الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 261 الرجوع إلى "الثقافة"

قاض فاضل

Share

هو أحمد بن بقى بن مخلد قاضى الجماعة بقرطبة على عهد أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ( ٣٠٠ - ٣٥٠ ه ) كان أبوه بقى بن مخلد عالما فاضلا ورعا زاهدا . وهو أحد الذين عرض عليهم القضاء فأبوا قبوله تحرجا ، وذلك أن أمير الأندلس المنذر بن محمد ( ٢٧٣ - ٢٧٥ ) أراد أن يوليه القضاء فأبى . فذهب إلى استكراهه فاعتذر اعتذارا لطيفا وقبل الأمير عذره . وقد نشأ ابنه أحمد نشأة حسنة جميلة ، وعرف منذ حداثة سنه بالفضل ، ووسم بحب الخير . وكان أمير الأندلس عبد الله بن محمد ( ٢٧٥ - ٣٠٠ ) يشاوره ويأخذ برأيه مع أن سنه إذ ذاك لم تكن تعدو خمسا وعشرين سنة . فلما تولى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر الخلافة ولاه صلاة الجماعة بقرطبة ، ثم ولاء بعد ذلك قضاء الجماعة بها وأقره على

الصلاة التى كان عليها ، وذلك فى سنة ٣١٤ ه .

وكان منصب قاضى الجماعة بقرطبة أحد المناصب الثلاثة التى تعتبر أركان الحكم فى الأندلس على عهد بنى أمية ، وهي ( ١ ) إمارة الثغر الأعلى بسرقسطة ( ٢ ) إمارة الأسطول بالمرية ( ٣ ) قضاء الجماعة بقرطبة . وربما كان قاضى الجماعة يأتى لمنزلته الدينية ومكانته الاجتماعية بعد الحاجب الذى كان عندهم بمنزلة رئيس الوزراء عندنا ؛ وكثيرا ما كانوا يلقبون قاضى الجماعة بالوزير القاضى تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره . وكان اختصاصه عندهم يشمل النظر فى المواريث والوصايا والتحجير والأحباس وأموال اليتامى وقضايا الطلاق ، وقد تجمع له فوق ذلك إمامة الصلاة العامة ، وهى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء ، كما كان الإشراف على الحسبة داخلا فى اختصاصه . من أجل ذلك كانوا لا يسندون قضاء الجماعة إلا إلى كل من عرف بغزارة

العلم والبراعة فى الفقه ، ووصف بالفضل والورع ونزاهة الضمير . ولعله لم يتولى قضاء الجماعة بقرطبة رجل أجمع لتلك الخصال من أحمد بن بقى ، حتى ليمكن اعتباره المثل الصالح للقاضى الشرعى فى عصر ازدهار الدولة الإسلامية بالأندلس .

*** كان ذا معيشة سهلة ساذجة ، (( إذا طرقه ضيف ليلا لم يذبح له شيئا من الطير ، وقال الليل أمان لها ، ويقتصر على العسل والسمن والبيض وما شاكل ذلك فيقربه إلى الضيف )) .

وكان متواضعا ، سئل مرة عن نسبه وولائه فقال ولاؤنا لامرأة من أهل جبان . وكان ولى عهد الدولة الحكم المستنصر يعجب من صدقه فى ذلك ويقول : لو شاء لادعى أشرف الأنساب ثم لا يجد فى ذلك مكذبا .

وكان رءوف القلب ، رفيق العقوبة إذا عاقب . جاءته مرة امرأة تخاصم زوجها فجعلت تستطيل على زوجها بلسانها وتؤذيه بصلفها ، فنظر إليها ابن بقى وقال لها : أقصرى ! وإلا عاقبتك ! فانكسرت المرأة شيئا ثم عاودت الصلف ، فقال لها القاضى مرة أخرى : أقصرى ! وإلا عاقبتك ! فانكسرت شيئا ثم عاودت الصلف . عند ذلك عطف عليها أحمد بن بقى فجعل يقول لها : أنت ظالمة ! أنت ظالمة ! أنت ظالمة ! ثم قال : ألم أخوفك من قبل هذا ؟ ولم تزد عقوبته للمرأة على ذلك .

وكان كثيرا ما يدرأ الحدود الشرعية بالشبهات بتعمدها تعمدا وسياسة منه للعامة ورفقا منه بها  قالوا أتاه المحتسب مرة برجل به رائحة الشراب ، فقال القاضى لكاتبه : استنكهه ! ففعل ، فقال : نعم ! عليه رائحة الشراب . فظهر وجهه الكراهية لذلك ، ثم قال لآخر ممن كان حاضرا مجلسه ؛ استنكهه أنت ! ففعل , فقال : أجد رائحة ولا أدرى إن كانت رائحة مسكر أم لا ؟ فهلل وجه القاضى وأمر بتخلية سبيله .

ومع أنه كان رءوف القلب رفيق العقوبة يرى الرفق والتجاوز فى كثير من المواطن أبلغ من العنف والمؤاخذة ، فإنه كان فى صميم واجبه القضائى مثال الدقة والدأب والاستقصاء . كان لا يوقع شهادته فى وثيقة حتى يقرأها من أولها إلى آخرها . من ذلك أن صديقا له أرسل إليه مرة وثيقة كتبها على رجل بمال ليشهده عليها . وقد ذكر فى الوثيقة سببا يجعلها واهنة . فلما قرأها ابن بقى وتبين له ما فيها من الوهن كره أن يوقع عليها على ذلك الوهن ، وكره ألا يوقع عليها فيسخط صديقه ، وكره أن ينبه الشهود عليه إلى وهنها . فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال للمشهود عليه أتشهدنى على أن لفلان عندك كذا وكذا مثقالا إلى أجل كذا وكذا ؟ قال نعم ! فعقد شهادته على هذا اللفظ بعينه لا غير .

كان جم العناية بأمر الوثائق خاصة ، شديد التعقب عليها . وكانت الوثائق يحررها رجل اسمه محمد بن إبراهيم ابن الحباب كثير الزهو والاعتداد بعمله ، فغاظه تعقب القاضى عليه وقال : من أين يتعاطى ابن بقى أنه أعلم بالوثائق منى ؟ وبلغ قوله القاضى . فانتهز فرصة عرضه عليه وثائق ، واستفرغ جهده فى التعقب عليها حتى أخذ عليه مواضع أبانها له وأمره بتغييرها ، فغيرها وأتاه بها . فانتقد عليه فيها مرة أخرى , فأرسل إليه ابن الحباب يقول : إنى أقر لك أنك أعلم بها منى وأشهد بذلك ، فدعنى من كثرة هذ البحث والكشف وإلا حلفت ألا أكتب وثيقة ؛ فتركه ابن بقى بعد ذلك وسامحه .

وكان من عادة ابن بقى فيما يتخاصم عنده فيه أن ينفذ الظاهر البين ، ويستعمل الأناة والتؤدة فيما التبس عليه منه ، حتى تظهر له الحقيقة أو يصير المتخاصمان إلى التصالح والتراضى . وربما جر ذلك التمكث والتمهل فى القضايا المشتبهة إلى تأخير الأحكام زمنا طويلا قد يضجر الخصوم . وقد عيب عليه ذلك فى حضرة الخليفة الناصر وبما عرف

به من لين الجانب ، فقال : أعوذ بالله من لين يؤدى إلى ضعف ، ومن شدة تبلغ إلى عنف ؛ ثم جعل يذكر فساد الزمان واحتيال الفجار ، وما يحدث من الأمور المشتبهة التى لا تتبين له حقيقتها ولا يكشف له وجهها ، ثم قال : قد اشتبه على عمر بن الخطاب رضى الله عنه خصومة قوم طال نظره فيها ، فكره أن يحكم مع الاشتباه فأمرهم بابتداء الخصومة من أولها .

ومما يصدق مذهبه هذا فى التوقف عند الشبهات أنه رفعت إليه خصومة وقعت بين الحاجب محمد بن موسى - والحاجب عندهم كما قدمنا بمنزلة رئيس الوزراء عندنا - وبين رجل اسمه يحيى بن إسحاق . وكانت شهادة الشهود فى مصلحة الحاجب . ولكن القاضى اصطنع الأناة ولم يعجل الحكم لشبهة وقعت فى نفسه . فأرسل إليه الحاجب يقول (( قد عرفت محبتى لك ، وشجنى بجميع أسبابك ، وقد دار عندك على يحيى بن إسحاق ما قد علمت من المخاصمة . وقد شهدت عندك البينة العدول ، وتأنيت عن الحكم عليه )) . فقال القاضى للرسول : (( تبلغ الحاجب عنى السلام وتقول له : إن محبتنا كانت لله ولوجهه ، ويحيى بن إسحاق وغيره فى الحق سواء ، وقد دخل على ارتياب ، ولا والله ما أحكم على يحيى بن إسحاق بشئ حتى يتضح عندى أمره بنور كاتضاح الشمس فى الدنيا ، فإنه لا يجيرنى أحد من يحيى بن إسحاق إن جافانى الخصومة بين يدى الله )) . فأدى الرسول هذه المقالة للحاجب وهو ساكت لا يقول شيئا . وجعل بعض من حضر من الوزراء يقع فى القاضى ويبدى ويعيد فى ذلك . فتحول الحاجب إليه أخيرا وقال له : (( يا أخى ! القاضى والله رجل صالح ، ولا نزال بخير ما كان هو وشبهه بين أظهرنا . . .

والله ما زاده فعله عندى إلا محبة واعتقادا ))

*** قالوا وكان أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر يثق به ويجله ويعرف حقه ولم يعزله عن القضاء حتى توفى سنة ٣٢٤ عن أربع وستين سنة .

اشترك في نشرتنا البريدية