فى هذا العصر العجيب , الذى بسط فيه الانسان سلطانه على قوى الطبيعة, يصرفها كيف شاء , ويسخرها فى تحقيق أغراضه ومشهبيايه , أليس من الغريب وسخط هذا التقدم الباهر الهائل ، أن يظل عاجزا هو نفسه عن أن يجارى فى التقدم تلك المنشآت التى استحدثها هو وابتكرها ؟ ذلك النور الساطع الذى انبعث من العقل البشرى ، فكشف عن أسرار الطبيعة كل غامض خفى ، قد غادر ركنا واحدا شديد الظلمة والحلكة ، وهو روح
الانسان , أى أشد الأشياء قربا منه والتصافا به. أليس ابتكار الطيران والبخار والكهرباء , قد محا الأبعاد, وقرب بين البلاد؟ فلماذا عجز ع نالتقريب بين القاوب , والربط بين الشعوب ؟ لا تريد أن نسرف أو نغلو فى القول ، فمن الجائز أن يقال لنا إن أخلاق الأفراد قد ارتقت اليوم هما كانت عليه فى الأزمنة الجاعلية العتيقة ، ولا تريد أن نحاول فى هذا الآن ، وإنما محاول فى هذا المقال أن نعرض للأخلاق
الدولية ، أى الأساس الخلق للعلاقات التى تربط بين الدول .
لو أن مؤرخا قديرا استطاع أن يدرس ظاهرة العلاقات بين الجماعات ، والنواميس التى خضعت لها منذ نشأتها إلى وقتنا هذا ، لكان هذا بحثا ممتعا شائفا . ولكننا هنا نكتفى - على قدر طاقتنا - بناحية واحدة من تلك العلاقات ، وهى المعاهدات ورعايتها ، ونقص الكلام على الأزمنة الحديثة دون سواها .
من البديهى أن إخلاف الوعد إذا شاع فى مجتمع عمته الفوضى , وسمله الارتباك والانحلال من جميع نواحيه , ولهذا نرى العرف يقتضى الناس فى الوعود الخطيرة التى يرتبطون بها أن يحتفلوا لهذا العهد المقطوع احتفالا خاصا ، بأن يدلوا بقسم ، أو يثبتوه بالكتابة وبشهادة الشهود ؛ لأن المجتمع رأى أن بعض الوعود المقطوعة لا يحتمل النقض ، ويجب أن يحاط بسياج منهيع من الحرمة والقدس
وكذلك تحتفل الدول, وتستعد للتعاهد والتحالف بمختلف الوسائل والمظاهر , فمن مفاوضات طويلة مضنية تستغرق الأسابيع والأشهر , إلى وثائق يتعب فى تحريرها الساسة ورجال القانون ، إلى حفلات تقام لامضاء هذه الوثائق ، إلى تصديق الهيئات النيابية التى تمثل الأمم ، إلى تبادل الزيارات بين قادة الأمم ورؤسائها لتوكيد التعاهد ، وإظهار ما اشتمل عليه من شرف وإخلاص ، إلى خطب تلقى ، وبيانات تصدر ...
بعض هذه المظاهر أو كلها يلجأ إليه لكى لا يكون هنالك أدنى شك فى أن هذا العهد الققطوع ليس بالشئ الذى ينقض فى سهولة وبغيرا كتراث ؛ وهذه المظاهر لم تنقص فى العهد الحديث عما كانت عليه فى العهود السابقة ، بل لعلها ازدادت كثيرا عما كانت عليه فيما مضى ، وكان مقتضى المنطق أن يكون الحرص على شرف التعاهد قد
ازداد أيضا بازدياد تلك المظاهر . غير أننا محس جميعا أن الحال بخلاف ذلك ، وأن شرف التعاقد لا يستند اليوم إلى أساس من الخلق الدولى أمتن وأثبت مما كان عليه فىى الفرون السابقة .
ليس معنى هذا أن العهود لم تكن تنفض , والوعود لم تكن تختلف قبل الحرب العظى , ولكن ليس من شك فى أن هذا الأمر كان بمثابة الشذوذ , وهو اليوم يوشك أن يكون القاعدة : ويكاد الوقاء بالعهد اليوم أن يكون هو الظاهرة الشاذة ؛ فكان الأخلاق الدولية قد جارت عصر السرعة الذى نعيش فيه اليوم فى أمر واحد ، وهو سرعة نقص الوعد ، الذى لم تمض على التفوء به أشهر ، والمعاهدة التى لم يكد حبرها أن يجف .
لقد دهش الناس من نحو شهرين حين رأوا تركيا تأتى أن تجيب روسيا إلى ما طلبته من إغلاق المضايق لبرارج الدول الأجنبية , لأن هذا ينافق ما بين تركيا وبين بعض الدول من المعاهدات, وقد عجب الناس من أن تنفرد تركيا فى هذا الزمن الذى شاع فيه إخلاف العهود بالحرص على الوفاء ، وأن ترفض لروسيا هذا المطلب ، مع أيها حريصة على سداقة روسيا ، وليس من مصلحتها فى شئ أن مجابه حارتها العظيمة أو تعادسها ، وعلى الأخص فى هذا الوقت السبب الذى تتمسك فيه بعض الدول بالقول المشهور " من ليس منا فهو علينا . "
من الجائز أن يكون هنالك اختلاف فى الرأى فى أن مسلك تركيا قد أملثه المصلحة أو الوفاء بالعهود ، ولكن ليس من شك فى أن هذا العمل كان ذا أثر حسن فى نفوس الذين يرقبون الأخلاق الدولية ، والذين هالهم ما اعتراها من الضعف والفساد.
ونحن فى مصر منذ زمن بعيد نطالب بريطانيا بأن تفى بوعدها بالجلاء عن أرض مصر ، وليس من شك فى
أن هذا الاصرار من جانبنا قد كان له أثره فى نفوس رجال السياسة البريطانية . فنحن نرى اللورد ملنر يقول فى تقريره المشهور سنة ١٩٢١ :
" إننا قد رددنا دائما وعدنا بأن تصبح مصر دولة مستقلة . ورأبى أن الوفاء بهذا العهد لا يحتمل التأجيل "
ولم نزل العلاقات بين مصر وبريطانيا تنتقل من طور إلى طور ، حتى انهت إلى معاهدة بدلا من الوعود التى كان يدلى بها أحد الطرفين .
والذى نرجوه اليوم , ونلح فى الرجاء , أن تعمل كل من الدولتتين على الوفاء بكل نص من نصوص هذا العهد بمنتهى الدقة ولاخلاص . وليس تحقيق هذا الأمل مقصور القائد على ما تجنيه مصر وبريطانيا من تنفيذ نصوص المحالفة ؛ بل هنالك اعتبار يفوق هذا الامر خطرا ، وهو أن الصلات الدولية تعانى اليوم أزمة عنيفة توشك أن نودى بالبقية الباقية من الشرف الدولى ؛ ولابد لإنقاذها من بذل جهود جبارة فى تغليب الوفاء والصدق على المصلحة العاجلة .
لقد خلقت الحرب الكبرى التى دامت أربعة أعوام, وقسمت العلام إلى معسكرين متتاخرين , جوا من البغضاء والكراهية ازداد كثافة وشدة على مدى الزمن , وكلما انتقلت تلك الحرب من دور إلى دور , ازدادت تارة البغضاء اشتعالا , وزاد حقد فريق على فريق, وفىهذا الجو المسمم عقدت معاهدات الصلح, التى لم تككن يد من أن يغدو نصبها من الثبات والبقاء ، نصيب تلك المواطن التى ولدها ، والظروف التى خلقتها ، وكان المعقول أن تسلك الدول خطة مثلى فى تعديل تلك المعاهدات وتلطيف حدثها ، بالتفاهم والباحثات والمفاوضات ، وهذا الاتجاه السلمى لتنقيح تلك المعاهدات ، قد ظهرت آثاره فعلا ؛ ومن
المغالطات الشائعة فى وقتنا هذا ما نسميه من أن معاهدات الحرب الكبرى هى السبب الوحيد فيما نشاهده اليوم من انحلال الأخلاق الدولية ، وخيانية العهود المقطوعة . فإن كثر هذه العهود لم يكن مت إلى معاهدات الصلح بأدنى صلة . وإلا فأى صلة بين معاهدات الصلح وبين إغارة اليابان على منشورية ، أو إغارة إبطاليا على الحبشة ، أو اقتحام اليابان لبلاد الصين ؟
إن معاهدة فرساى وصواحبها كانت معاهدات رديئة, ولكن يجب على المتصف ألا يسرف فى أن يغزو إليها ما هى بريئة منه, وفى الواقع أن هذه المعاهدات قد برئ فى تعديلها فعلا بالوسائل السلمية كما نراه فى معاهدة لو كانو التى ادخلت المانيا إلى حلقة التعاون الأورنى ، وكذلك الاتفاق المالى الذى أعفيت بمقتضاء ألمانيا من دفع ديونها قبل الحكم النازى ، ثم المحالفة البحرية بين المانيا ويريطانيا التى عقدت فى عام ١٩٣٥ والتى استطاعت ألمانيا بمقتضاها أن تبني أسطولا قويا .
إن قليلا من التأمل يرينا أن هذا العبث بالمعاهدات , وهذا الانحطاط الظاهر فىى الشرف الدولى لا يمكن أن يعزى كله - حتى ولا جله - إلى معاهدات صلح سنة 1919, فأن الحرب الكبرى نفسها قد بدأت باتبهاك حرمة بلجيكا وينقض عهد مقدس قطعته الدول بإحترام حياد هذه الدولة ؟ وأخذنا فسمع منذ ذلك الحين ذلك الوصف العجيب للمعاهدات بأنها " قصاصات من الورف " ! وذلك قيل معاهدات الصلح بأكثر من أربع سنين .
وقد كانت الحرب فاتحة لسلسلة من الاتفاقات الغريبة المريبة التى عقدتها الدول ترغيبا البعضها فى دخول الحرب ، فكثرت الوعود الخلاية ، وكيلت الهبات من الأراضى والمقاطعات كيلا ، دون أن يفكر أحد فى إمكان الوفاء يمثل تلك العهود .
ثم انتهت الحرب وأنشئت عصبة الأمم لتكون فاتحة عهد جديد يكون قراعه الشرف الدولى والاخاء بين الشعوب ؛ وكان من أول العاملين على إنشائها رئيس الولايات المتحدة ولسون . فإذا البرلمان الأمريكى يهدم ما بناء الرئيس ، وينقض الوعد الذى وعده ، وتخلت أمريكا عن العصبة ، فضربتها فى كيابها ضربة لم تفق منها إلى اليوم .
واستدانت الدول من أمريكا قروضا عظيمة, وتعاقدت معها على الوفاء بهذه الديون ، وكانت ثلاث عشرة دولة ، لم يثبت على الوفاء بالدين منها سوى أصغرها وأقلها دينا وهى فتلندة . أما الدول الآخر فقد انقطعت عن تسديد ديونها دون أن يكون هنالك طارئ جديد بير مثل هذا المسلك
ثم جاء الدكتور بين العظام ، وما امتاز به هذا العهد من غلو فى المطامع وإسراف فى إشباع شهوة كل دولة على حساب الدول الضعيفة . وفى هذا العهد نرى ثلاث ظاهرات جديدة فى انهاك حرمة الاتفاقات ، وازدراء العاهدات تستحق التسجيل
الظاهرة الأولى: الإغارة على دولة مستقلة ذات سيادة من غير إعلان. وهذه البدعة أريد بها ألا يكون هناك مخالفة رسمية للمعاهدات المعقودة. وتكملة لهذه البدعة تقام حكومة مصطنعة فى ناحية من النواحى. ويعترف لها بأنها هى الحكومة صاحبة الشأن, أما الحكومة الشرعية فلا يعترف بها, وتشن عليها الحرب. وهكذا نرى اليابان تغير على منشوريا, وتقيم فيها حكومة منشوكو , وتغير إيطاليا على الحبشة ، وتقيم فى ركن منها حكومة لرئيس من الرؤساء الخاملين . وأغارت اليابان مرة أخرى على دولة الصين ، وأقامت حكومة هزيلة فى القطار الشمالى منها وها نحن اليوم نشاهد هذه البدعة تظهر مرة أخرى فى فتلتدة ، فتؤسس روسيا ما تسميه " حكومة فى إقليم
ضئيل حقير على الحدود الروسية الفنلندية ، وتأخذ فى مفاوضة هذه الحكومة ، وفى عقد الاتفاقات معها إلى آخر الرواية التى أصبحت مألوفة
والظاهرة الثانية ، التى امتاز بها هذا العهد الجديد ، هى أن يقطع الدكتور على نفسه عهدا لكى يخدر به أعصاب فريسته ، وهو يعلم حين قطع ذلك العهد أنه ما أدلى به إلا لينقضه ، وما أمن فريسته إلا لكى يقدر بها .
وهنالك فرق كبير بين معاهدة تعقد بإخلاص , ثم يبدو لأحد المتعاقدين أن ينقصها , وبين عهد لم يقطع إلا كجزء من سياسة العدوان المسببتة وقد تكررت هذه الظاهرة مرارا فى السنوات الأخيرة . حتى أصبح كل تصريح يصدره الدكتانور القوى بأنه لن ينوى الاعتداء على جارة ضعيفة ، بمثابة بذير بالويل والثبور لتلك الدولة المستضعفة .
والظاهرة الثانية أننا نرى المعاهدات نفسها قد أصبحت ضربا من ضروب العدوان, الذىى ينتحل اسم الصداقة ، فتعقد الدولة القوية مع الدولة الضعيفة معاهدة أو محالفة تفقد بها هذه كل أثر من آثار استقلالها ، ويجعل منها آلة تسخرها الدولة القوية لإنفاذ مطامعها ورغباتها . ومثال سلوفاكيا ودويلات البلطيق أوضح من أن يشار إليه .
إن بعض هذه المظاهر ليس جديدا بالمعنىى الصحيح, فقد استخدمت هذه الوسائل زمنا طويلا فى البلدان الاستعمارى للحصول على مزايا وحقوق للدولة الأوربية من حاكم إفريقى أو أسيوى ضعيف . ولكن الأمر الحديد هو اتباع هذه الاساليب فى أوربا نفسها ، مع دول ذات حضارة وتقدم . وإذا أمعنا النظر فى تدهور الأخلاق الدولية فى أوربا اليوم ، فإننا قد لا نكوات مخطئتين
إذا رجعنا بعض هذا التدهور إلى المسلك الاستعمارى المموج الذى سلكته بعض الدول مع الجامعات التى تعدها أوربا متأخرة ومتخلفة فى ميدان الحضارة المادية. فإن قاموس الشرف والنيل ليس بالشئ الذى يحتمل أن يقاس فى أوربا بمقياس وفى آسيا بمقياس . والكف التى تتندنس مرة ، يصعب عليها بعد ذلك أن تعلن للناس طهرها ونبلها . إن كل عمل لا ينطوى على الخير يكون له أثران خطيران أولها أن الذى قام به اليوم يتعذر عليه ألا يعود إليه فى الغد ، والأثر الثانى أن مسلك الشر قد يكل بما يشبه الفوز ، فيحط من مستوى الأخلاق الدولية ، ويبعث على
الاستهتار بالشرف الدولى .
وقصارى الحديث أن الشرف الدولى قد تدهور فى هذه السنين الأخيرة شنيعا, تلك ظاهرة ملموسة يستحيل إنكارها , ولكنها ليست بالظاهرة السهلة التفسير ، فهى عن لمرض متأصل ، ذى جذور ممتدة متشعبة ؛ وليس من اليسير أن نبلغ يبحثنا هذا إلى أصولها العميقة . ومن المحزن حقا أن يكون هذا الداء قد ازداد على السنين شدة واستفحالا . من أجل هذا بات العلاج وبالا للأ للأسف - عسيرا بعيد المنال ...

