الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 41الرجوع إلى "الثقافة"

قد أقبل الصبح . . .

Share

سار سامي الصغير في الصباح في طريقه إلي المدرسة، طروبا . . إنه يستقبل نهارا بهيجا حافلا بالتسلية سيظفر اليوم بالأمنية التي ظل طويلا يحلم بها. لقد نجح اخيرا في ان يقتصد ثلاثة قروش، وصار قادرا على أن يقتني . . طيارة ، نعم طيارة ؟ كاملة المعدات والأدوات إن معه ثمن الورق الملون، وعيدان الناب، والصمغ، والخيط . . عند انصرافه من المدرسة سيذهب إلي السوق ويشتري " الخامات " ويعود إلى البيت ليصنع طائرته . . سيتم عمله في ساعات  ثم يصعد إلي السطح ليرسلها إلي السماء محمولة على نسيم المساء الرخي . .

كان سامي يضرب الأرض بقدمه في اعتداد. انه يملك ثلاثة قروش، يستطيع أن يحقق بها مشروعه. يملكها أخيرا، بعد أن راض نفسه على التوفير من مصروفه اليومي؛ لقد قاسي، وكابد كثيرا، حتى وصل إلي هذه النتيجة المرجوة. كان يمر في الصباح ببائع الفطائر الساخنة، فتحدثه نفسه أن يميل إليه ويصيب من فطائره حظا ولو قليلا . . ثم كان يذكر الطائرة وهي تخفق في الجو بالوانها الزاهية، فيكظم شهيته الثائرة، ويزجر لعابه المواني، ويغض بصره، ويمضي في طريقه . . إلي باب المدرسة ! .

وفي العصر، عند الخروج، كم كان يبدو صوت بائع المرطبات وهو ينادي على بضاعته مغريا جدا؛ إن الخبيث يحاول ان يستدرج زبونه القديم الدائم بصوته الناعم، إنه يصف " المثلجات " وصفا بليغا رائعا، حتى ليهم الغلام

الظامي أن يندفع نحوه بحكم العادة . . ثم كان يذكر أن ذلك مما يؤخر تحليق طائرته يوما او يومين، فيحزم امره ويمضي في طريقه إلي البيت لا يلوي . . نعم، لقد كابد وقاسي . . وقد وصل الآن إلي هدفه؛ ستكون له عما قليل طائرة.

ظل سامي الصغير يدير خواطره في راسه، وهو يداعب يقدمه كل حصاة تقع في طريقه . . وكان قد بلغ منتصف الطريق إلي المدرسة، عندما وقف قليلا واجما . .

وقف واجما، ينظر إلي امرأة كفيفة تجلس في ظل شجرة، مادة يدها في طلب الصدقة، وإلى جانبها طفلها يجذب ثوبها ويقول لها باكيا إنه . جائع ! .

لقد ملاه بكاء الطفل شفقة؛ وود لو يستطيع أن يساعده، ان يهبه قرشا يشتري به رغيفا. إنه يعرف ما هو الجوع ؟ طالما أحسه وهو عائد إلي البيت عند الظهر إنه شئ مؤلم!...

هل ينزل للسائلة، التى تمد يدها، التى يبكي طفلها، عن أحد قروشه ؟ . . إنه يريد ذلك لكن الطائرة . . إن ثمنها سينقص. لقد عاني هو نفسه الحرمان ليكتمل هذا الثمن . .

هز رأسه، واستأنف السير محدثا نفسه: " ربما يمر بهما شخص آخر تكون لديه نقود زائدة عن حاجته، فيعطيهما . . "

غير انه ما كاد يبتعد بضع خطوات حتى وقف ثانية. لقد خيل له أن صوتا يهمس في أذنه: " ربما لا يمر أحد

من هذا الطريق . . ويظل الطفل جائعا".

ظللت جبينه سحابة من الكدر والحيرة. وهم أن يعود إلى المرأة الكفيفة، لكن " الطائرة " ظهرت أمامه فجأة، وأخذت تحلق في سماء خياله، بألوانها الفاتنة . . لقد اعلن انداده من صبيان الشارع أن ستكون له طائرة كطائراتهم هذا المساء. وانه سياريهم ويتفوق عليهم . . إنه لا ينسى انه سأل صديقه إبراهيم أن يدع طرف خيط طائرته في يده بضع دقائق فرفض اللئيم وقال في سخرية: " إن في السوق ورقا وغايا وصمغا وخيطا . . " حسنا. سيثبت لإبراهيم أنه يستطيع أن يحصل على طائرة أكبر من طائرته . .

واستأنف الصبي السير. وحانت منه التفائة إلي عصفور يثب من شجرة إلي شجرة وهو ماض في ثرثرته. كان صوت العصفور ثانيا عاليا. خيل له ان الطائر يقول له: " إنك ولد قاس. ماذا لو اخرت مشروعك يوما أو يومين . . إن الطفل جائع . . إنه يبكي . . "

قال سامي منزعجا: " اسمع يا عصفور سيمر شخص آخر من غير شك، وسيجد الطفل خبزا. أنت لم تر إبراهيم وهو يعبرني، وهو يقول لي إنني لا استطيع ان أحصل على طائرة . . " .

وهز العصفور جناحية في ارتياب وسخرية وهو يختفي بين الأغصان

وتشهد الصبي بارتياح لما رأي انه قد تخلص من الطائر الساخر

ووصل المدرسة. ودخل الفصل، وأخذ يصغي إلي الشرح، وهو يحملق في السبورة كباقي التلاميذ.

غير انه لم يكن يعي شيئا . كانت تلعب برأسه خواطر بعيدة . . إلي أي مدى يستطيع الانسان أن

يحتمل الجوع ؟ . . لقد اتهم ذات مرة بوضع بضعة زنابير في قمطر المدرس، وعوقب بالحبس في " الزعرانة " من الظهر إلي الغروب دون غداء. لقد احس يومئذ كان شيئا يقرص أمعاءه ويعضها . . وذات مرة أغضبته أمه فأضرب عن الطعام، وبات على الطوي . . كم ذاق في تلك الليلة من الألم. وكم بكي وهو بعض الوسادة، وكم حدثته نفسه ان يتسلل إلي المطبخ. إن الظلام والخوف من الفضيحة هو الذي صده عن ذلك. حقا أن الجوع شئ فظيع

هاله الأمر . . ولم يعد يري على السبورة الأرقام والحروف بل كان يري صورة طفل في أسمال، وأم لا تبصر ترتدي ثوبا لا لون له إلا لون تراب الطريق.

ثم كانت هذه الصورة تنقشع، وتأخذ مكانها صورة طائرة ملونة سابحة في الجو.

وبين الحين والحين كان سامي يري العصفور الساخر وهو يهز جناحه ويختفي في أغصان الشجر.

ودق الناقوس الأخير . . وتدفق الصبية من باب الخروج . . وقصد سامي المنزل، لكنه لم يختر الطريق الذي جاء منه في الصباح؛ بل مضي من شارع آخر.

ولما قارب باب البيت حانت منه التفاتة إلي شجرة فرأي عصفورا واقفا علي فتن وخيل له انه عصفور الصباح وانه ينتظره .

أصغي إلي زقزقته واعتقد أنه فهم ما يريد أن يقول له وانه يساله: " لعلك احسنت إلي الطفل الجائع في عودتك، واقتنعت ان إطعام طفل جائع خير من شراء طائرة ؟ .

واجابه في فتور: " لم اصادف الطفل في طريقي . . وقال العصفور: " إنك غيرت طريقك حتي لا تلتقي به . .

وقاطعه ساعي وهو يتعلعل: " ابدا أبدأ. لقد غيرت طريقي عفوا، إني أفعل ذلك كثيرا . .

ضحك العصفور، وقال وهو يمد لسانه الصغير ساخرا: " لا تنكر، هذه هي الحقيقة انبأتني بها نحلة طائرة مرت بقرب رأسك ورأت ما فيه من الأفكار

ذكر سامي بغيظ تلك النحلة اللئيمة التى كانت تطن حول رأسه وهو يسير في فناء المدرسة. إذا فقد كانت الخبيثة جاسوسة العصفورة . .

وأجاب غاضبا مصرا على المكابرة : " اسمع يا عصفور: إنك ثرثار قبيح، إنك حانق علي لان طائرتي ستستطيع أن تعلو في السماء أكثر مما تستطيع أنت، إن أقوالك لا تهمني سأفعل ما أريد . . " ودخل البيت .

في المساء كانت طائرته تحلق في السماء، يمسك خيط القيادة بيد، ويلوح بيده الآخر إلي رفاقه من ملاك الطائرات، وهم وقوف فوق سطوح منازلهم .

ولما رأي أن الريح تساعد طائرته اكثر مما تساعد طائرة غريمه إبراهيم وتدفع بها إلى الاعالي تنفس الصعداء وملا الانتصار فمه بالضحك ووجهه بالابتسام .

غير أنه ما لبث أن أحس كأن شيئا في دخيلته يسرق البهجة من قلبه، ويتخطف الضحكات من فمه، ويطفئ الابتسامات التي تضيء أساريره وعينيه.

لقد صار يتصور أن كل الهواء مملوء ببكاء الطفل الجائع

وتولته السامة . . واخذ يطوي الخيط في فتور، واخذت الطائرة تعود أدراجها، وسقطت اخيرا عند قدميه فحملها في ضجر، وهبط إلي حجرته . .

وتناول عشاءه وهو واجم .

وجاءت ساعة النوم فارتمي في سريره وبصدره كابة شديدة. وجاءته امه كما عودته تسأله عن يومه وما اضطرب به نهاره: هل حفظ دروسه ؟ هل رضي عنه معلموه ؟ هل ضايقه احد من رفاقه ؟ هل اطاع وصاتها وقابل الأساءة بالاحسان ؟ هل كذب وصخب أم اثر الصدق والهدوء ؟ . وهل صنع خيرا ؟ .

بم يحدثها ؟ . . هذا هو سر كابته، إنه لم يستذكر دروسه، لأنه صرف كل همه إلي صنع الطائرة، ولم يرض عنه معلموه بل تلقي على يديه عدة ضربات من عصا الشيخ " شعيره " لأنه لم يصغ إلي شرح درس النحو . .

ولقد حنق على إبراهيم " وما يزال يمقته، لأنه يزعم أنه أمهر منه في قيادة الطائرات . .

وقد كذب أيضا، وأخفي الحقيقة عن العصفور لما سأله: لم غير طريقه ؟ بل إنه اساء للطائر الظريف وشتمه قائلا: " إنك ثرثار قبيح ، طويل اللسان " .

ثم إنه لم يصنع خيرا . . بل كان قاسيا. قاسيا جدا لقد ترك الطفل جائعا، وفي جيبه ثلاثة قروش ! .

ليست لديه أجوبة سارة، وهو لا يجرؤ أن يكذب أمه. فليصطنع النعاس

ولم تشأ أمه أن توقظه، فطبعت على جبينه قبلة، ومضت عنه . .

ولم يفتح الصبي عينيه بعدما مضت، فإن النعاس قد تسلل حقا إلي جسده المتعب، وسرق روحه الصغيرة الحائرة وحملها إلي وادي الأحلام . .

كان أبوه نائما في غرفة مجاورة، مفتوح العينين، يصارع الأرق رأسه، فسمع ولده وهو يقول: " أنا أسف يا عصفور. لقد أسأت إليك . . تقول إن الطفل المسكين مات . مات ؟ ! " . .

وشهق سامي باكيا . . كان صوته الباكي الحزين، المبلل بالشفقة، آتيا من وادي الأحلام . .

نهض الأب. وذهب إلي سرير ولده. وأيقظه وأرقده على جنبه الآخر، ثم عاد إلي غرفته . . وإلي أرقه ماذا يؤرقه؛

لقد جاءه في المساء حسن سالم صاحب المتجر المجاور لمتجره، وانباه انه مدين في مائة جنيه. وان ميعاد السداد قد حل. وأن الدائن لا يعرف الرحمة ولا الإمهال: الدفع أو البروتستو، ثم إعلان الإفلاس . .

وختم حسن سالم حديثه قائلا: " لقد جئتك لتقرضني المائة جنيه. لتخرجني من ضيق، لتنقذ سمعتي ومستقبلي. إنك جاري الكريم الشهم " .

واجاب الكريم الشهم: " وا اسفاه يا حسن افندي. ما كنت أحجم عن إقراضك لو كان لدي هذا المبلغ لكن . . أنت أدري الناس بسوء الحالة وكساد السوق

ونهض الرجل، وهمس والشقاء يغلل وجهه: " لقد قلت لامرأتي وهي تبكي إنه لا ينبغي أن تحزن قبل أن آتي إليك . . واأسفاه! لنا الآن أن نيأس أن نيأس " . .

كانت كلمة " نيأس " تقطر مرارة وهي تتخبط على شفتيه .

ومضي حسن سالم إلي سبيله يجر قدميه جرا . . ما يزال الرجل الساهر، الذي يعذبه الارق يراه . .

وهو يجر قدميه جرا ! . لقد كان يظن أن صلته بالأمر ستنقطع بمجرد اعتذاره بمجرد انصراف جاره . .

لكن ها هو قلبه يحاسبه إنه يقول له: " إنك لم تكن صادقا حينما احتججت

بسوء الحال وكساد السوق. إن في خزانتك مائتي جنيه زائدة عن الحاجة . . انت تعرف ان جارك حسن سالم رجل امين يوفي عند الميسرة ، ماذا لو ساعدته في عسره ؟ " . .

وأجاب الرجل فله: " نعم إن حسن سالم تاجر أمين سئ الحظ. لكني في حاجة للنقود. الست معتزما أن اشتري الفدانين المجاورين لأرضي " . .

وقال قلب الرجل : " إنها مسألة كمالية " . . فعاد الرجل يقول : " هذه الأرض ضرورية لإكمال الحقل ، ليصير قطعة واحدة " . .

قفزت من القلب ضحكة ساخرة ، وهمس بصاحبه : " ضرورية ؟ ! " . .

وأجاب الرجل في إصرار : " نعم ضرورية . . إن لم اشتر هذين الفدانين سيشتريهما جاري بيومي . سيصير هذا اللئيم المشاغب شوكة في جنب أرضي " . .

وأغمض " ثابت افندي " عينيه محاولا أن يصطنع النعاس ، حتى يخدع عنه قلبه الذي يحاسبه . لكن قلبه كان عنيدا ، فظل يضرب أضالعه . عبثا حاول أن يصم أذنيه عن طرقاته . وفتح عينيه في بأس . .

كانت قطرات من الماء تتساقط من صنبور قريب لم يقفل جيدا . و تحدث في سكون الليل نغما حزينا ، ولم يدر الرجل لماذا يذكره هذا النغم الحزين بزوجة حسن سالم ، ولا ما الذي يخيل له ان صوت فطررات الماء ليس إلا صوت دموعها تتساقط على يديها ! .

وتململ في فراشه . . حقا أن توقف تاجر عن الدفع معناه إعلان إفلاسه وإعلان إفلاسه هو قتله أدبيا . . إن متجره يغلق. إن كرامته واثاث بيته وكل ما يملك من معنويات وماديات يصير جثة يتقسمها الدائنون ويفترسونها في غير رحمة . . ولن يجد ابن حسن سالم الذي أوشك أن يتم دراسته العالية

القسط الأخير، وقد تفقد ابنته خطيبها ، فإن كثيرين من طلاب النسب يتزوجون مع الفتاة شهرة ابيها وصيته

ومط " ثابت " افندي كتفيه محدثا نفسه : " حقا أنها مسألة مؤلمة ، لكن الفدانين ، إنها فرصة ، ثم إن بيومي قد يظن انني لم اشتر الأرض لأنني أرهب جانبه ، الأمر متعلق بهيبتي في البلد " . .

ومل قلبه المناقشة ، وبئس من إقناعه ، فقال له وهو يحدق فيه بعينين مفعمتين بالاحتقار : " إنك رجل أناني .

وتظاهر ثابت أفندي بأنه نائم ، وبأنه لم يسمع قلبه وهو يوجه إليه هذه الإهانة . .

لكنه فتح عينيه فجأة ، فقد أحس حركة في حجرة الصبي . .

وخشى ان يكون ولده قد تدحرج عن سريره كما يحدث له احيانا ، فنهض ونظر من خلال الباب ، وإذا بسامي يضع حذاءه في قدميه ، ويوثقه بالرباط ، وكانه يتأهب للخروج ! . .

نظر في الساعة فإذا بها قد جاوزت الواحدة بعد منتصف الليل . .

عاد الصبي من المطبخ ببعض الطعام ، وجعل يضعه في رغيفين كبيرين ، ثم يلفهما في ورقة كبيرة . .

وحمل سامى هذه الحزمة في يد ، وحمل في اليد الأخرى طيارته . . وقصد إلي الباب الخارجي .

وازداد عجب الأب ، واعتزم أن يتبعه في سكون ليري إلي أين يذهب ؛ . .

وبدأ الصبي يهبط السلم . كان هذا الهبوط تجربة قاسية له . فقد كان الظلام حالكا موحشا . وبلل العرق جبينه الصغير ، وأوشك أن يصرخ مستنجدا ، لكنه قمع فزعه ، وتلمس مواضع قدميه ، حي وصل إلى الباب . .

لم تكن الليلة مقمرة . وكانت أشباح البيوت العالية القائمة على جانبي الطريق تطرد الأضواء الخفيفة التي ترسلها النجوم في جفاء وخشونة . . والمصابيح المتعبة من السهر ترقب إقبال الفجر بأجفان ثقيلة يراودها النعاس . . والسكون قد مد رواقه وصار في عنفوانه . .

وخيل لسامي أن الأشباح الشريرة تستيقظ تحت خطواته ، وتتبعه بنظرات حانقة لانه ايقظها من رقادها . . وعذبه الخوف . . ولم يجسر أن ينظر إلي الوراء . . ولم ير أباه وهو يتبعه من بعيد . .

وكان ، وهو يتعثر في طريقه ، يرفع وجهه بين الحين والحين إلي الأشجار ، وكانه يبحث عن شئ . .

كان يبحث عن العصفور الذي لقيه في الصباح كان يريد ان يقول له : يا عصفور . . حقا قد اسات إليك ، أنا نادم . . لقد كنت ولدا رديئا ، كنت قاسيا على الطفل الجائع ، ها أنا ذاهب لأصالحه ، لأعطيه خبزا وطعما ، لأهدي إليه طائرتي . . إني أعرف بيت المرأة الكفيفة . . إنها تقيم في ذلك الكوخ القائم وراء المدرسة . . الذي لا باب له إلا صفة من البوص محجزه عن الطريق . . ساستطيع يا عصفور ان أنبيء امي في الصباح أني صنعت خيرا . . "

ورأي ثابت افندي ولده وهو يضع وراء صفة البوص الطعام والطائرة ، ويتسلل عائدا . .

كان يعرف ، ككل أهل الناحية ، أن هذا هو كوخ زينب الكفيفة . . التي تستجدي .

وخفق قلب الأب ، وظهر لولده ، وعاد به إلي البيت وأرقده في فراشه .

وجلس ثابت أفندي على حافة السرير الصغير يصغي لولده وهو يقص عليه قصته : " . . وحلمت يا ابي ان

الطفل ظل يبكي . . وانه لم يجد طول يومه طعاما . . وانه مات في حجر أمه ، ولما استيقظت حسبت أن العصفور يضرب بمنقاره زجاج النافذة قائلا لي : قم اصلح غلطتك .

ونام الطفل ، نام هذه المرة ملء جفنيه ؛ ورقصت على وجهه الحلو ابتسامة كلها رضا . ومال الرجل عليه وقبله ، ثم ذهب إلى سريره . .

واحس كان هذه القبلة سرير آخر مريح ينام عليه قلبه المتعب . .

فان قلبه قد فرغ من الكفاح وانتصر . إنه سيذهب في الصباح الباكر إلي بيت التاجر حسن سالم وفي جييبه المائة جنيه ليفي دينه . .

انه يسمع من جديد قطرات الماء وهي تتساقط من

الصنبور الذي لم يحكم إقفاله . . وإنه ليجد لها صوتا عذبا لكأنها تضحك ! لكأنها تغني ؛

وصعد سامي في الصباح سرير ابيه ، ونام كعادته ، على صدره ليوقظه ، صائحا في جذل : " الى ، أبي ، استيقظ لقد أقبل الصبح ؟ . .

وقال الأب وهو ينهال على وجه صغيره بالقبل ؛ " نعم يا بني . . قد أقبل الصبح . . لست اليوم أباك ، إني اليوم ولدك

قال الطفل في عجب : " كيف ؟ . . " . وضحك الأب وهو يجيبه : " في الليل ، وانا اتبعك ، ولد قلبك قلبي . . وتعانقا طنطا

اشترك في نشرتنا البريدية