يوفقوا إلى العثور على شئ البتة بجوار نهر أورانج ، وما وجدوا سوى القليل منه قريبا من نهر فال ؛ وما إن وسعوا دائرة بحثهم حتى اهتدوا إلى مواطن الماس الغنية غير بعيد عن مدينة كمبرلي حيث توجد منه كميات كبيرة تختلط بالثري وتتعمق في باطن الأرض إلى أغوار لا يعلم أحد مداها ، وتعلو البقعة التي تحويه طبقة من الرمل الأحمر بسمك بضع أقدام فوق طبقة أسمك منها من رواسب الحجر الجيري فوق طبقة من الطمي الصلب الذي يتخلله الماس - ولهذا الطمي لون أزرق ولذا تسمى الأرض التي تحوي الماس بالأرض الزرقاء ، وهي تحوي خليطا من مختلف الأحجار يختلط بها الماس والكل صلب متماسك كأنه الصلصال الصلد ، وتمتد الأرض الزرقاء متعمقة على هيئة أنابيب أو أنفاق ، وعندما تستخرج من باطن الأرض تجفف في الشمس ثم تبلل بالماء بين الفينة والفينة لتتشقق إلى قطع صغيرة يمكن إذابتها وفصل قطع الماس عنها .
وكانت المناجم في باديء الأمر تحفر بكل مكان في حدود منطقة الماس لمعرفة خير مواطنه . وتبين أخيرا من جميع هذه الحفريات أن للماس أربعة حقول بالغة الأهمية تقع جميعها حول مدينة كمبرلي في دائرة لا يعدو اتساعها ثلاثة أمبال ونصف الميل ؛ وقد أطلقت على هذه المناجم أسماء : كمبرلي - دي يوز - دينوتيسبان - بولفوتاين ، وبدئ في استغلالها استغلالا سطحيا فكانت الطبقة الزرقاء ، تحمل إلى السطح في سلال تجذبها الأسلاك ، ثم تقدم الاستغلال إلى التعمق بداخل المنجم وشق انفاق جانبية به وحمل الطبقة الزرقاء المستخرجة منه إلى السطح بواسطة آلات تجارية .
ويستخرج الماس اليوم على نطاق واسع ، وقد ابتاعت شركة دى يوز اغني حقوله ؛ وبدأت هذه الشركة عملها برأس مال لا يتجاوز عشرين مليونا من الدولارات ؛ وهي
اليوم تهيمن على انتاج الناس بجنوب افريقيا . وإذا تيسرت لك زيارة أحد مناجم الماس فانك تستقل المصعد فيهبط بك إلي أسفل المنجم حيث تشاهد الوطنيين أنصاف العراة يكسرون الصخر ويحملونه العربات التي تنقله إلى سطح المنجم وقد تصل في هبوطك بداخل المنجم إلى عمق يصل أحيانا إلى أكثر من ألف قدم تحت سطح الأرض ، وقد تسير بداخل نفق من الأنفاق حيث تتيسر لك رؤية العمال وهم مكبين على العمل بجلد وصبر ، وجلهم من الوطنيين ذوي البشرة السوداء وهم يحفرون الأرض باحثين عن الصخر الأزرق ، ويرفع بعضهم قطع الصخر الكبيرة ويضعونها فوق العربات ويعمل البعض في دفع العربات لتوصيلها إلى سطح المنجم بواسطة الرافعات ، وبلغ من شدة الحرارة بداخل المنجم أن تري العرق يتصبب من هذه الأجسام السوداء .
ويضاء المنجم بالكهرباء وتستطيع أن تشاهد جميع ما يحويه واضحا كأنك في وضح النهار ، ولو أمسكت قطعة من الصخر الأزرق الذي يحوي الماس لوجدتها كالصابون ملساء ، ولو نظرت إليها متمعنا لما وجدت بها ماسا . وعندما يصل الصخر الماسي إلي سطح المنجم يذهب به إلى حقول التجفيف ، ولو تيسرت لك مرافقته لشاهدت الرجال ينثرونه فوق الأرض فتبدو الأرض من تحته على هيئة حقل ذي طينة زرقاء قد فرغ من حرثه في التو واللحظ ، ويلاحظ أن الكتل الزرقاء الضخمة في صلابة الحجر الجيري وهي تحتاج إلي شهور كي تتفتت ، ولذلك يرش فوقها الماء بين الفينة والفينة وتغرق قتلين وتتشقق ، وبعد ذلك تتفتت ، ثم توضع بداخل أسطوانات سريعة الدوران ، ويضاف إليها الماء بين وقت وآخر فيذوب الطمي الأزرق ويطفو ، وترسب الأحجار ومن بينها الناس فوق مناضد حديدية طلبت بمادة دهنية فتلتصق بالمناضد ، ويعمد القائمون على هذا العمل بين وقت وآخر إلى كشط المادة الدهنية لاستخلاص أحجار الماس منها بعد صهرها . وعندما تتطلع إلي هذه الأحجار الماسية لا تجد لها ذلك البريق الذي تبدو به عندما تقطع وتصقل . ومثل الماسة الخام مثل الحجر الأبيض القليل اللمعان، وتنقل الماسات الخام إلى مصنع الشركة ، حيث تنظف
بالاحماض وتدرج بعناية تبعا للون والحجم ودرجة النقاء ثم تجزأ إلى طرود وتثمن ويبتاعها التجار المحليون وهم وكلاء عن كبار تجار الماس في العالم ، ويقوم هؤلاء التجار بشحنها على ظهور السفن إلى أوربا وأمريكا حيث تقطع وتصقل وبصاغ منها الجواهر والحلى ؟ وبهذه المناسبة تذكر أن أمهر صاقلي الماس يوجدون بمدينة أمستردام بهولندا .
ويتباين الماس المستخرج من جنوب أفريقيا من حيث اللون ، وأعنه ما كان أبيض نقيا ، ومن الماسات ذات اللون الأخضر ، ومنها الزرقاء والصفراء والبرتقالية والقرنفلية ، ويتوقف تحديد قيمة الماسة عموما على الحجم والقون ودرجة النقاء
وقد عثر في سنة ١٨٨٨ علي ماسة كبيرة صفراء بمنجم دي يوز بلغ وزنها ٤٢٨ قيراطا قبل الصقل و ٢٢٨ قيراطا بعده . ولكن بدتها ماسة أخري أكبر منها بلغ وزنها ٩٧٠ قبراطا عثر عليها بولاية الأورانج الحرة بعد ذلك بست سنوات ، وقد يذنها كذلك ماسة أخري اكبر من الجميع عثر عليها بالبرتغال في سنة ١٩٠٥ وزاد وزنها عن ٣٠٠٠ قيراط
وقد تخال أن الماس بالمنجم نهب مباح لكل من تحدثه نفسه بذلك ، وتلك هي الحقيقة بعينها لو لم تتخذ احتياطات مشددة ، من بينها أن يبقى عمال المنجم به " مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر متتالية وان يقيموا ويبيتوا في أماكن متصلة به تحيط بها أسوار عالية مصفوفة مشكلة من الأسلاك الضيقة الثقوب تحول دون إلقاء الماسات المسروقة إلي الأصدقاء بالخار ج ؛ كما أن هؤلاء العمال يراقبون أثناء العمل مراقبة شديدة تمنعهم من ابتلاع الماسات أو إخفائها في أجسامهم وهم يفتشون دائما للتيقن من أنهم لم غفوا شيئا تحت آباطهم أو بين أصابع أقدامهم أو في شقوق أو جروح يعمدون إلي احداثها بأجسامهم لهذا الفرض ؛ ويعطي العامل رداء جديدا كلما دخل المنجم ويفتش جيدا كلما غادره ؛ وإلى جانب ذلك فالقانون يتضمن عقابا صارما لكل من يبتاع ماسا من أحد من أهل البلاد أو من غيرهم ممن لا يستطيعون إثبات ملكيتهم له أو مصدر حصولهم عليه

