الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 400 الرجوع إلى "الرسالة"

قبس من نور صاحب الهجرة، أدبني ربى فاحسن تأديبى

Share

.... وأخذت القوم الحيرة  الممزوجة بالإعجاب  من سحر ما أبان،  وصدق ما أظهر.  وزاد من حيرتهم  وإعجابهم أنه كان  أميا؛ فتلطف أبو بكر رضى الله عنه وقد أصابه ما أصاب القوم وأخذه ما أخذهم، وهو العالم الخبير بأنساب العرب وأخبارهم، فقال يا رسول الله: لقد طفت في  العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك؛ فمن أدبك؟

قال: ( أدبنى ربي فأحسن تأديبى ) إنها لكلمه جامعه، مركبه من كلمات قليلة فى منطق اللغة،

كثيرة في منطق العقل، تملك القدرة التي تأسر بها كل الحواس.  يخيل إلي أن الحروف فيها ليست كالحروف؛ فهي من مادة  الروح، وهي من عنصر القلوب، ثم هي بعد ذلك كله من جوهر  النور السماوي، ينزل هبه علوية لخير من يعرف أقدار الهبات.

(أدبنى ربي فأحسن تأديبى) جماع الحكمة في ألفاظ حكيمة، ومبعث النور في ألفاظ  من نور، وروض الأخلاق الكريمة في حروف كريمة، نطق بها  أكرم الخلق فزادت فوق سموها سموا، لأن الرسول الكريم  ترنم بها. . .

يكاد المرء يلمس رحمة الله في طياتها تتحرك، ويحس هداية الرحمن خلال كلماتها تتلألأ، وهي من سر الروحانية؛ يخيل إليه  أن رقتها سالت فجرت سيلا من طبيعة الحياة لا التدمير، فهو  ينهل من عذبها، ويرى في ثناياها ألوان الروحانية السماوية تتألق بمعاني الهداية، وتتلألأ بأنوار الحكمة، فهو يتأملها ويكاد  البصر يتعلق بها فلا يبرحها

ثم هو يوشك أن يشعر بألفاظها تتحرك من سحر ما فيها، وتحيا فكأنما يلمسها ويراها، وهو لما يظهر فيها من نضج  الحكمة واكتمال ثمارها يكاد يلتهم أطايبها التهاما، ثم هو  لا يشبع من معانيها. ومن ذا الذي يشبع من أطايب حديث  الرسول؟

(أدبني ربي فأحسن تأديبي) ياله من اعتراف نبيل من أكرم الخلق بفضل بارىء الخلق! اعتراف سلك فى الحياة مسلك الهداية، وقول نهج للناس منهج

للسعادة. نعم أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان المثل العالي في خلقه؛ فهو الأمين طفلا، وهو الأمين شابا ، وهو الأمين شيخا. ائتمنه قومه فكان له في الطيبات فضل سابغ ،  وفي المكرمات مجد سامق. وأتمنه ربه فاختصه بأعباء الرسالة،  فنهض بها على أكمل الوجوه، وما اختصه بها إلا وقد طهره من  كل غرض ونزهه عن كل دنس. أدبه ربه فكان أميناً، ومن  أمانته شعت أنوار أخلاقه. لقد أدب الرسول ربه فسمت  أخلاقه، ونبلت صفاته، فكان أصدق الخلق حيث يقول: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) ؛ لا يقف صدق هذه الكلمة  الروحانية على نبل صفات الرسول وأمانته، وصدقه، وسمو  غايته؛ بل إنها لصادقة في كل تصرفاته كرجل اجتماعي. ومن ذا الذي جمع دقيق أمره وجليله مثلما جمع؟ ومن ذا الذي  ربط بين أغراضه وأغراض الإنسانية مثلما ربط؟ ومن ذا الذي قلب الرأي قبل الفصل مثلما قلب؟

من ذا الذي جرى في أعماله وراء الضمير الطاهر مثلما جرى؟ أفلم يبعث للعرب ولم تكن تقيدهم غير تيهاء مترامية، فلم الشعث،  وألف القلوب، وآخى بين النفوس، ورأب الصدع، ووحد الثقافة وناهيك بتوحيد الثقافة في إنهاض الأمم! لكم كان الرسول محقاً حين قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فهو مثال  المصلح الاجتماعي الذي يعلم أن إدراك الداء هو سر الدواء،  المصلح الذي يخاطب القلوب والعقول، المصلح الذي يلابس  الحياة وما يضطرب في الحياة، فتسوقه هذه الملابسة إلى كل  مناحي الإصلاح

ولقد كان الرسول كل هذا، وكان فوق هذا المصلح القوي  الكريم الذي لا يغويه السلطان فيبطش، وما كان إلا ما يدل  على قوة اليقين، والترفع عن الأهواء، والعفو عند المقدرة، والنفور من الطمع. إلا إن هجرة الرسول الكريم لأعظم دليل على إدراكه لروح المجتمع، وحسن تصرفه كمصلح سماوي ذي رأي سديد، وفكر صائب. ما هاجر رجل وصاحبه، إنما هاجرت  فكرة وعقيدة. وما اضطهد رجل وأنصاره وإنما اضطهدت فكرة  وعقيدة. وما انتصر رجل، وإنما انتصرت فكرة وعقيدة

ما هاجر الرسول إلا وقد عقد العزم على العودة، ولكن

بعد أن يستشعر القدرة على رياضة تلك النفوس الجامحة. ما هاجر  الرسول إلا بعد أن أدرك أن من العبث نقاش عقول جامحة غطى  عليها الغضب، وران عليها الحقد، فلا سبيل لتقويم عوجها،  وتثقيف منآدها إلا بعد أن تسكن فيها عوامل الثورة، وتبرد  جمرات التحفز. وأدرك الرسول هذا فكان حكيما، وعلم أن امتداد  الزمن بينه وبينهم وابتعاد الشقة - ولو إلى حين - سيفعل  في النفوس الجامحة فعله فتتحرك الضمائر، وتحيا القلوب. ولقد  كان كل هذا، ودارت السنون، واجتمع للرسول العدد والعدة،  وفعلت العوامل النفسية في القوم فعلها، فرجع فاتحاً منتصراً؛  ولكنه كان كريم الخلق، جميل العفو. لقد ضرب للناس بآدابه  مثلاً لو أدركوه وساروا في هديه لعم العالم السلام، ولصفق في جوه الإخاء، ولكن العالم قد فسد تأمله، ففسدت أغراضه، وسار أكثره وراء الطمع، فكان ما كان من جور وطغيان،  واستسلم العالم لحروب تأتي على الأخضر واليابس

وكان الرسول كريم الخلق، وكان المصلح الاجتماعي البصير،  وكان الخطيب الذي لا يصيبه في الملمات عي، ولا يدركه  في المخوفات بهر، يزن كلامه بميزان الحكمة، وما كانت آياته  السامية إلا صورة لنفسه السامية. كان خطيبا لا يبارى؛ وكان  الشجاع الذي لا يبالي الهلكات

اجتمعت له النجدة والبسالة والشدة، وكان شهما فيه صرامة وفيه قوة لا يطمع في خداعه، ولا يغمز جانبه؛ وكان عظيم الثقة  بنفسه، وتلك صفة الرجل الذي يعلم أن الله معه وأن الثقة بالنفس  من لوازم الرسالات، حسنت معاشرته واستقامت أغراضه؛ وكانت له هيبة الروح وسعة الحلم، وكرم العفو، ورعاية الرحمن

انظر إليه وقد لقيه على غرة أحد أعدائه، وشهر السيف على رأسه قائلا: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال: (الله) ما أروعها  كلمة! نعم يمنعه الله، ولقد منعه حقاً، فسقط السيف من الرجل  وأخذه الرسول وقال: من يمنعك مني؟ فقال الرجل وقد أسقط  في يده: كن خير آخذ. فقال الرسول: قل أشهد أن لا إله إلا الله  وأني رسول الله. فقال: لا، غير أني لا أقاتلك، ولا أكون  معك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى الرسول سبيله

فهل رأيت أعظم نفسا من هذه النفس الروحانية؟ وهل رأيت رجلا يقدر الرجولة ولو في عدوه هذا التقدير؟ الرسول الكريم  يطلب منه الأيمان فيأبى، ولكنه يعاهده على السلام فيكون له العفو الجميل. إن في ذلك لآية رائعة للقدرة حين ترحم. إن  في ذلك لفلسفة عالية لو أدركها العالم لتجمعت أطرافه، ولرفرفت  عليه أجنحة السلام

إنها لحكمة من الرسول الكريم الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه

(المنصورة)

اشترك في نشرتنا البريدية