هو أحمد بن بقى بن مخلد قاضى الجماعة بقرطبة على عهد أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ( ٣٠٠ - ٣٥٠ ه ) كان أبوه بقى بن مخلد عالما فاضلا ورعا زاهدا . وهو أحد الذين عرض عليهم القضاء فأبوا قبوله تحرجا ، وذلك أن أمير الأندلس المنذر بن محمد ( ٢٧٣ - ٢٧٥ ) أراد أن يوليه القضاء فأبى . فذهب إلى استكراهه فاعتذر اعتذارا لطيفا وقبل الأمير عذره . وقد نشأ ابنه أحمد نشأة حسنة جميلة ، وعرف منذ حداثة سنه بالفضل ، ووسم بحب الخير . وكان أمير الأندلس عبد الله بن محمد ( ٢٧٥ - ٣٠٠ ) يشاوره ويأخذ برأيه مع أن سنه إذ ذاك لم تكن تعدو خمسا وعشرين سنة . فلما تولى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر الخلافة ولاه صلاة الجماعة بقرطبة ، ثم ولاء بعد ذلك قضاء الجماعة بها وأقره على
الصلاة التى كان عليها ، وذلك فى سنة ٣١٤ ه .
وكان منصب قاضى الجماعة بقرطبة أحد المناصب الثلاثة التى تعتبر أركان الحكم فى الأندلس على عهد بنى أمية ، وهي ( ١ ) إمارة الثغر الأعلى بسرقسطة ( ٢ ) إمارة الأسطول بالمرية ( ٣ ) قضاء الجماعة بقرطبة . وربما كان قاضى الجماعة يأتى لمنزلته الدينية ومكانته الاجتماعية بعد الحاجب الذى كان عندهم بمنزلة رئيس الوزراء عندنا ؛ وكثيرا ما كانوا يلقبون قاضى الجماعة بالوزير القاضى تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره . وكان اختصاصه عندهم يشمل النظر فى المواريث والوصايا والتحجير والأحباس وأموال اليتامى وقضايا الطلاق ، وقد تجمع له فوق ذلك إمامة الصلاة العامة ، وهى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء ، كما كان الإشراف على الحسبة داخلا فى اختصاصه . من أجل ذلك كانوا لا يسندون قضاء الجماعة إلا إلى كل من عرف بغزارة
العلم والبراعة فى الفقه ، ووصف بالفضل والورع ونزاهة الضمير . ولعله لم يتولى قضاء الجماعة بقرطبة رجل أجمع لتلك الخصال من أحمد بن بقى ، حتى ليمكن اعتباره المثل الصالح للقاضى الشرعى فى عصر ازدهار الدولة الإسلامية بالأندلس .
*** كان ذا معيشة سهلة ساذجة ، (( إذا طرقه ضيف ليلا لم يذبح له شيئا من الطير ، وقال الليل أمان لها ، ويقتصر على العسل والسمن والبيض وما شاكل ذلك فيقربه إلى الضيف )) .
وكان متواضعا ، سئل مرة عن نسبه وولائه فقال ولاؤنا لامرأة من أهل جبان . وكان ولى عهد الدولة الحكم المستنصر يعجب من صدقه فى ذلك ويقول : لو شاء لادعى أشرف الأنساب ثم لا يجد فى ذلك مكذبا .
وكان رءوف القلب ، رفيق العقوبة إذا عاقب . جاءته مرة امرأة تخاصم زوجها فجعلت تستطيل على زوجها بلسانها وتؤذيه بصلفها ، فنظر إليها ابن بقى وقال لها : أقصرى ! وإلا عاقبتك ! فانكسرت المرأة شيئا ثم عاودت الصلف ، فقال لها القاضى مرة أخرى : أقصرى ! وإلا عاقبتك ! فانكسرت شيئا ثم عاودت الصلف . عند ذلك عطف عليها أحمد بن بقى فجعل يقول لها : أنت ظالمة ! أنت ظالمة ! أنت ظالمة ! ثم قال : ألم أخوفك من قبل هذا ؟ ولم تزد عقوبته للمرأة على ذلك .
وكان كثيرا ما يدرأ الحدود الشرعية بالشبهات بتعمدها تعمدا وسياسة منه للعامة ورفقا منه بها قالوا أتاه المحتسب مرة برجل به رائحة الشراب ، فقال القاضى لكاتبه : استنكهه ! ففعل ، فقال : نعم ! عليه رائحة الشراب . فظهر وجهه الكراهية لذلك ، ثم قال لآخر ممن كان حاضرا مجلسه ؛ استنكهه أنت ! ففعل , فقال : أجد رائحة ولا أدرى إن كانت رائحة مسكر أم لا ؟ فهلل وجه القاضى وأمر بتخلية سبيله .
ومع أنه كان رءوف القلب رفيق العقوبة يرى الرفق والتجاوز فى كثير من المواطن أبلغ من العنف والمؤاخذة ، فإنه كان فى صميم واجبه القضائى مثال الدقة والدأب والاستقصاء . كان لا يوقع شهادته فى وثيقة حتى يقرأها من أولها إلى آخرها . من ذلك أن صديقا له أرسل إليه مرة وثيقة كتبها على رجل بمال ليشهده عليها . وقد ذكر فى الوثيقة سببا يجعلها واهنة . فلما قرأها ابن بقى وتبين له ما فيها من الوهن كره أن يوقع عليها على ذلك الوهن ، وكره ألا يوقع عليها فيسخط صديقه ، وكره أن ينبه الشهود عليه إلى وهنها . فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال للمشهود عليه أتشهدنى على أن لفلان عندك كذا وكذا مثقالا إلى أجل كذا وكذا ؟ قال نعم ! فعقد شهادته على هذا اللفظ بعينه لا غير .
كان جم العناية بأمر الوثائق خاصة ، شديد التعقب عليها . وكانت الوثائق يحررها رجل اسمه محمد بن إبراهيم ابن الحباب كثير الزهو والاعتداد بعمله ، فغاظه تعقب القاضى عليه وقال : من أين يتعاطى ابن بقى أنه أعلم بالوثائق منى ؟ وبلغ قوله القاضى . فانتهز فرصة عرضه عليه وثائق ، واستفرغ جهده فى التعقب عليها حتى أخذ عليه مواضع أبانها له وأمره بتغييرها ، فغيرها وأتاه بها . فانتقد عليه فيها مرة أخرى , فأرسل إليه ابن الحباب يقول : إنى أقر لك أنك أعلم بها منى وأشهد بذلك ، فدعنى من كثرة هذ البحث والكشف وإلا حلفت ألا أكتب وثيقة ؛ فتركه ابن بقى بعد ذلك وسامحه .
وكان من عادة ابن بقى فيما يتخاصم عنده فيه أن ينفذ الظاهر البين ، ويستعمل الأناة والتؤدة فيما التبس عليه منه ، حتى تظهر له الحقيقة أو يصير المتخاصمان إلى التصالح والتراضى . وربما جر ذلك التمكث والتمهل فى القضايا المشتبهة إلى تأخير الأحكام زمنا طويلا قد يضجر الخصوم . وقد عيب عليه ذلك فى حضرة الخليفة الناصر وبما عرف
به من لين الجانب ، فقال : أعوذ بالله من لين يؤدى إلى ضعف ، ومن شدة تبلغ إلى عنف ؛ ثم جعل يذكر فساد الزمان واحتيال الفجار ، وما يحدث من الأمور المشتبهة التى لا تتبين له حقيقتها ولا يكشف له وجهها ، ثم قال : قد اشتبه على عمر بن الخطاب رضى الله عنه خصومة قوم طال نظره فيها ، فكره أن يحكم مع الاشتباه فأمرهم بابتداء الخصومة من أولها .
ومما يصدق مذهبه هذا فى التوقف عند الشبهات أنه رفعت إليه خصومة وقعت بين الحاجب محمد بن موسى - والحاجب عندهم كما قدمنا بمنزلة رئيس الوزراء عندنا - وبين رجل اسمه يحيى بن إسحاق . وكانت شهادة الشهود فى مصلحة الحاجب . ولكن القاضى اصطنع الأناة ولم يعجل الحكم لشبهة وقعت فى نفسه . فأرسل إليه الحاجب يقول (( قد عرفت محبتى لك ، وشجنى بجميع أسبابك ، وقد دار عندك على يحيى بن إسحاق ما قد علمت من المخاصمة . وقد شهدت عندك البينة العدول ، وتأنيت عن الحكم عليه )) . فقال القاضى للرسول : (( تبلغ الحاجب عنى السلام وتقول له : إن محبتنا كانت لله ولوجهه ، ويحيى بن إسحاق وغيره فى الحق سواء ، وقد دخل على ارتياب ، ولا والله ما أحكم على يحيى بن إسحاق بشئ حتى يتضح عندى أمره بنور كاتضاح الشمس فى الدنيا ، فإنه لا يجيرنى أحد من يحيى بن إسحاق إن جافانى الخصومة بين يدى الله )) . فأدى الرسول هذه المقالة للحاجب وهو ساكت لا يقول شيئا . وجعل بعض من حضر من الوزراء يقع فى القاضى ويبدى ويعيد فى ذلك . فتحول الحاجب إليه أخيرا وقال له : (( يا أخى ! القاضى والله رجل صالح ، ولا نزال بخير ما كان هو وشبهه بين أظهرنا . . .
والله ما زاده فعله عندى إلا محبة واعتقادا ))
*** قالوا وكان أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر يثق به ويجله ويعرف حقه ولم يعزله عن القضاء حتى توفى سنة ٣٢٤ عن أربع وستين سنة .

