الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187 الرجوع إلى "الرسالة"

قرآن الفجر

Share

كنتُ فى العاشرة من سني وقد جمعتُ القرآنَ كلَّه حفظاً وجوَّدتُه بأحكام القراءة، ونحن يومئذ فى مدينة ( دمنهور ) عاصمة البحيرة، وكان أبى رحمه الله كبير القضاة الشرعيين فى هذا الإقليم . ومن عادته أنه كان يعتكف كل سنة فى أحد المساجد عشرة الأيام الأخيرة من شهر رمضان ؛ يدخل المسجد فلا يبرحه إلا ليلة عيد الفطر بعد انقضاء الصوم ؛ فهناك يتأمل ويتعبد ويتصل بمعناه الحق ، وينظر إلى الزائل بمعنى الخالد، ويطل على  الدنيا إطلال الواقف على الأيام السائرة ، ويغير الحياة فى عمله وفكره ، ويهجر تراب الأرض  فلا يمشى عليه ، وتراب المعاني الأرضية قلا يتعرض له ، ويدخل في الزمن المتحرر من أكثر قيود النفس , ويستقر فى المكان المملوء   للجميع بفكرة واحدة لا تتغير ؛ ثم لا يرى من الناس إلا هذا النوع المرطَّبَ الروح بالوضوء ، المدعو   إلى دخول المسجد بدعوة القوة السامية ، المنحنى فى ركوعه ليخضع لغير المعاني الذليلة ، الساجد بين يدى ربه ليدرك معنى الجلال الأعظم

وما هى حكمة هذه الأمكنة التي تقام لعبادة الله ؟ !إنها أمكنة قائمة فى الحياة ، تشعر القلب البشرىَّ فى نزاع الدنيا أنه فى إنسان لا فى بهيمة ..

وذهبتُ ليلة فبتُّ عند أبى فى المسجد، فلما كنا في جوف الليل الأخير أيقظنى للسحور ، ثم أمرنى فتوضأت لصلاة الفجر وأقبل هو على قراءته . فلما كان السَّحَرُ الأعلى هتف بالدعاء . المأثور : اللهم لك الحمد ! أنت نور السموات والأرض ، ولك الحمد ، أنت بهاء السموات والأرض ؛ ولك الحمد ، أنت زينُ السموات والأرض ٠ ولك الحمد ، أنت قيامُ السموات والأرض ومن فيهن ومن عليهن ، أنت الحق ومنك الحق . إلى آخر الدعاء

وأقبل الناس ينتابون المسجد فانحدرنا من تلك العِلْيَة التى يسمونها ( الدّ كة ) وجلسنا ننتظر الصلاة . وكانت المساجد فى ذلك العهد تضاء بقناديل الزيت فى كل قنديل ذبالة يرتعش النور فيها خافتاً ضئيلا يَبِص بصيصاً كأنه بعضُ معانى الضوء لا الضوءُ نفسهُ . فكانت هذه القناديل والظلامُ يرتج حولها ، تلوح كأنها شُقوق مضيئة في الجو ، فلا تكشف الليل ولكن تكشف أسراره الجميلة ، وتبدو في الظلمة كأنها تفسير ضعيف لمعنى غامض يومىء إليه ولا يُبَيّنُه ، فما تشعر النفس إلا أن العين تمتد فى ضوئها من المنظور إلى غير المنظور كأنها سرّ يشف عن سر

وكان لها منظر كمنظر النجوم يُتم جمالَ الليل بإلقائه الشُّعَلَ                                                                                         في أطرافه العليا وإلباس الظلام زينَته النورانية، فكان الجالس . فى المسجد وقت السَّحَر يشعر بالحياة كأنها مخبوءة ، ويُحس فى المكان بقايا أحلام،ويسرى حوله ذلك المجهول الذى سيخرج منه الغد . وفى هذا الظلام النورانى تنكشف له أعماقه منسكباً فيها روحُ المسجد،  فتعتريه حالة روحانية يستكين فيها للقَدَر هادئاً وادعاً راجعا إلى نفسه ، مجتمعا فى حواسه ، منفردا بصفاته منعكساً عليه نورُ قلبه، كأنه خرج من سلطان ما يضيء عليه النهار ، أو كان تلك الظلة قد طمست فيه على أبواق الأرض

ثم يشعر بالفجر فى ذلك الغَبَش عند اختلاط آخر الظلام بأول الضوء شعوراً نديًا كأن الملائكة -قد هبطت تحمل سحابة

رقيقة تمسح بها على قلبه ليتنضَّرَ من يُبْس ، ويرقَّ من غلظة . وكأنما جاؤوه مع الفجر ليتناول النهار من أيديهم مبدوءاً بالرحمة مفتتَحاً بالجمال ؛ فاذا كان شاعر النفس التقى فيه النورُ السماويّ بالنور الانساني فاذا هو يتلألأ فى روحه تحت الفجر

لا أنسى أبداً تلك الساعة ونحن فى جو المسجد ، والقناديل معلقة كالنجوم فى مناطها من الفلك ، وتلك السرج ترتعش فيها ارتعاش خواطر الحب ، والناس جالسون ، عليهم وقارُ أرواحهم ، ومن حول كل إنسان هدوءُ قلبه، وقد أستبهمت الأشياء فى نظر العين ليلبسها الإحساس الروحانى فى النفس ، فيكون لكل شىء معناه الذى هو منه ومعناه الذى ليس منه ، فيخلق فيه الجمال الشعرى كما يخلق المنظر المتخيل

لا أنسى أبداً تلك الساعة وقد انبعث في جو المسجد صوت                                                                                     غَرِد رخيم ، يشقُّ سُدْفةَ الليل فى مثل رنين الجرس تحت الأفق العالى ، وهو يرتل هذه الآيات من آخر سورة النحل :

" ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنَةِ وجادلْهم بالتي هِي أحسنُ ، إن ربَّك هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله وهو أَعلمُ بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقِبوا بمثل ماعُوقبتم به ؛ ولئن صبرتم لهُوَ خيرُ  للصابرين واصبِرْ وما صبرُكَ إلا بالله ، ولا تحْزَنْ عليهم ، ولا تكُ فى ضيْقِ مما يَمْكرُون . إن الله مع الدين اتقوا والذين هم مُحسنون. "

وكان هذا القارئ يملك صوته أتمَّ ما يملك ذو الصوت المطرب ، فكان يتصرَّف به أحلى مما يتصرَّف القمرى وهو ينوح فى أنغامه ، وبلغ فى التطريب كل مبلغ يقدر عليه القادر ، حتى لاتفسر اللذة الموسيقية بأبدع ممافسرها هذا الصوت ، وما كان إلا  كالبلبل هزَّته الطبيعة بأسلوبها فى جمال القمر ، فاهتزَّ يجاوبها بأسلوبه فى جمال التغريد

كأن صوته على ترتيب عجيب فى نغماته ؛ يجمع بين قوة الرقة وبين رقة القوة ، ويضطرب اضطرابا روحانياً  كالحرن اعتراه . الفرح على فجأة . يصيح الصيحة تترجح فى الجو وفى النفس ، وتتردد فى المكان وفى القلب ، ويتحول بها الكلام الإلهى إلى

شئ حقيقى ،يلمس الروح فيَرْفضُ عليها بمثل الندى ، فاذا هى ترف رفيفا ، وإذا هى كالزهرة التى مسحها الطل

وسمعنا القرآن غَضًّا طريًا كأول مانزل به الوحي ، فكان هذا الصوتُ الجميلُ يدور فى النفس كأنه بعضُ السرّ الذى يدور فى  نظام العالم . وكان القلب وهو يتلقى الآيات كقلب الشجرة يتناول الماء ويكسوها منه

واهتز المكان والزمان كأنما تجلى المتكلم سبحانه وتعالى فى كلامه ، وبدا الفجر كأنه واقف يستأذن الله أن يضيء من هذا النور.

وكنا نسمع قرآن الفجر وكأنما محيت الدنيا التى فى الخارج . من المسجد وبطل باطلها ، فلم يبق على الأرض إلا الانسانية الطاهرة ومكان العبادة، وهذه هى معجزة الروح متى كانَ الانسان فى لذة روحه مرتفعاً على طبيعته الأرضية

وأما الطفل الذى كان فىَّ يومئذ فكأنما دعي بكل ذلك ليحمل هذه الرسالة ويؤديها إلى الرجل الذى يجىء فيه من بعد . فأنا فى كل حالة أخضع لهذا الصوت : ادعُ إلى سبيل ربك وأنا فى كل ضائقة أخشع لهذا الصوت : واصبر وما صبرك إلا بالله .

طنطا

اشترك في نشرتنا البريدية