الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 634الرجوع إلى "الثقافة"

قرأت, أدب الشعب

Share

يعد المستشرق الألماني ليتمان أقدم الأساتذة الأجانب الذين شاركوا في التدريس بالجامعة المصرية عند إنشائها ، وأنه عندما بدأ تخصصه في اللهجات عكف على دراسة الفوازير المصرية ، كان هذا منذ أكثر من خمسين سنة رأينا فيها أحد الأساتذة الأجانب يعترف بأدب الشعب ، وينفق جانبا كبيرا من وقته في دراسته . أما نحن فقد كنا إلى عهد قريب ، ولعلنا لا نزال ، ندرس الأدب على أنه صورة لغوية بيانية لا أكثر ولا أقل . وفهم المثقفون أن هذا الأدب ليس سوى مجموعة منتخبة أو غير منتخبة من الشعر والنثر ، يوزع هذا وذاك على العصور مقسمة على أساس الدول الحاكمة أو الفاتحة وأدى هذا بطبيعة الحال إلى انحصار الأدب في بيئات الحاكمين والمحسوبين عليهم ، وكانت الأغراض التي يدور عليها الشعر والنثر تتصل بهؤلاء الحكام مديحا أو رثاء " أو هجاء لخصومهم ، أو صرفا للعامة عما يراد بهم أو يدبر لهم في الخفاء ، أو دعاية مبهرجة كاذبة تصور الأشخاص والأشياء على ما يريد السادة وذوو السلطان

وظلت أوساط المثقفين مقتنعة بأن هذا هو الأدب ولا أدب غيره ، مطمئنة إلى تلك الظواهر الصناعية التى تشيع فيه ، والتي قد تفتق الحواس بزخرفها وغرابتها ،

ونسوا أن الدعامة الأولى في الأدب تقوم على صدق التعبير، تعبير الأمة عن آلامها وآمالها القومية أو الوطنية أو الاجتماعية .

وإن ادعاء الدعين باقتصار الأدب على لهجة بذاتها نوصف وحدها بالفصاحة ، هو بمثابة الحكم بالسجن على هذا الفن الجميل ، وما يبغي له من طلاقة وحرية ، ومن ثم فإن للأمة المصرية أو للشعب المصري أدبا رفيعا صادقا ، يفيض بالأحاسيس والمشاعر ، ويعبر في قوة وحرارة عن فلسفة هذا الشعب في الحياة ورأيه في الوجود ، ويبين في جرأة وإقدام عن مذهبه في الحكومة والحكام .

وقد استطاع هذا الأدب الشعبي أن حيا ، وأن يتطور وان يتخذ سبيله ، حتى تسلل إلى أوساط المثقفين ، فالتفت إليه فريق وإن كانوا قلة ، وأقبل على تذوقه والإنشاء فيه طائفة من أصحاب المواهب والعبقريات ، أرسلوا أغانهم وأزجالهم إلى كل نفس وكل مكان ، بل إن عددا من الذين كانوا يكتبون باللهجة الفصحى أخذ يحاول الكتابة بلهجة الشعب ، حضرية كانت أو ريفية أو بدوية ، وأعاتهم على النجاح والتوفيق تلك الوسائط التي حطمت الحواجز بين الطبقات ، وتجاوزت الحدود الزمانية والمكانية ، ونعني بها الإذاعة والسينما وما يصاحبهما من تسجيل الصوت والصورة .

ولعله من المؤسف أن معاهدنا التي تقوم على دراسة الأدب ، ظلت تشايع النظر القديم ، فتؤثر أدب الحكام ومن إليهم ، ولا تكاد تلتفت إلا إلى المحسنات اللغوية في اللفظ والمعني ، وتجهل أو تتجاهل تراث الشعب المصري الذي ظل بتنفس فيه آلاف السنين ، أما الأوربيون ، فقد عكفوا على هذا التراث الشعبي المصري ، فجمعوا مخطوطاته المتفرقة في المكتبات العامة والخاصة ، واستخلصوا من الحفاظ كثيرا من آثاره غير المدونة . ولكنا يجب أن تتصف بعض المجدين من الصربين وهم قلة ضئيلة جدا ، فقد احتفلوا بالأدب الشعبي ، فأصدر الأستاذ مصطفي الصباحي والأستاذ حسين مظلوم كتابهما في " أدب الشعب " تحدثنا فيه عن هذا الأدب ، وعرضا لبعض رجاله ومنشئيه ، وأصدر الأستاذ مصطفى عبد اللطيف كتابا خاصا بأبي زيد الهالي ، كما نشر كتاب الأمثال العامية للمغفور له أحمد تيمور باشا . أما الجامعة أو الجامعات المصرية فقد سدت النوافذ دون هذا الأدب زمنا طويلا ، وظل الأساتذة والطلاب فيها يشغلون أنفسهم بنقائض جرير والفرزدق والأخطل وما فيها من المهائرة والسباب والقول المفحش الموغل في الشخصيات والأعراض ، ويتفرجون على الخصومة حول أبي تمام والبحتري والمتنبى ، و شذت عن هذه الجامعية التقليدية آحاد ، هم الدكتورة سهير القلماوى برسالتها القيمة في قصص ألف ليلة وليلة ، والدكتور فؤاد حسانين الذي احتفل بقصصنا الشعبي ، واعترف بأن للأدب الشعبي مسرحا - وإن يكن بدائيا - يتمثل في خيال الظل ، وتتبع هذا الأدب المسرحي الشعبي . ودرس نوابغ المؤلفين فيه . أما ثالث الثلاثة فهو الدكتور عبد الحميد يونس الذي عكف على هذا الأدب وتخصص فيه ، وتقدم إلي الجامعة برسالته الأولى لنيل درجة الماجستير في القصة الشعبية المعروفة بسيرة الظاهر بيبرس ، وتابع دراسته في الملحمة الشعبية المستفيضة الشهرة الخاصة بسيرة بني هلال ونال بها درجة الدكتوراه .

وبعد ، فمن حقنا أن نتساءل : ألم يحن الوقت بعد لنعرف أن الأدب والحياة شيء واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر ؟ وأن يذكر الجميع أن الديمقراطية السياسية المنشودة ينبغي أن تقوم على أساس من التربية الوطنية أو القومية ، وأن هذه التربية لا يمكن أن تؤدي وظيفتها في معرفة الحقوق

والواجبات إلا إذا اعترفنا بأن للشعب مشاعر وعواطن قد سجلها في أدبه ، وأبان عنها في أقاصيصه وأغانيه .

آخر أوبرات قروي :

يحتفل العالم أجمع بذكري مرور خمسين عاما على وفاة الموسيقي العظيم فردي ، ذلك الفنان الذي أخرج ستا وعشرين أوبرا سكب فيها عصارة حياة مليئة بالكفاح والعرق والدموع ، ولقد كانت آخر هذه الأوبرا التي وضعها الموسيقي الخالد هي أوبرا فالستاف التي أخرجت في ميلان عام ١٨٩٣ ، ولقد كانت هذه الأوبرا عملا عظيما جديرا بأن ينسب إلى أستاذ عبقري في الثمانين من عمره ، وقد اقترح عليه صديقه الحميم " يوانو" موضوع هذه الأوبرا ، وما زال يستحثه حتى أقنعه بإخراجها ، وقد أحيطت هذه الأوبرا في أول عرض لها بدعاية واسعة رغم أن ( فردي) لم يكن يمقت شيئا قدر مقته الدعاية ، وبعد أن عرضت هذه الأوبرا في ميلانو انتقل عرضها إلى إلمانيا ، فكان نصيبها من النجاح في هذه الأخيرة أكثر من نجاحها في إيطاليا نفسها ، ثم عرضت في انجلترا فلقيت نجاحا شعبيا كبيرا ، ذلك لأنها تلائم الشعب الإنجليزي ، لا من حيث موضوعها فحسب ، بل لما فيها من تعاون أفراد الفريق في عمل جماعي يحقق غاية واحدة ، فليس فيها بطولة فردية لمغن بعينه أو مغنية بعينها ، وهذا العمل الجماعي لا يلائم الروح الإيطالية ؛ فالشعب الإيطالي يميل إلي تمجيد الفردية ؛ وفالستاف ليست مجرد أوبرا ناجحة فحسب ، ولكنها في نظر النقاد منبع متعة للمستمتعين ، ومصدر وحي للموسيقيين ، بل إنهم اعتبروها تطلعا نحو مستقبل جديد ، وجعلتهم يؤمنون بأن " الأوبرا كوميك " لم تمت ، ولا يمكن لها أن تموت .

بعد أن انتهي " فردي " من هذه الأوبرا الخالدة التي ختم بها حياته الفنية ، ركن إلى الدعة والهدوء . وأخذت الأعوام الأخيرة من حياته تسرع في إفناء نفسها ، حتى طواه الموت في السابع والعشرين من يناير عام ١٩٠١ تاركا وراءه هذا العمل الضخم يقص للأجيال حياة عبقري ولدته إيطاليا ، ليبعث رسالته ، وينشر سحره ، في كل أنحاء الوجود .

اشترك في نشرتنا البريدية