تأويلات ثلاثة لنشيد الانشاد :
تناول الباحثون والنقاد نشيد الإنشاد ، الذي قيل إنه لسليمان الحكيم ، بالدراسات المستفيضة ، والأبحاث المتعمقة ، واختلفت آراؤهم فيه ، وتعددت مذاهبهم ، وقد أول هؤلاء الباحثون النشيد تأويلات مختلفة نستطيع أن نركزها في اتجاهات ثلاثة : اتجاه أو تأويل صوفى ، وتأويل رمزي ، وتأويل واقعي . ونقطة البدء التي تقوم عليها هذه التأويلات الثلاثة ترتكز على الفكرة القائلة بأن سليمان يتزوج بنت فرعون مصر ، أو يتزوج فتاة شابة إسرائيلية هي ( شولميث ) ، فالفكرة الأولى وهي أن سليمان قد تزوج أو أحب بنت فرعون ، كانت مقبولة حتى أواخر القرن الثامن عشر ، ثم ما لبثت أن طغت عليها الفكرة الثانية عند بدء القرن التاسع عشر ، وهي فكرة زواجه أو حبه للراعية (شولميث)
وأول هذه التأويلات التي أشرنا إليها ، وهو التأويل
الصوفي ، وإنما يرجع إلي ( أوربنيه ) الذي كتب تعليقا على نشيد الانشاد خطأه فيه أحد رجال الكنيسة واسمه ( تبودور ) وقد انضم إلى تأويل ( أوربنية ) هذا بعض الشرقيين وكثير من الغربيين ، أما التأويل الرمزي وهو تأويل ديني ، فله أساسه في ( النفود ) ، ذلك التأويل الذي يفسر المحبوب بأنه الله وان المخطوبة هي شعب بني إسرائيل ، وقد فصل هذا التأويل تفصيلا طويلا بالتعليقات عند ترجمة الأناجيل ، هذه الترجمة التي تري في النشيد تاريخا رمزيا للشعب الإسرائيلي منذ بداية الخليقة حتى مجيء المسيح ، وقد غالي اليهود في قيمة النشيد إلى الدرجة التي أعطوه فيها صفة قانونية ، وإلى الدرجة التي استغلوا فيها هذا التأويل الرمزي في التشريع بطرق خاصة ، حتى أصبح بذلك محط انتباههم الفكري الذي بنوا عليه كل آمالهم . أما المسيحيون فتراهم قد بدلوا تفسيرات اليهود شيئا ما ، فقد نظروا إلى نشيد الانشاد على أنه حب المسيح للكنيسة ، وحب الكنيسة للمسيح ، وقالوا إن
( شولميث ) هي الكنيسة ، وإن الراعي هو المسيح الذي تعتبره زوجها ومؤسسها الأول ، وراحوا يثبتون رأيهم هذا ويدللون عليه من نص النشيد نفسه وعباراته ؛ فمثلا نجد شولميث تقول : " أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم . ." فقد قال المسيحيون : إن السواد هنا يرمز إلى حقبات الاضطهاد التي مرت بها الكنيسة ، وخاصة في عصر : ( دقلديانس ) و ( نيرون ) ، وبرغم هذا الاضطهاد فقد احتفظت بالإيمان ، ولذلك فهي سوداء وجميلة .
وأما التأويل الثالث وهو آخر هذه التأويلات ، فهو التأويل الواقعي ، ويرجع هذا التأويل الواقعي أو الحرفي إلي ( تبودور موبثيوس ) في القرن الرابع الميلادي ؛ ذلك العالم الذي وقف بجرأة في وجه كل تأويل مسيحي ، والذي قال بزواج سليمان من بنت فرعون . ثم يأتي القرن الثالث عشر فيأتي أحد العلماء اليهود الفرنسيين ، ويكتب تعليقا على النشيد يذكر فيه بكل بساطة أن النشيد لم يكن سوي حب ريقي بين راع وراعية . أما ( كاستيليو ) وهو من علماء القرن السادس عشر فإنه من المدرسة التي تعتنق التأويل الواقعي أيضا ، حيث يسمى نشيد الإنشاد زواج سليمان من محبوبته شولميث ، ثم يأتي ( هويستون ) في القرن الثامن عشر ، وهو وإن قال إن النشيد ممل ، وخال من المعنى ، ووثني ، إلا أنه يعترف بأن سليمان هو واضعه . وأما المدرسة الألمانية التي يمثلها ( ميكايليس ) في القرن الثامن عشر فإنها تري أن النشيد ليس إلا حبا شريفا بريئا ، وتلقي نظريتهم هذه فيما بعد من يدافع عنها بشيء من التعديل ، من أمثال ( هردر ) وغيرهم ، هذه النظرية التي تقول إن النشيد يتغني بانتصار حب مخلص بسيط على إغراءات العظمة والملك . فالذي يغري هنا هو سليمان الحكيم ، وموضوع إغرائه ( شولميث ) التي لا عهد لها بالعظمة والروعة اللتين وضعها فهما الملك ، ولذلك صارت تتحسر على الرعي الذي كانت تحبه والذي فصلت عنه بدون إرادتها . أما في فرنسا فإننا نجد العلماء الذين درسوا النشيد دراسة عميقة أقل بكثير من ألمانيا ، والبلاد البرونستاتية ، حيث يكون الإنجيل كتابا للمطالعة اليومية ، فأولوا كما أرادوا ؛ ولكن رغم هذا فإن العالم الفرنسي ( رينان ) في القرن التاسع عشر ، قد نشر كتابا عن نشيد الانشاد فيه دراسة قوية لهذا النشيد ، وفي هذه الدراسة يقول ( رينان ) إن النشيد ليس صوفيا ، ولا
دينيا ، بل هو أخلاقي ، لأنه انتصار الحب الصادق المخلص الذي يفضل الفقر على الخزي والعار ، فسليمان لم يكن لتحبه شولميث ، إنما كانت تحب الراعي الشاب الذي يأتي إليها في النهاية ليخلصها ويعيدها معه إلي قريتهما التي كانا يرعيان بين سهولها .
أذكريني : من روائع شاعري الهند الكبير " طاغور " مقطوعة عنوانها " اذكريني " نظمها على لسان طفل يودع أمه أثناء رحيله ، والقصيدة قطعة خالدة من الأدب الانساني الرفيع :
حان وقت الرحيل يا أماه . . وها أنذا ذاهب . .
وعندما تمدين يدك في حلكة الليل تتلمسين طفلك
في فراشه سأقول لك : الطفل ليس هنا .
أنا ذاهب يا أماه . .
سأغدو نفحة نسيم ناعمة أقبلك وأبتسم ...
وسأكون خرير الماء عندما تستحمين . . احنو علي
صدرك مرات ومرات . .
وفي الليل العاصف عندما يبلل المطر أوراق الشجر
سأنقل إليك همساتي . . وسأمزج ضحكاتي بالبرق
وهو يتلألأ من خلال حجرتك المفتحة النوافذ
وإذا لم يعقد الكري جفنيك وظللت مسهدة
تفكرين ...
في طفلك حتى السحر . . فسوف أشدو لك
مع النجوم قائلا : نامي يا أماه . . نامي . .
ومن خلال أشعة القمر الباردة سأنسل إلى مخدعك
واستريح على صدرك وأنت غارقة في النوم
وعندما تستيقظين ، وتتلفتين حولك فزعة سوف
امرق كومضة خاطفة . . وأدفن نفسي في الظلام
وفي عيد ( بوجا ) الأكبر عندما يقبل الأطفال
ويمرحون . .
حول المنزل ، سأذوب في ترتيلات المزامير ، وأخفق
في أعماق قلبك طوال النهار . .
وسوف تأتي عمتي المحبوبة تحمل هدايا بوجا . .
وسوف . .
تسأل عني . . وسوف تردين عليها يا أماه بنغمة
مترفرفه. ..
إنه في حنايا قلبي . . إنه في دمائي . . إنه في روحي

