كان يوم الجمعة فى الثالث من ربيع الأول عام ٤٤٩ للهجرة، حين حضرت أبى العلاء الوفاة، وانطفأت تلك الجذوة المتقدة يوما مشهودا عند أهل المعرة، إذ وفد إليها غير الفضلاء والعلماء والخلق الكثير، أربعة وثمانون شاعرا، وقفوا حين مواراته الرمس يرثون عبقريته الفذة وعلمه المضيع
واليوم وقد انقضى ألف عام على مولده يعيد التاريخ نفسه فيقف مثل هذا العدد وأكثر منه من الشعراء والأدباء جاءوا من أقاصى البلاد على قبره ليستعيدوا ذكرى صاحب هذه
الشعلة المتقدة التى مرت عليها القرون فما زادتها إلا وميضا واستعاراً.
والمعروف أن جثة المعرى نقلت إلى ساحة لإحدى دور أهله ودفن بها، وهى واقعة فى الطرف الغربى من المعرة، وقد كانت هذه الدار فى عهده على ما يظهر من انقطاع آثار البناء ووجود القبور الأثرية بتاليها من الجهة الغربية، واقعة فى أقصى البلدة باتجاه الغرب، وكانت قبور أهله وبنى عشيرته وتلامذته قبل إنشاء الضريح الحالى تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، إلا إنه كما حجب اسمه أسماءهم وفضله فضلهم فى حياته، كالشمس إذا ظهرت غاب كل كوكب؛ فكذلك حجب قبره قبورهم، واضطر المهندسون الذين قاموا بتشييد الضريح إلى إزالة القبور الواقعة بجوار قبره، وحفظت حجارتها وشواهدها فى حديقة خلفية لضريح أبى العلاء.
يروى التاريخ أن أبا العلاء أوصى أن يكتب على قبره البيت التالى:
هذا جناه أبى على ... وما جنيت على أحد
وهذا البيت ليس له وجود على قبره ذى الكتابة الكوفية المشجرة، ولا يوجد على شاهد الضريح سوى الكلمات التالية: (هذا قبر أبى العلاء بن عبد الله بن سليمان) . وقد محا الزمان كلمات: (هذا قبر أبى) ، وكتب على ظهر الشاهد: رحمة الله عليه. وقد وجد بجوار ضريحه حجر مستطيل الشكل بقياس ٥٠ × ٣٠ مسطر عليه هذان البيتان بخط ثلث حديث:
قد كان صاحب هذا القبر جوهرة ... نفيسة صاغها الرحمن من نطف
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردَّها غيرة منه إلى الصدف
وقد علمت من ثقة فى المعرة أن هذا الحجر حديث، جدد عام ١٩٠٣ بذيل آخر مكتوب بالخط الكوفى أتى عليه الزمان فجدده أهل الفضل.
وقد كان ضريح المعرى فى وضعه السابق على غير الاتجاه الصحيح؛ فكان منحرفا انحرافا قليلا نحو الشمال الغربي، وذلك على ما يظهر بسبب الزلازل أو انخفاض الأرض فعدل الآن إلى الاتجاه الصحيح.
أما الضريح القديم فقد كان حالة قبيحة من الإهمال ذكرها مؤرخو المعرى حتى قام فى عام ١٩٠٣ المرحوم نورس باشا الحراكي، وهو رئيس للمعرة فى ذلك العهد، وبنى عند قبره غرفة يعلوها قبة وبجوارها مصلى جعل منه مدرسة للأولاد كان يقوم بالتدريس فيها شيخ أعمى دائما كلما مات واحد قام آخر. ولما فتح قبره منذ خمس سنوات لم ير فيه من آثاره إلا بقية
ضئيلة كالرماد من فتات عظامه، وقد صب الآن فوقها الأسمنت لتكون قاعدة قوية تحت حجارة القبر الثقيلة
وقد كان فى النية نحت حجارة جديدة لقبره لتقوم مقام الحجارة الأثرية القديمة وتتناسب مع شكل البناء الجديد، إلا إنه صرف النظر أخيرا عن هذا العمل بعد القيام به، وكان ذلك الأوفق والأنسب.
وكان أمر بناء الضريح تكتنفه الصعوبات لعوامل شتى منها تبدل الحكومات المتعاقبة على البلاد السورية فكأن رغبة أبى العلاء التى أبداها فى ترك قبره وعدم الاحتفاظ به إذ يقول:
لا تكرموا جسدى إذا ما حل بى ... ريب المنون فلا فضيلة للجسد
أو يقول:
إن التوابيت أجداث مكررة ... فجنب القوم سجناً فى التوابيت
تحققت بقوة خفية لا يمكن التغلب عليها
إلا إنه تقرر فى موازنة الحكومة السورية لعام ١٩٣١ مبلغ من المال كاف لبناء الضريح ولم ينفذ المشروع، كما إنه تقرر ذلك أيضاً فى موازنات الأعوام التالية - ١٩٣٢ - ١٩٣٣ - ١٩٣٧ - ١٩٣٨، وأضافوا على ذلك فى عام ١٩٣٢ مشروعا جديدا هو طبع طوابع بريدية موشحة باسم أبى العلاء يعود ريعها لإنشاء الضريح فنفقت الطوابع والقبر على ما هو عليه
وكانوا فى كل عام يرصدون مبلغا لإنشاء الضريح، ولا ينفذ العمل، حتى جاء عام ١٩٣٩، إذ خصص ١٥٠٠٠ ليرة سورية فى موازنة الحكومة السورية (فصل ٧ مادة ١ فقرة ٤) وتقرر البدء بالعمل، وكان ذلك يوم الأحد فى ١٨ تشرين الثانى ٩٣٩ عيدا أهليا عند سكان المعرة الذين احتفلوا بنفس الوقت احتفالا شائقا بإنشاء شركة كهربائية أهلية مساهمة، وشركة مياه إذ
أنارت الكهرباء بلدتهم لأول مرة، وجرت المياه النقية إلى قسم من دورهم
وكان المظنون أن الأمور أخيراً سوف تسير سيراً حسناً لولا أن اندلاع الحرب جعل مواد البناء من أسمنت وحديد مرتفعة الثمن ارتفاعا فاحشا. كذلك صارت اليد العاملة تطلب أجورا فاحشة، فاستنكف الملتزم عن البناء، وقامت الحكومة بعد أخذ ورد بنقل الالتزام إلى رجل آخر مع وضع اعتمادات مالية إضافية تتصاعد حسب ارتفاع الأسعار، وقد انتهى العمل فى أوائل هذا العام
والضريح فى وضعه الحالى عبارة عن فسحة دار مزروعة بالرياحين يدخل إليها من أروقة محيطة بها من الغرب والشمال، وفى صدر هذه الدار قبر أبى العلاء موضوع تحت إيوان جميل، وخلف القبر مسجد يدخل إليه من بابين على طرفى القبر، ومكتبة على جانب المسجد للغرب، وخلف المسجد حديقة صغيرة محفوظ بها الحجارة الأثرية التى وجدت حول القبر
وقد سبق أن قامت بلدية معرة النعمان بشق وتخطيط شارع كبير من شرقى البلدة إلى غربها بحيث جعلته يمر مباشرة أمام ضريحه، وقد عبدته وجعلت الأرصفة على جانبيه حتى صار من الشوارع اللائقة بمدينة كبيرة، واسمه شارع أبى العلاء، كما خصصت البلدية قطعة أرض مناسبة فى مدخل البلدة لإقامة نصب تذكارى فيها لأبى العلاء
وقام أهالى المعرة بنصيب طريف من هذا التمجيد، فأسموا فندق أبى العلاء ومطعم أبى العلاء، وهم يملأون القلل بالماء ليلة الجمعة ويضعونها طوال تلك الليلة بجوار قبره ليشربها فى اليوم التالى من بلد ذهنه من صبيان المدارس اعتقاداً منهم أن الذهن يصفو من بلادته بهذا الماء، وهم يقسمون بالمعرى كما يقسمون بمقام النبى يوشع الموجود عندهم
ويتعصبون له، ولا شاعر عندهم أو فيلسوف سباق للمعرى فى شاعريته أو حكمته، وهم أول من يسوق لك الدليل على ذلك من أشعاره وآثاره
إن بلدة معرة النعمان اعترافاً منها بفضل أبى العلاء المعرى عليها تدعو جميع الأدباء والفضلاء لزيارة قبره فى المعرة يوم ٢٧ أيلول ١٩٤٤ احتفاء منها بمرور ألف عام انقضت على مولده.

