يكاد السل يتفرد ، مجموعة من الخصائص مجمله - فوق كونه مرضا قاسها يخترم الأعمار - مشكلة اجتماعية بالغة الخطورة ، وبخاصة في مصر التي لم تقطع بعد كل أشواط التقدم الاجتماعي
ومع أن الإحصاءات في مصر تقدمت ، فإن مرضي السل ثم يعرف عددهم على وجه ، ومرجع ذلك تكتم المرضي وأهلهم ، واعتبارهم في احيان كثيرة هذا المرض عارا ، ثم مساومة الأطباء أحيانا لهم في مسلكهم .
على ان من الواضح أن هذا الداء يحصد من المصريين عشرين الفا في كل عام ، وان الإصابات به تتجاوز مائتي ألف قسمة ، وأن انتشاره - مع شديد الأسف - في تزايد مطرد في مدائن مصر وقراها .
ومرض السل وإن كان بسبب الأفراد من مختلف الأعمار ، إلا ان فتكه بالشباب أشد ؟ ومعنى هذا انه يترصد رجال الغد ، ويحرم البلاد منهم ، وإنه لحرمان يتطوي على أفدح الخسائر .
والسل يغزو عمال المصانع وخاصة عمال المحالج والمغازل ومصاع النسيج والمطاحن والحجارين وغيرهم ، وهؤلاء جميعا وأمثالهم من العمال هم بعض عدة الوطن ، فما يؤذيه في كيانه الصناعي أن يفقدهم .
وداء السل داء خبيث ؟ فهو غالبا لا يكتشف في مبدأ امرئ بل يظل يعمل عمله وحامله مخدو ع ، بحسب ما يحس من أعراض الداء أعراض لبعض الأمراض الأمونة السهلة التي تكشف الإنسان في حالات كثيرة
ولقد يشك الريض الذي على حظ من الثقافة الصحية
في ان داء السل قد تسرب إليه ، ولكن الفقر يمسكه عن زيارة الطبيب في الوقت المناسب ، فلا يلبث أن يعشش الداء في بدنه .
وليس مرض السل من الأمراض التي يبرئها العلاج بعد أسابيع أو أشهر قليلة ؛ وإنما يتطلب علاجه أمدا يطول فمريض السل لا مناص له من ان يترك عمله ستة اشهر على الأقل ، بل لقد يتراخي وقت العلاج أكثر من هذا . وقد يلزم المريض بعد شفائه ان يريح بدنه من كل عمل ينهكه ، وعقله من كل تفكير برهقه ، وذلك لفترة غير قصيرة . وقد لا يتمكن المريض من مزاولة عمله العادي قبل سنتين .
وهذا الأمر بالذات يحمل في ثناياه اسوا النتائج ، ذلك ان بعد المريض عن عمله حينا طويلا قد بفقده إياه إن كان موظفا ، وقد يؤدي إلى فشل متجره او مصنعه إن كان تاجرا ، وإلى نقص كفائته وضياع مركزه إن كان عاملا ، وإلى ضياع سنوات دراسية من عمره إن كان طالبا.
وظاهر ان أسر المرضي تتأثر في صحيح حياءها بسبب انتقطاع عامليها من اعمالهم ، وانقطاع اجورهم تبعا لهذا ، وتتعرض لمتاعب كثيرة نصيب افرادها جميعا ، وتشكلات اجتماعية هائلة تفجر عليهم وتفسد عيشهم ، وقد توجد الإجرام بينهم ، وتتيح للكوارث في بيوتهم مفارس عميقة ، لا راعي الآن إلي الاسترسال في التحدث عنها .
ومن الخفائق الطبية ان العاء النفسي يزيد على العليل عليه ويبعده عن الشفاء مسافات ، ولا ريب أن مريض السل إذ ري اسرته : زوجه وبنانه وبنيه ، او والديه او إخوته جانبين معديين ضالين ، تتمزق نفسه وتسوء حاله . والمشاهد ان بعض المرضى - جزءا على اهلهم من ذل الحاجة - يؤثرون حمل الداء على دخول المستشفى ويظلون
يكدون والمرض يجرهم إلى القبور حتى يغيبهم فيها . . ولقد يبرأ المريض في مصر من السل ، ولا يكون عليه كي يعاود الحياة العادية إلا ان يخلد حينا إلى الراحة الواجبة طبيا ، ولكنه لا يجد السبيل إلي هذه الراحة ، لأن مصر خالية من المنشآت التي تتيح للناقه عملا سهلا بتقاضي عنه أجره كاملا ، وكل ما فيها مستعمرة المرج التي لا تتسع إلا لعدد قليل ، والتي لم تتمكن بعد من النهوض برسالتها كاملة ؛ ومن ثم فإن الناقه من السل يضطر في سبيل عيشه وعيش أهله ان يكدح كدحه العادي ، ولا يتمكن من تنظيم فترة المودة إلى الحياة العادية ، فينتكس ويعود مرضه وعجنته أسوا ما كانا .
والطب يستحسن أن يقضي الناقه من السل فترة الراحة في أعقاب مرضه في مصحة أو مستشفى ، ولكن مصر ايضا ليس فيها لهذا الفرض مصحات ولا مستشفيات . والمصحتان الصدريتان اللتان فيها لا تكادان تسمان المرضي فضلا عن الناقهين .
والغذاء الجيد الشامل للفيتامينات والأويسونينات الضرورية للجسم من أول وسائل العلاج التي يجب إتاحتها لمريض السل ، ولكن التغذية في مصر سيئة ، ولها مشكلة لم محل بعد ؟ إذ الفقر يحرم الكثيرين لا من الغذاء الجيد فسب ، ولكن من الغذاء المادي أيضا ؛ هذا فضلا عن الجهل بالثقافة الغذائية التي كان يمكن أن نعوض بعض النقص الذي يسببه الفقر.
والذين يملكون المال ، وهم قلة ، قد لا يملكون ، بسبب ذلك الجهل ولعيوب طرائق الطهي في مصر ، الحصول على غذاء شهى نافع يتقلب على ضعف الشهية الذي يصاب . مريض السل عادة .
والراحة والهواء والغداء على أهميتها الجوهرية لا تغني غالبا عن العلاج الموضع الذي يختصر في الغالب أيام
المرض ؛ فمريض السل تلزمه عملية " الاسترواح الصدري أو تحسب الحجاب الحاجز ، أو العمليات الجراحية الأخرى التى ليس هنا مجال الحديث عنها . وكل هذه لا تنهض بها المستشفيات المجانية في مصر إلا في حدود ادني مما ينبغي ، لأن عدد المستوصفات الصدرية عندنا ٢١ ، مع أن البلد يحتاج إلى ٦٠ مستوصفا ، باعتبار مستوصف واحد لكل ثلاثمائة ألف فرد ، وعدد الأسرة لمرضى السل الآن . ١٧٠٠ ، مع أنه يجب ان يكون ٢٥٠٠٠ سرير ، وهو ما يعادل عشر عدد المصابين تقريبا.
وكثيرا ما يناشد المصاب مكانا في المستشفيات فلا يجد ، فيعود إلي داره ومقر عمله ينفث المرض فيمن يحيطون به . والتمريض اللازم لمريض السل والأدوية التي تلزم لتقويته ، ومصاريف إبر الهواء التي يتعين عليه ان يداوم عليها ، ونفقات إقامته في جهة بعيدة عن موطنه إذا كان جو هذا الوطن غير مناسب ، كأن يكون شاطئيا مثلا ، ومصاريف استعمال الآشعة فوق البنفسجية ، أو اشعة اكس ، ومصاريف فحص البصاق بين فترة واخرى للتأكد من نجاح العلاج . . هذه وغيرها لا بد لها جميعا من المال ، والمال في مصر ليس في أيدي كل طبقة ، والمستشفيات أضيق وأعجز من أن نعلق عليها كل آمالنا.
والفقر لا يمكن اغلب مرضي السل من استيفاء الملابس والأغطية الكافية لتدفئة اجسامهم ، سيما وان هذا المرض بالذات يستلزم فتح نوافذ مساكنتم دواما مما يجعل التدفئة ضرورة واجبة.
والجمعيات الخيرية للاحسان التى تمنى بمساعدة المرضى المصريين وقت مرضهم ووقت تفاهتهم ، سواء بالمال أو بالغذاء أو بالكساء ، والتي تتفق على أسر المرضى والفقرا ، وتقيهم ويلات الحرمان ، ريثما يشقي عائلوهم ، هذه الجمعيات قليلة جدا ، ومجهودها محدود ، بل إن الريف المصري فيما أظن محروم منها تماما .
وإلى الآن ما زالت العناية بالمشروعات الصحية محدودة في أكثر المدن ، ومنعدمة في اغلب القري . ومن الاثار السيئة لتأخر هذه العناية أن الشوارع - إذا استثنينا شوارع الاحياء الحديثة في المدن الكبيرة ، وهي مسكونة بالمراة الذين يكونون فئة محدودة من الأمة - يتطار فيها الغبار ناقلا العدوي من الأرض الملونة ببصاق السلولين.
والحياة في مصر شاقة نتيجة زيادة السكان ، ونتيجة سوء توزيع الملكية ، فالطبقات الفقيرة تبذل في سبيل العيش جهودا تنهك قواها . وهذا مع سوء التغذية يهئ للسل سبيله إلي الأبدان .
وهذه الطبقات التي تتعرض أحيانا للبطالة ، والتي تبذل صحتها في وقت العمل تلقاء أجور لا تكفي لضرورات العيش من طعام وملبس ، تبذل ايضا صحتها رخيصة في وقت الفراغ ، فأساليب اللهو مجهدة والمكيفات منتشرة ، والسهر شائع ، وذلك كلها تجعل الجسم اكثر استعدا لتلقي ذلك الداء .
ومن الثابت طبيا أن المصدر الأول لعدوى الأطفال بمرض السل هو لبن الحيوانات المسلولة او منتجاته . وساوم ان الحظائر الصحية المواشي نادرة في مصر ، وأساليب الحلب وصنع المنتجات اللبنية ما تزال غير صحية وبدائية جدا في أغلب الريف المصري ، والمراقبة الصحية على الألبان ليست إلا في المدن الكبرى .
ونظرا لنقص الثقافة الصحية في طبقات الشعب ، فإن أساليب الوقاية من عدوي هذا المرض لا تتبع بالدقة الواجبة وبعض البسطاء يظلون خالطين لمرضى السل طويلا ، وقد لا يعزل المريض إلا متأخرا بعد ان يكون قد قذف بالعدوى إلى بعض المحيطين به .
بل لقد يستعمل الاصحاء أدوات المريض من فرش
وفوط ومناديل وفناجين وملاعق وأطباق ، وربما كان الفقر من أسباب عدم تخصيص أدوات للمريض .
ذلك والعادات السيئة لم يقضي عليها للآن ، فما زال الكثيروني ببصفون في كل مكان مسئين إلى الصحة العامة فضلا عن إساءتهم إلى الذوق .
ومع ان الإصابة في أولاد السلولات مرجحة ، ومع ان بزء المسلولات من مرضهن نادر في أعقاب الوضع ، فإن الازواج لا يعملون على منعهن من الحمل ، وبذلك تزداد مآسي هذا المرض القاسي .
ومما يؤسف له ان المخالطين لا يكشف عليهم طبيا بطريقة منظمة إلزامية ، للاطمئنان إلي سلامتهم من العدوي . ولهذا قد بد الداء إليهم ويظل متخفيا حتى يستفحل وبتعذر درؤه .
والذي يضاعف ويلات هذا المرض أن نظام التأمين الاجتماعي الذي سبقت إليه إيطاليا ، والذي عم في أغلب دول الغرب لم يعمل به في بلادنا .
وبعد ، فيما تقدم يبدو جليا ان مرض السل من أخطر الشكلات الاجتماعية في مصر ، وانه تعوزه جهود الأجتماعيين بقدر ما تعوزه جهود الاطباء . وقد بذل هؤلاء في مكافحته جهودا طيبة ، وبني على أولئك ان يساهموا هم الآخرون في اكتساح هذا الداء المدمي بحصة وافية من الجهاد في ميدانهم

