الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 336 الرجوع إلى "الثقافة"

قدم فى الجحيم

Share

" هذا التعفن في حياتكم ايها الشبان ما هو إلا وليد الحرية الزائدة

- كلا يا ابت ! . إنما هو نتيجة الحرية الضيقة ، إن هو إلا وليد الغرائز  المكبوتة التى ارادتها الطبيعة ان تعيش في الشباب فائرة حائرة تسعى لان تتسرب امنة في مخارجها السليمة لكن الشعائر والتقاليد تلك التي فرضتها عقول السنين الغابرة على مجتمع يختلف عن مجتمعنا في ظروف المعيشة ومؤثرات البيئة - القت حولها قيودا من حديد ونار ؛ فمنها ما انطلق فارا على غير هدى ؛ ومنها ما بقي حيث هو ليذبل ويموت . وكان في كلتا النتيجتين ان اصطبغت حياتنا بالتعفن والشذوذ ! " .

وصل عند هذا الشطر من القراءة في إحدي قصص د . ه ل لورنس فألقى الكتاب جانبا وراح في تفكير ذاهل

تري ما مبلغ الصحة في هذا الزعم بالنسبة لهذا الخمول ، هذا التعفن الذي بدأ يعبث في زوايا نفسه فكاد يشل اكثر نواحي نشاطه ؛ هذا الشذوذ الخفي الذي اخذ يبدو في مسلكه فلحظه أهله وانكره هو على نفسه ؟ وهو يعيش في هذه الأشهر الأخيرة كالذاهل تترادف الأيام فلا يكاد

يحس حلاوتها وقد توفرت لديه أكثر اسباب المسرة من شباب ونباهة ومال . وإن اشد ما يؤذيه هذا الفراغ الذي أخذ يحس به ، فراغ ممل قاتل يتسرب إلي قرارة النفس علي شكل لم يعهده إبان دراسته في الجامعة .

تري ما الباعث ؟ ما السر ؟ ما السبب في هذا العارض المؤذي ؟ .

لعلها العواطف الخامدة والنزعات والغرائز المكبوتة كما يزعم صاحب هذا الكتاب الذي لم يفرغ من قراءته بعد ؟ ألعلها المرأة ؟ ألعلها حاجته إلى النساء بالأحري

لكنه لا يذكر أنه شعر بحاجته إلي النساء ، طيلة سني الدراسة وقد كن ملء بصره ولمسه . كانت سلوي تشاطره ، مقعد الدراسة ، وكانت جورجيت رفيقته في المختبر ؟ وهناك الرهط من الاوانس اللواتي كان يتبادل وإياهن كتب المطالعة ويشتركن معه في برامج نادي المناظرة : عليا ، الفتاة الدرزية ذات الفم الدقيق وتلك العراقية الحسناء الطالبة في قسم الأدب الانجليزي وماري ) ماري الجديدة ( كما كان يدعوها ، فقد كانت شرقية نشأت في الدنيا الجديدة كم لامس خده خدها وضم خصرها مراقصا في حفلات نهاية الأسبوع . كان يراقصهن جميعا ويمازحهن ويرافقهن إلى دور السينما وحفلات الموسيقى وإلى المقاهي الجميلة في

ضواحي المدينة ، ولكنه لا يذكر انه شعر نحوهن بأشد من رغبته في ان يتأبط آذرعتهن وان يطبع قبلة خاطفة على شعورهن . وكان سعيدا بهذا الاتصال العفيف الذي يرضي عنه العقل والقلب والضمير . ولعل هذا الاتصال كان دون سواه الحافز لذاك النشاط الذي عرف عنه في الجامعة كان يدرس كثيرا ويلهو كثيرا . كان عضوا في نادي المناظرة وكان يشترك في تحرير النشرة الشهرية ، وكان لاعبا بالكرة وسباحا وعداء . وكان حريصا على ان يتذوق الفن الرفيع في الحفلات الموسيقية التي كان ينفر منها أول الأمر ولا يؤمها إلا رغبة في ان يتنسم عبير جوها المشحون بالفتيات الجميلات . حتى إذا كشفت له الموسيقي الكلاسيكية عن نواح عملية في إرهاف الحس وتنمية الشعور اصبحت جزءا متمما لثقافته . ولشد ما كان يبعث هذا النشاط في نفسه من غبطة صامتة

وكأن تحولا كليا قد طرأ عليه فأصبح لا يسره شئ ولا يؤلمه شئ كما لو ان الحياة فقدت قيمتها لديه . اصبح لا يدرك حقيقة موقفه من نفسه ، وغدا كالطبل الفارغ يميل مع كل ريح وأخف ريح ! . . وأكبر الظن أن هذا التحول ما هو إلا وليد هذه البيئة المحافظة التي نشأ فيها والتى لم يشعر بوطأتها عليه إلا بعد ان تفتحت آفاق إدراكه على نواح في الحياة كان يجهلها فكان لا يؤمن بها . كان والده - مثلا - كثيرا ما يردد قول الإمام علي : " النساء شر كلهن وشر ما فيهن الحاجة إليهن " ولكن اختباره في الجامعة أقنعه أن الواقع غير ذلك وان النساء الرشيقات النبيهات سحر حلال كلهن واظرف ما  فيهن الاتصال العفيف بهن

ولقد تغيرت فعلا نظرته إلي النساء والحياة بأجملها . كان مثلا ، قبل ان تتصل حياته بهذا الرهط من فتيات الجامعة ، يشتهي من النساء امورا اصبح لا يستسيغها ذوقه ويكاد يمجها وينفر من اشتهائها . كان حين يلمح عن

بعد نساء المنازل المجاورة بملابس النوم على الشرفات في ساعات الصباح الباكر تسري في جسمه موجات متلاحقة من الحرارة والبرودة . . حتى مرأي خادمتهن الزنجية وهي تنظف جوانب غرفته كان يكفي لأن يغري في نفسه نزوات خبيثة فمحت الجامعة كل اثر لمثل هذه الصغائر . وها هو يشعر كان هذه الرغبات تعود فتنتابه الآن حين استقر في هذه البيئة التي استقر فيها الآن والتي كادت تنفصم عري الألفة بينه وبينها .

وحاول ان يرفه عن نفسه فاستسلم للهو ، ولكنه ما جني إلا متعة زائفة لم تملأ ولو قليلا من ذاك الفراغ الذي كاد يعمر أكثر جوارحه . حتى السياحة رياضته المحببة فقدت قيمتها لديه . كان من قبل يلازم الماء أكثر الوقت ، يقفز من عل ليصارع الامواج المنزلقة على الرمال الفضية ، فأصبح ينفق الساعات متسلقا على الرمال الحامية مسلما جسده - على غرار النساء إلي أشعة الشمس المحرقة ، وكان يجد في ذلك عزاء طفيفا وكانت تتملكه رغبة قوية تلح عليه ان يلتهم بناظريه اجسام النساء بشكل لم يعهده في نفسه منذ امد بعيد . ما أ كثر ما كان يستحم في حمامات الجامعة مع رتل من اللواتي عرفهن أكثر من هؤلاء الأجنبيات رشاقة ووسامة ، ولكنه لايذكر  ان عينيه اعتادتا التطلع إلي أجسامهن في أكثر من نظرة بريئة عابرة .

وخبر في غير إسراف هذه الملاهي التي تفنن في إعدادها هؤلاء اللاجئون من أواسط اوربا والتي  هي اقرب الملاجيء للذين خلت قلوبهم من سامي العواطف فاحتلتها صغائر الشهوات . والحياة في هذا الوسط من المجتمع نضال قوي خفي بين دلال النساء وشهوات الرجال ؛ وهذا النفر من قوانين هنغاريا ورومانيا نوع من الجنس البشري له ميزات وخصائص فريدة . راقصات ، وضاربات وتر ، وبائعات لذة . . اجتمعت لديهن الفتنة وقسط وافر من

الذكاء والثقافة فتولد فيهن اعتداد في النفس أصيل ، وكادت تنعدم لديهن مقاييس الأخلاق فعرفن كثيرا من مواطن الضعف في الرجال . وهو لم يأنس في نفسه ضعفا لمناضلتهن ، وله من وسامته ونباهته وكرمه خير سلاح ، لكنه ترفع عن أن يدخل في حرب مع النساء وهو الذي خبر في ظلهن أياما مليئة بالطمأنينة الروحية وبالرضا والغبطة .

أم تري الباعث على هذا التطور هو هذه الفترة من عمره التي يمر فيها الآن والتي لا غنى للرجل فيها عن امرأة وقد فكر فعلا في الزواج . ولكن رأيا تكون في صميم تفكيره ما فتئ يردده لوالديه حين يسران إليه برغبتهما في أن يرياه أبا لأطفال جميلين ، وهو أن الزواج ليس هو المتعة الجنسية كنتيجة في ذاتها ، إنما الزواج هو الألفة الوطيدة والاعجاب المشترك والصداقة المتينة ، هو اشتراك في الآراء والنظرة إلى الحياة وتجانس في أكثر الأذواق والنزعات .

ولشد ما يرغب في أن يتصل بهؤلاء الفتيات اللواتي يتزاورن وشقيقاته فلعل احداهن تصادف مدخلا إلى عقله وقلبه . ولكن أين منه ذلك وقد نشأن محافظات شد ما يفتقرن إلى ما يجتذب رجلا مثله ، يبدون في حجبهن كالوطاويط أو كممثلى أدوار الشياطين في الأبرات الأيطالية وينفرن من الرجال كما تنفر العصافير من مرأى القطط .

وتاق لأن يتصل بالنساء لا ليشبع شهوات خسيسة في نفسه ، ولكن حنينا لذاك العبير النسوي اللطيف ، وإن الحنين والذكري لأفضل ما يخفف من وطأة الحاضر المر .

وتنهد قليلا ثم نهض متثاقلا ليصلح من هندامه ، فقد أذن ميعاده مع صديقه في النادي . وسمع صوت سيارة تقف . وتعالت أصوات شقيقاته من ردهة المنزل مرحبات بحرارة ظاهرة . واقترب من النافذة يدفعه الفضول لأن يسترق النظر : هيه . . بدرية . ابنة خالته ، الطالبة في

دار المعلمات ، وتذكر ما قالته أمه منذ أيام من أنها ستقضي عطلة الصيف عندهم .

إذا فسيتسع في المنزل جو لطيف وستتجاوب في أنحائه نغمات عزفها على البيانو . . شوبان ، موزارت ، ليسزت ، وستحدثه عن الكتب التي قرأت . وسيحدثها عن لورنس . ويكن وشللي . وعن مارسل بروست .

واتكأ على النافذة يسرح النظر في الأشياء التي كانت لاتكاد تلفت نظره والتي بدت الآن كأنها تعج بالحركة والحياة . وغمره إحساس بهيج وسرى في جسمه شيء كان قد فارقه منذ شهور . هو مزيج من الغبطة الصامتة والراحة والدفء الذي أخذ يشع في قلبه رويدا رويدا .

وأحس كأنه أصبح في وفاق مع نفسه .

وشعر كأنه انتشل قدمه من الجحيم .

( حيفا )

اشترك في نشرتنا البريدية