في العدد ٤٨٥ من الرسالة كلمة بعنوان (حول نسب الفاطميين) تراءى كاتبها برأي ابن خلدون في تصديق دعواهم في نسبهم المخالف لجماهير أهل التحقيق في التاريخ والأنساب العلوية، قال ابن خلكان في ترجمة عبيد الله المهدي: (أهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون دعواهم في النسب) . وابن خلدون
ليس بأقل خطأ في رأيه منه في (العرب والحضارة) و (العرب والعلوم) ، وأغلاطه في ما دونه من أخبار الشرق غير مجهولة. إلا أن له هنا دافعاً نفسياً أوقعه في الشذوذ عن الجماعة، كما نص على ذلك المؤرخ الكبير السخاوي في كتابه (الإعلان بالتوبيخ) نقلاً عن شيخه الحافظ بن حجر، وذكر فيه أيضاً سبب شذوذ المقريزي في ذلك هذا ورد كل شيء إلى السياسة مضيعة للحقائق، وليست كلمة (الغاية تبرر الواسطة) سوى قاعدة (مكيفلية) واهية يبرأ منها علماء الإسلام في جميع العصور. والحكم الذي أصدره كبار الأئمة من علماء بغداد في تزييف نسب العبيديين وافقهم عليه علماء الأمصار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي منصور عبد القاهر التميمي وأبي المظفر الإسفرايني ومؤرخ الإسلام الذهبي وابن تيميه وغيرهم. ومن درس سير أولئك العلماء الذين وقعوا ذلك الحكم استيقن أن أحدهم يفضل الموت على إصدار حكم مخالف للشرع في نظره. ولم يكن الخليفة يومئذ القادر بالله بقادر على إكراههم على القول بما لا يعتقدونه لأنهم كانوا أهل الحل والعقد في الدولة مع عظم منازلهم في الأمة، على أن القادر بالله لم يوصم في التاريخ بظلم ولا عدوان بل ذكر بالدين والتقوى. ومما يدل على بطلان دعواهم في الانتساب إلى محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق: أن إسماعيل مات في حياة والده، ومحمد لم يعقب كما قال النسابون الثقات على ما هو مبسوط(في الفرق (بين الفرق ) وغيره، فصلتهم بإسماعيل بن جعفر الإمام كصلتهم بالإسلام. وقال ابن طولن في (اللمعات البرقية في النكت التاريخية) في ترجمة الحاكم: وكان هو وأسلافه يدعون الشرف ويقولون: أبونا على وأمنا فاطمة، كان في كل أسبوع يقول ذلك على المنبر، وكانت الرقاع ترفع إليه وهو على المنبر فرفعت إليه رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:
إنا سمعنا نسباً منكراً ... يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما قلته صادقاً ... فأنسب لنا نفسك كالطالع
أو كان حقاً كلُّ ما تدعي ... فاعدد لنا بعد الأب السابع
وزاد غيره:
أو فدع الأشياء مستورةً ... وادخل بنا النسب الواسع
فرماها ولم ينتسب فيما بعد. ولما دخل المعز العبيدي مصر
وسُئل عن نسبه سل سيفه وقال (هذا نسبي) ونثر الذهب وقال (وهذا حسبي)
ثم إن الكاتب لو رجع إلى بعض كتب الأصول لعلم أن الأحكام الفقهية مسائل كلية لا جزئية، فلا وجه لا دعاء تأثرها بالظروف والأحوال فضلاً عن ادعاء الحاجة إلى نسخها بالاجتهاد، وإنما الأحكام الجزئية هي أحكام القضاة في القضايا الجزئية؛ ولعلم كذلك أن (الأحكام) في كلمته جمع محلى باللام فيفيد العموم، فيكون حملها على بعض الأحكام تراجعاً عن نص المدعى ودلالته. على أن القول بنسخ حكم من أحكام الشرع بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم مما لا يعلمه الدين الإسلامي، ولذلك ترى إجماع الأئمة خلفاً عن سلف على إكفار من يقول بذلك، كما في مراتب الإجماع لابن حزم وغيره
