نشر الكاتب السياسي الفرنسي (كراف كوبينو) Graf Arthur Gobineau كتاباً في أربعة مجلدات ظهرت بين عامي ١٨٥٣ - ١٨٥٥ بعنوان (عدم مساواة العناصر البشرية) : Essai sur L'inégalité des races humaines فأثار على مؤلفه سخطاً شديداً ولا سيما من الهيئات الكاثوليكية وأنصار مبادئ الثورة الفرنسية، كانت نتيجته طرد الرجل مراراً من السلك الدبلوماسي الذي كان ينتسب إليه.
وقد استقى كوبينو آراءه من مصدرين: مصدر التتبع والبحث الشخصي الذي قام به خلال تمثيله السياسي للحكومة الفرنسية في طهران والهند والبلقان، ومصدر العلم الطبيعي الذي طغى إذ ذاك وتغلب على الطريقة القديمة باعتماده على التجارب والاختبارات. فقال باختلاف الأجناس وتباين العناصر البشرية كما هو الشان في النباتات والحيوانات وقد كانت هذه نظرية قال بها العالم الألماني ألنتروبولجي بلومنباخ Blumenbach (١٧٥٢ - ١٨٤٠) ، والعالم الفرنسي كوفيبهCuvier (١٧٦٩ - ١٨٣٢) . غير انه زاد عليهما بنظريته في اختلاف القابليات البشرية والإنتاج المدني والثقافي، فوصل إلى أن التاريخ البشري والحضارة البشرية نتيجة عقلية واحدة، هي العقلية الآرية التي تشتمل الشعوب الأوربية والهندية الأوربية. ويخص من هذه الشعوب أيضاً الشعوب الجرمانية بأعلى القابليات في الاختراع والابتكار والسيادة والإرادة والزعامة في جميع نواحي الحياة.
وكانت أول أرض أجابت هذه الدعوة هي الأرض الألمانية التي بدأت تنمو فيها الروح القومية، وتظهر بأجلى مظاهرها، ورسالة الفيلسوف الألماني فخته Fichte بعثت فكرة القوميات في أوربا وهيأت الجو ولا شك لمثل هذه الآراء. وكذلك فلسفة هيكل Hegel الذي قسم العالم إلى أدوار بدأ فيه بالدور الشرقي وانتهى بالدور الجرماني الذي هو في نظره خير
الأدوار العالمية وأكملها. أضف إلى ذلك كتابات المؤرخ الألماني الشهير (ترايشكه) ، والكاتب الاجتماعي الوطني فردريش جان Friedrich Jahn وغيرهم، والوحدة الألمانية التي قام بتأسيسها بسمارك، وآراء نيتشه في القوة وتمجيده للحرب.
ومن أشهر من تأثر بهذه النظرية الكاتب الإنكليزي الألماني H.ST.Chamberlain شامبرلين ١٨٥٥ - ١٩٢٧ مؤسس الفلسفة النازية الأولى وأول فيلسوف يعتبره أتباع هتلر من بين صفوفهم. والرجل مع انه إنكليزي يختلف عقلية عن العقلية الألمانية، تأثر بالمحيط الألماني وهجر وطنه وترك لغته وغدا ألمانيا يخلص لألمانيا ويدافع عنها ويطعن على الإنكليز وقساوتهم في معاملة الألمان في الحرب العظمى. اتخذ هذه النظرية قاعدة له في جميع أبحاثه ومقياساً يقيس به للعالم طرّا. وفي كتابه الشهير (أسس القرن التاسع عشر) الذي ظهر في سنة ١٨٩٩ Grundlagen ١٩ des Jahrhunderts يحمل أفكاره. وقد ترجم إلى لغات عديدة وطبع عشرات المرات
يرى في كتابه هذا أن الحضارة البشرية من أولها إلى آخرها نتيجة العمل الجرماني الآري. وكل حضارة ظهرت أو بقعة ازدهرت لابد أن يكون للعنصر الآري، وعلى الأخص الجرماني، يداً فيها فهو في بحثه كالفاحص الكيميائي يحاول تحليل الحضارات ليجد العنصر المسبب وهو العنصر الجرماني الذي خص من بين الشعوب بميزة هداية البشرية والقيادة العالمية. حتى الكتابة أو الأرقام يرى أصلها من الجرمان ومن الجرمان انحدرت إلى الشرق. وعلى ذلك ففكرة كونها شرقية خطأ لا يغتفر. وكذلك آراء العلماء في أن الحضارة أصلها من الشرق لا يرى لها مبرراً ولا دليلاً. والشعوب الأُخرى كلها مقلدة لم تنتج من عندها شيئاً. والحضارة العربية التي يراها ظهرت صدفة كسائر الحضارات السامية أن جاز تسميتها حضارة هي صورة ظاهرية لعمل آري مكتوم
أثر كتاب شامبرلين في الأوساط الألمانية أثراً كبيراً ولاسيما في الأوساط السياسية منها والأوساط الشعبية والوطنية المتطرفة، إلى درجة جعلتها تعتقد أن هنالك مهمة واجبة تقع على عاتق ألمانيا الجرمانية، وهي مهمة قيادة العالم وحق الإشراف عليه، مهمة تكاد تكون سماوية وتحدثنا بعض المصادر أن القيصر الألماني كان معجباً جداً بهذا الكتاب أيما إعجاب ولا سيما بعقيدة الزعامة الألمانية والتبشير
بالدين الجديد، على أساس القوة والسيادة التي هي من صفات الجرمان، وان الكاتب هذا وكذلك الفيلسوف النمساوي الاجتماعي Othmar Spann كانا من أهم أبطال الدعوة إلى الحرب قبل دول ألمانيا الحرب بحجة أن الحرب أساس كل حضارة، ولإثبات أن العنصر الجرماني هو العنصر الفعال الذي تقع على عاتقه وحدة أمور العالم وحقوق التصرف منذ آلاف السنين.
وفي سنة ١٨٩٤ أسست هنالك جمعية عرفت باسم (جمعية كوبينو) لتقوم بإتمام أبحاث هذا العالم. وقد رأس هذه الجمعية العالم وليمان Woltmannالذي ألف كتاباً عن عصر النهضة في إيطاليا وأبى إلا أن يرجع أصل جميع علماء النهضة في إيطاليا وأبطالها إلى أصل جرماني شمالي. يعرف هذا الكتاب بعنوان , ١٩٠٥ Die Germanen und die Renaissance in italien, أعقبت هذه الجمعية جمعية أُخرى عرفت باسم: (جمعية العناية بالأبحاث العنصرية) ألفها الفريد بلوتني Affred Ploetny أخذت على عاتقها مهمة البحث العنصري على أسس طبيعية تجريبية لا على الطريقة التاريخية الفلسفية. فعادوا إلى طريقة بلومنباخ Blumenbach وهي الاستعانة بأشكال قحف الرأس في تقسيم العناصر البشرية، وهيئة الجسم وتكوينه، وتكوين علم خاص يتفرع من علم الأنتروبولوجي وهي الطريقة التي اتبعت اليوم في ألمانيا بعد سيطرة هتلر عليها وخضوع الجامعة لإرادة النازي وآرائه.
راجت عقيدة العنصرية خلال الحرب وبعد الحرب ولا سيما بعد استيلاء اليهود على معظم الكراسي في ألمانيا وتشكيلها المجالس المحلية بعد ثورة شهر نوفمبر سنة ١٩١٨ إذ حصلوا على أغلبية كراسي الحكم. وهذا ما روج دعوة أنصار العقيدة العنصرية، إذ تحولت إلى دعاية وطنية غايتها تطهير ألمانيا من العناصر الأجنبية بإعادة الأخلاق الجرمانية القديمة، وهي السيادة والقوة، هذه المبادئ التي تنافي المبادئ الأوربية الغربية الديمقراطية التي حملتها الحرب إلى ألمانيا بطريق اليهودية الحاكمة على ألمانيا ومحاربة كل فكرة تدعو إلى المساواة بين الشعوب والقابليات على حد سواء. فظهر هنالك أساتذة وكتاب أمثال ادلف بارتلس Adolf Bartels
و Rosenberg و Günther و Claus و Othmar Spann و Lenny و Scheidt وغيرهم اتسفادوا من الفرصة وحملوا على اليهودية والماسونية والشيوعية حملات شعواء موجهين نظر الألمان إلى هذه الناحية الحساسة لتمهيد الحكم للدولة الألمانية الثالثة وإعادة حلم الدولة الألمانية المقدسة.
غير أن هنالك جماعة من الفلاسفة شعرت في نفس الوقت بتدهور ألمانيا ووجوب إعادة مجدها. غير أنها رأت تحقيق ذلك عن طريق آخر وهو طريق الثقافة واللغة بتحويل العناصر الغربية والقوميات إلى عنصر ألماني واحد مستدلة على ذلك بأدلة أُخرى ساخرة من قحف الرأس وتركيب الجسم مستدلة بالشعب الأمريكي الذي كون له قحف رأس جديد لا هو إنكليزي ولا هو ألماني ولا هولندي ولا فرنسي، وباللغة التي يدافع عنها ويحاول نشرها مع أن أصله قد يكون من البلطيق أو السويد أو ألمانيا أو غيرها، وكذلك باختلاف شكل الفلاح الألماني وتركيبه عن سكان المدن الألمان، وكذلك أصحاب المهن، وكذلك الإنكليز الذين هم من عناصر مختلفة، ومع ذلك، فقد أصبح لهم قحف رأس مخصوص، متخذ في الأرض والمحيط عاملاً مهماً في العنصرية والقابلية البشرية. وغايتهم من ذلك غاية وطنية كذلك، وهي ربط اليهود والألمان الذين في الخارج، وتجنسوا بجنسيات أجنبية عن طريق الثقافة واللغة، وتكوين ألمانيا عظيمة بدلاً من تنفير هؤلاء، وجلب السخط العالمي العام على الشعب الألماني.
غير أن استيلاء هتلر على زمام الحكم قضى على كل معارضة طبعاً للعنصرية، وحرم أي كتاب يعارض العقيدة. وأخذ Günther يصنف للألمان العناصر الموجودة في ألمانيا، فتوصل إلى وجود خمسة عناصر أصلية وخمسة أُخرى فرعية في الدماء الألمانية ولم يتوصل إلا إلى نسبة تقدر باثنين في المائة من الدماء الجرمانية الشمالية النقية. ولكن هنالك مع ذلك اختلافاً أيضاً في التقسيم: هل تعتبر المظاهر الخارجية والتركيب العضوي للجسم أساس التقسيم، أو العوامل الروحية والنفسية فقط أو كلاهما؛ فظهرت آراء للأساتذة: Fischer و Lenny و Scheidt و Claus وغيرهم. وقد أعدت لأجل ذلك معاهد خاصة ومستشفيات
ومختبرات تقوم بالتجارب المختلفة لتكوين علم جديد كسائر العلوم الأُخرى أن لم نقل انه أهمها
ويمكن أن نعتبر هذا العلم الذي تكون حديثاً قطب العلوم طرأ في ألمانيا الحالية، فعليه أن يقسم العناصر البشرية إلى أصول وفروع، والى أمم منتجة ذات قرابة مع الأمم الجرمانية وصلة، والى أمم كتب عليها ألا تقوم في التاريخ بأي دور أو حدث كالشعوب السامية والحامية وما يتفرع منها. ووظيفة الجامعة الألمانية الحديثة أن تكيف علومها وفق هذه العقيدة. ولاشك أن تلك مهمة صعبة شاقة ولاسيما في العلوم العقلية منها فالتاريخ يجب أن يقلب رأسا على عقب، والقرون الأولى ستبدأ بالجرمان وتاريخ أوربا، ثم ينتقل إلى التاريخ الآشوري والبابلي والمصري والحوادث التاريخية والحضارة البشرية يجب أن تغربل غربلة ليعثر على العنصر الآري الفعال الذي هو بذرة كل حضارة. وتلك مهمة صعبة جداً كما يظهر، لذلك لاقى أساتذة التاريخ خصوصاً المتقدمين منهم صعوبات في هذا الفن، أدت إلى إخراج معظم مدرسي التاريخ من الجامعات وإحلال عناصر جديدة من الشباب محلهم. وكذلك قل عن الفلسفة وعلم التربية والاجتماع والاقتصاد وغيرها بل حتى العلوم الطبيعية منها يجب إهمال أعمال وأسماء الأساتذة الذين ليست لهم صلة بالعرق الآري أو نسب.
أساس الحضارة العالمية والمدنية وكل إنتاج بشري عقلي أو مادي هو (الدماء) فعلى الشعب الآري لذلك أن يحافظ على دمه من الاختلاط بالدماء الأخرى، إذ متى اختلط بالدماء البعيدة حلت بالشعب الكارثة العظمى وذهبت السعادة الأبدية إلى الأبد وفسدت الروح والبدن، وسقط العنصر القوي إلى أسفل درجة من الضعف والاستسلام. على هذا وضعت قوانين (نورنبرك) في منع أي آري في ألمانيا من الزواج بغير الآريين مهددة المخالف بأقسى العقوبات، وكذلك في طرد نصف الآري، أي الذي ينتسب إلى أب أو أم غير آرية، أو ربع الآري أي الذي ينحدر من جد أو جدة غير آرية - من الخدمة لفساد الدماء في مثل هذه الأجسام.
ويرى معارضو هتلر والنازية في عقيدة العنصرية هذه فكرة (الجبر) فما دام الدم هو العنصر المنتج للحضارة فلم إذا هذه المدارس وتلك الجامعات، ولم تلك النفقات الباهظة التي تنفق في سبيل تربية الأحداث؟ ومن الغريب أن هتلر ينعى على اليهودية قولها بنظرية الشعب المختار والنازية نفسها تقول بهذه الفكرة باختيار الشعب الجرماني وحده بين الشعوب وتفضيله على الشعوب الأُخرى بالإنتاج والعلم والابتكار.
معالجة مشكلة الدماء تحل كل مشكلة، ولذلك يجب تقوية الجسم والمحافظة على الدم فيه نقياً سالماً. ومتى حوفظ عليه حوفظ على الحضارة العالمية والمدنية البشرية، والسيادة الأوربية. الحضارة هم وليدة الدماء، والقوة هي وليدة الدماء، والجمال والفن كذلك.
هذه هي فلسفة الوطنية الاشتراكية، تجعل الروح وليدة المادة. ومن الغريب أيضاً أن الشيوعية التي يقومها هتلر في كتبه تجعل العوامل الروحية مصدرها المادة، مع أن هتلر وروز نبرك يعتمدان في آرائهما العالمية ووجهة نظرهما الفلسفية على الروح.
بين هذه النظرة وبين مبدأ الأوجينيك Eugénetik Eugénik قرابة عظيمة. والوطنية الاشتراكية في نظرتها العنصرية مدينة لهذا المبدأ أيضاً. القواعد التي وضعها العالم الفرنسي Francis Galton (١٨٢٠ - ١٩١١) والتي أطلق عليها الاسم المتقدم لأجل تكوين أجيال صالحة بمعالجة الجسم بقواعد عرفت (بقواعد كالتون) Galtonische regel والتي تعتمد على الوراثة في الدرجة الأولى ونظريات mendll (١٨٢٢ - ١٨٨٤) و Jean Lamark و Gre gor mendl (١٧٤٤ - ١٨٢٩) وداروين
أراد نيتشه الفيلسوف الألماني في زمانه إصلاح الأخلاق بالإصلاح العضوي لتقوية الأجسام وتقوية العقل والإنتاج بالطرق المباشرة كالأكل والرياضة لا بالنظريات الأخلاقية والأدبية العقيمة. وأراد فيوبرباخ إصلاح الإنسان بالأكل وطرد الدين. وأرادت الشيوعية إصلاح المجتمع بتقويض الأنظمة القديمة، وأراد هتلر بعث الجرمان والسيادة على البشر بتقوية الدماء. وكل له في هذا العالم مذهب ورأي، ولكل غاية ومثال. ولكن لكل شخص أن يقرأ ويرى كما يرى في دور الصور المتحركة دون أن يسخر من كل رأي أو يضحك من كل فكرة.

