للأبحاث الطبية منزلة عظيمة عند العلماء ؛ فكل كشف في ميدان الطب يقربنا خطوة من الفهم الصحيح للجسم الإنسانى ، ضعفه وقصوره من ناحية ، وقوة مقاومته وقدرته الحجيبة على النزال من ناحية اخرى . ويتمتع علماء الطب دون كثير من زملائهم الباحثين في الميادين الأخرى بالتقدير ؛ إذ من المعروف أنهم يكدحون في سبيل تخفيف الآلام وعلاج الأمراض . وقد سجل علماء الطب في النصف قرن الأخير ما يشبه المعجزات في ميادين البحث عن منشأ الأمراض ، واكتشاف طرق جديدة للتغلب عليها ، وفي الحد من الوفيات وإطالة حياة الإنسان . ويرغم ما أدركوه في هذا المجال فإن الطب ما يزال بتقدم بخطوات جبارة لا تعوقه ، الحروب ولا تثنيه الكوارث التي تهدد حياة الإنسان .
فمنذ أجبال كانت الأمراض تعد مسا من الشيطان ، وكان الإنسان يقف مكتوفا إزاءها ؛ كانت أوبئة الحمى القرمزية والكوليرا والتيفوس تصد الأرواح البشرية دون شفقة ولا تلقي مقاومة تذكر ؛ أما الآن فإن معظم هذه الأوبئة الخطيرة السريعة الانتشار يمكن التحكم فيها . وفي قاعات الولادة في أوربا بلغت نسبة الوفيات بين المواليد خمسين في المائة ، أما الآن فمن بين الآلاف من المواليد لا يزيد عدد الوفيات عن عدد أصابع اليدين .
وفي خلال الحرب العالمية الأولى كان تقيح الجروح . بين القوات المقاتلة بسبب عددا كبيرا من الوفيات ، ففي بعض الحيوش كان سبعون في المائة من الجرحي يموتون من
تتيح الجروح والكسور . أما في الحرب العالمية الثانية فقد انخفضت هذه النسبة كثيرا بين الجيوش الأمريكية والإنجليزية والروسية على حد سواء ؛ ويرجع الفضل في هذا وفي غيره من النتائج في ميادين الطب والحراحة إلى جيش صغير من علماء الطب يشتغلون في المعامل ومعاهد البحث في أنحاء العالم ، وتبقى أسماؤهم - إلا نادرا - في طي النسيان لا يذكرها العامة ، بل ولا الأطباء الذين يجنون ثمار أبحاثهم . ومرتبات هؤلاء العلماء غالبا ضئيلة ، ولا يصل دخلهم إلى جزء مما يكسبه زملاؤهم الدين يمارسون الطب . ومع ذلك فإنهم يشعرون بالغيظة والقناعة والرضا أكثر من العاملين في أي ميدان آخر ، فإن عملهم دائما مشوق وعجيب ، إذ أنهم يبحثون أهم مسائل الوجود ، ويسمعون إلى الإجابة عن تلك الأسئلة الخالدة عن سر الحياة والموت .
والكشف الطبى ليس وحدة قائمة بذانها ؛ وإنما هو حلقة في سلسلة طويلة ، فإن الكشف لا يمكن أن يعد كاملا نهائيا . بل هو دائما يعدل وتتفرع منه خطوط جديدة للبحث . وكل اكتشاف يؤدي إلى بحث جديد ، وكل بحث يؤدي إلى اكتشاف ، وهذا التوغل اللانهائى المنير في أسرار الحياة يلهب فضول الإنسان وبشجعه على مداومة البحث .
والبحث الطبى بشبه نباتا ينمو ، فمن بذرة واحدة رماها مجهول - عالم أسدل عليه ستار النسبان - تنمو شجرة هائلة ذات فروع كثيرة وأطراف عديدة . وهي تنمو ببطء . وكثيرا ما تلاقي عقبات كثيرة . ولا بد أول كل شئ من أن تعد الأرض الصالحة لتلقى البذرة ، ويحب أن تكون البذرة قد تم نضجها ؛ وفي هذا العمل التهيدي يشترك عدد
كبير من العلماء ، يعملون هنا وهناك كل على حدة حتى تأتي اللحظة الحاسمة حين يأتى رجل ذو شخصية خارقة ونظر ثاقب فيؤاب بين النتائج المتفرقة ويقدم إلى العالم كشفا .
ولا يصل إلي سمع العامة إلا أسماء العلماء الذين تم على أيديهم الكشف ووصل بهم إلى نهايته الوقفة . فالعامة يعرفون أسماء وليم هارفى وجوزيف ليستر ولوى باستير وروبرت كوح . ولكن وراء هؤلاء آلاف من العلماء الآخرين ساهموا في هذه الأبحاث مساهمة فعالة حتى آن لها أن تؤتى ثمارها .
وليس في البحث الطبى شئ يأتى علي حين غرة ، فكل كشف كان فكرة غامضة راودت العقول وقنا طويلا . فمن لم يسمع ببحوث الدكتور وليم هارفى ، أبي الفسيولوجيا الذي اكتشف في القرن السابع عشر دورة الدم ووصفها في دقة ، فوضع الحجر الأساسى في علم الطب الحديث ؛ ومع ذلك فإن رجال الطب في جامعة باروا حيث تعلم هارفي الطب شابا ، كانوا جد قريبين من نفس هذا الكشف . ألم يكتب سرقينس عن الدورة في الرئتين ؛ ألم يكتشف فإبريكيس أستاذ هارفي صمامات الأوردة وصفها ؟ لقد أعدت الأرض الصالحة لنظرية الدورة الدموية . ولكن هارفي نظم المشاهدات السابقة وجعل منها وحدة واكتشف أدلة جديدة وقام بتجارب بسيطة عبقرية وضع بها أسس نظريته الجديدة .
والجراثيم التي اكتشفها أنطون قون لوڤنهوك فى عام ١٦٧٦ : قبل ذلك بأعوام لاحظ پير بوريل بمجهر بدائى أجساما تشبه الجراثيم وصفها في كتابه الذي نشر عام١٦٥٣ . وفي عام ١٦٥٠ اعلن اثناسيوس كيرشر أنه رأى فى الدم أجساما دقيقة هي في رأيه سبب الطاعون .
وباستير نفسه ؛ قبل أن يستطيع إثبات أن الجراثيم سبب المرض، اقتنع بأن فكرة التوالد الذاتي فكرة خاطئة من أساسها ، وكانت هناك مشاهدات عدة تشير إلى أن الجراثيم التي تملأ الجو أو تعيش على الجروح المتقيحة تاخذ طريقها إلى الدم وتسبب التسمم ، وقبل أن يبدأ باستير تجارب عن الجمرة أوضح بارتفى أن جرنومة الجمرة يمكن نقلها إلي
الخراف ، ومن بعده استطاع راير ودانين إثبات أن هذا المرض يمكن انتقاله من الخراف المصابة إلي السليمة بحقنها بالدم ، وبعدها بخمسة عشر عاما أمكن باستير عزل الجرثومة وزرعها وإثبات أن المرض ينشأ بسببها ؛ فعظمة باستير ليست فقط في المشاهدات التى شاهدها والتجارب التي أجراها ، بل هي أيضا في شجاعته وفي نظراته الثاقبة وتفكيره الباهر وروحه الجريئة . فقد كان على استعداد للقتال من أجل عقيدة يؤمن بها حتى يخرجها من الغموض ليتقبلها الجميع .
وحتى اكتشاف الكسندر فلمنج الفجائى للبنسلين ، العقار الذي قربنا من الانتصار الباهر على دنيا الجراثيم ، كان له مقدماته . ففي عام ١٨٩٧ أعلن دونتس أن نوعا من الفطر يسمي البنسيلم له القدرة على إعاقة نمو الجراثيم . وبعدها غمسة عشر عاما ؛ اكتشف نودرمر من معهد باستير أن الفطر المسماة ((أسير جلص فيوميجانس )) تحد من نمو مكروب السل وتجعله أقل نشاطا وقوة . وقبل أن يكتشف الفطر الذي أصبح عالمى الشهرة الآن ، ألا وهو (( البنسليم نوتاتم )) اكتشف روزنتال في معهد باستبر بباريس واندريا جراثيا وسار دات من معهد باستبر بيرو كسل ، المادة الفعالة التى تفرزها هذه الفطر ، ولكن هذه الاكتشافات التى سبقت عمل فلمنج دلت على أن هناك فكرة تنتظر عالما كبيرا ليخرجها إلى الوجود ، فعظمة فلمنج هي في اعتقاده الذي لا يتزحزح في صحة كشفه وفي بصيرته ومثابرته .
إذا فهناك نوع من التسلسل في تقدم العلوم الطبية ، وهناك هدف نقودنا إليه البكتريولوجيا الطبية ، فما هو هدف ذلك العلم الذي يعنى بدراسة الجراثيم المسببة للمرض ليتسنى لنا مكاخنها يحذق ؟ .
كان هناك وقت يعيش فيه إنسان ماقبل التاريخ في مجاهل الغابات تحيط به الوحوش المفترسة ، وكان يعتبر نضاله من أجل البقاء عاديا وطبيعيا . ففي يوم تفترس الوحوش رجلا ، وفي اليوم التالي يقتل الرجل وحشا . ولم يكن الإنسان البدائي بقادر على أن يرى حياة أخري أكثر أمنا . فلما انتشرت المدنية وتجمع البشر ، اختفي خطر الوحوش المفترسة ،
بل استؤنست بعض الحيوانات واستخدمت لسد حاجات الإنسان . ولكن خطرا جديدا ظهر في شكل الجراثيم المسببة للأمراض ، فبدأت الأمراض التي لم تكن معروفة لأسلافنا القدماء - على ما نعلم - تهدد بقاء الجنس البشري ، فاجتاحت المدن والبلدان وقضى الطاعون والكوليرا ، والتيفوس والدفتريا والجدري على ملايين لا تحصى . وكانت الالتهابات الرئوية وغيرها من الأمراض تفضيل على الكثيرين من بني الإنسان في طفوانهم أو مطلع حياتهم . فماذا كان موقف الإنسان من هذه الأخطار التي لم يكن يدري كنهها ؟ لقد كان خطر الحيوانات المفترسة حقيقة مدسوسة يستطيع رؤيتها ومحاربتها . أما الأمراض فهي تجعله بواجه المجهول ؛ وكان عجز الإنسان ووقوفه لا حول له أمام الأوبئة الفاجئة التي تقضي علي الزوجات والأزواج والأطفال والأصدقاء ، تجعلها في نظره شيئا فوق الطبيعة يتصل بالسماء . وظلت النظريات الخرافية عن منشأ الأمراض عامة والأوبئة بوجه خاص تسيطر على تفكيره عصورا عدة . كانت المكروبات تلك الأعداء الخفية للروعة الأشد خطرا من الوحوش المفترسة في كل مكان من حوله . كان المرض يعتبر يد السماء الضاربة ، والعقاب على الخطابيا والأثام .
وحتي حين تقدم العلم وازدادت معرفتنا بالجراثيم المسببة للمرض ظلت هذه النظرة الواهمة إلى الأمراض باقية ، وكان هذا الاعتقاد الخرافى وإن تمثل بعض الشئ يؤلف جزءا من نفوسنا حتى وقت اكتشاف البنسلين .
إن الدور غير العادي الذي لعبته العقاقير المضادة للجراثيم وبالأخص البنسلين ، لم يقدر بعد التقدير الكامل . فإن الأعوام القليلة التى مرت منذ استخدم البنسلين قد غيرت موقفنا من عدونا القديم ، المكروب ، تغييرا جوهريا .
والعوامل النفسية في قتال المرض ذات أهمية قصوى ، فإن اختفاء الاعتقاد الخرافي في منشأ غرض نتيجة اكتشاف العقاقير الجديدة وعفنا أن الجراثيم يمكن قهرها بنجاح بواسطة هذه العقاقير العجيبة لما يساعد إلى قدر كبر على الشفاء العاجل وإن كان من الطبيعي أن قوي المقاومة في الفرد ما تزال الذخيرة الهامة في قتال المرض . إلا أن تحسن نفسية
المريض هو غالبا ما يكون الحد الفاصل بين نجاح العلاج وفشله .
ما هو الهدف الذي يرمي إليه علم البكتريولوجيا الطبية ؟ إنه يبدو حقا أو خيالا ذلك الهدف الذي تتحرك نحوه العلوم الطبية كأنما تدفعها قوة إلهية . إن هذا الهدف هو أن تعيش في عالم لا مكروبات فيه ، وأن تجعل كل الجراثيم المسببة المرض أليفة وغير ضارة ، وأن نري الأوبئة قد تلاشت من العالم أو علي الاقل يسهل تضييق الحناق عليها ، وأن تجعل من عالنا عالما آمنا ، والموت بالالتهاب الرئوي أو الطاعون أو الالتهاب السحائي أو السل أو غيرها من الأمراض نادرا ندرة الحيوانات المفترسة في عالمنا .
هل يوجد مثل هذا العالم يوما ؟ نحن لا نشك في ذلك . وكل الظواهر تؤيد اعتقادنا أنه - إن آجلا وإن عاجلا - لن تكون بحاجة إلى الخوف من الجراثيم المسببة للمرض . حقا أننا لا نزال في أول الطريق إلي ذلك النصر العظيم ، وربما مرت أجيال حتى تصل إليه ؛ ولكن لا يشك من يراقب عن كتب تقدم علم العقافير الجديدة في أن هذا الحلم سيتحقق يوما ما .
ففي الماضي القريب خطونا خطوة رائعة في هذا السبيل . تعلمنا الكثير عن حياة هذه البكتريا المرضية ونواحي ضعفها وقصورها ومن اين يمكن أن تهاجمها العقاقير ، وباكتشاف البنسلين وغيره من المواد المستخرجة من الفطر والبكتريا فتح أمامنا طريق جديد . وفي هذا المجال أحرزنا من التقدم في الأعوام القليلة الماضية أكثر مما أحرزناه في أجيال سابقة . لقد استحق الكسندر ففلمنج ذلك الفضل الذي أحاط ليستر لباستير حين قال : (( لقد بدوت الفموض الذي أحاط يقتالنا للمرض سنوات عدة )) فإن فلمنج قد أوضح لنا الطرق الجديدة لاقتناص المكروب والسبيل الذي يؤدي إلى النصر النهائي.
وفي ضوء اكتشاف البنسلين وغيره من المواد الطبيعية يددو مستقبل الإنسانية ملئا بالأمل . ففي كل عام ستتخفض الوفيات بالمرض ويقل فزعنا من الجراثيم القاتلة . فلا يجب أن سمي الإنسان هذه الاكتشافات والعفاقير المعجزة )) .

