الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 635 الرجوع إلى "الثقافة"

قرأت :, العلم والدين في الفلسفة المعاصرة

Share

بعرض الفيلسوف الفرنسي إميل بوترو في هذا الكتاب ( العلم والدين في الفلسفة المعاصرة ) . مشكلة هامة ، هي مشكلة العلم والدين : هل هما مستقلان تمام الاستقلال ؟ أم لا بد من احتكاكهما وتصارعهما ؟ وهل سيتغلب أحدهما على الآخر في هذا الصراع ؟ هذه هي المشكلة ، عرضها عرضاً تاريخياً ، فبين كراء المفكرين ، ويرى أنه يوجه اتجاهين اتجهت فيهما تلك الآراء : ١ - ايجاد طبيعي ، وفيه يؤكد أصحابه أهمية العلم ويرون الغلبة له .

٢ - اتجاه روحي ، وأصحابه يضعون الدين في المكان الأول . وجد أن عرض يوترو هذه الآراء وأتى بنظريته في خاتمة الكتاب ، وساحاول تلخيص ما جاء في هذا الكتاب القيم .

في المقدمة ، يتكلم بوترو عن العلم والدين قبل العصر الحديث ، عند اليونان قديماً تجد الفلسفة والدين . لعدم

وجود علم في ذلك الوقت ، ويرى أن الفلسفة نشأت من الدين ، الذي كان مجموعة من الأساطير والخرافات . أما في العصر الوسيط فنجد المسيحية التى جاءت بأفكار سامية حديثه عن الله " والتعاون الإنساني " وفي عصر النهضة ظهر العلم . الذي يفسر ظواهر الطبيعة يربط بعضها ببعض ، ونقد بين ديكارت في ذلك العصر ، علاقة العلم بالدين ، بأن فرض مبدأ الاستقلال للتناول بين الاثنين .

في الجزء الأول ، يعرض للاتجاه الطبيعي ، الذي اتجهت فيه نظريات بعض المفكرين في العصر الحديث ، أولهم أوجست كونت ، الذي يبدأ بالعلم الوضعى ، وهذا العلم يعتمد على الواقع ومنه يصل إلى النافع ، والفلسفة عند كونت هى فلسفة وضعية ، وظيفتها تحقيق الوحدة العقلية ، بأن تعمل على جعل النهج الوضعي ، هو المنهج المتبع لفهم جميع

الظواهر طبيعية واجتماعية . وبعد الفلسفة يأتي الدين ، وهو وضعي أيضاً ، هو دين الإنسانية ، الذي يقوم على مبدأ الحب ، وهذا يتدرج من حب الفرد للفرد ، إلى حب الأسرة ، إلى حب الوطن . ثم حب الإنسانية ، والدين يسير من المحسوس إلى المحسوس ، والوجود الأعظم هو الإنسانية أى مجموع الأفراد . ويقول بأعياد نشيد فيها ذكرى العظماء الدين خدموا الإنسانية .

وبعد هذا يأتي هربرت سبنسر ، الذي يقول بوجود " مجهول " في أعماق وأصل جميع الأشياء ، حتى العلم والدين ، فهما متحدان لأن لهما أصلاً واحداً وهو هذا المجهول . وفي هنا الاتجاه الطبيعي ، يدخل هيكل القائل يذهب الوحدة التطورية ، فيرى أن الإنسان ليست له حاجات نظرية فقط ، وإلا لاكتفى بالعلم ، ولكن له حاجات عملية أيضاً ، فهو عاطفة وقلب بجانب أنه عقل ، وبذلك يجب أن يعيش العلم مع الدين في سلام ، ولكن ما الواسطة التى تربطهما ؟ يرى هيكل أن الرابطة هي ايجاد الغاية فكلاهما غايته الخبر . ثم يعرض بونرو حد ذلك لمذهب علم النفس ، ومذهب علم الاجتماع في تفسير الدين . والاثنان متفقان في إدخال الدين في العلم ، وبذلك يصبح هناك علم الأديان لا الدين . وذلك إما بدراسة الشعور والحالة النفسية للمتدين عن طريق الللاحظة الخارجية والداخلية ، وهذا هو علم النفس ، وإما عن طريق الملاحظة الموضوعية للظواهر الاجتماعية كما يفعل علم الاجتماع ، الذي يرى أن الظواهر الدينية ، تنشأ من طبيعة الاجتماع الإنساني ، فهي ناشئة من المجتمع . يرى بوترو أنه لا يمكن إدخال الدين في العلم بهذه السهولة ، بل إن الناس متدينون ما دام العلم عاجزاً عن حل مشاكل الدين . هذا هو الاتجاه الطبيعي .

في الفصل الثاني ، الاتجاه الروحي . وفيه نرى ريتشل الذي يقول بالثنائية المتطرفة ، أى أن الدين ميدانه الروحي الذي لا بد من أن يتطهر من كل شئ يتصل بالعلم أو الفلسفة أو الميتافيزيقا ، والعلم ميدانه المادة ، فكلاها منفصل تماما عن الآخر .

بعد ذلك يتكلم بوترو عن نظرية الدين المقام على حدود العلم ، وهي أن بعض المفكرين يرون عجز العلم عن حل كل المشا كل ، وأن العلم مهما تقدم فهو محدود ، وبذلك لا بد من الرجوع إلى ما يسد هذا الفراغ ، وهذا عن طريق

الدين بروحانيته . واعتماده على القلب والعاطفة ، وبإيمانه العميق عل جميع المشاكل .

بعد هذا يتكلم بوترو عن البراجمازم ، وهي تلك الدراسة التي تهتم بالناحية العملية ، وترى أن العلم هو العمل ، وفلسفة العمل ترى أن الدين والعلم متحدان حيث إنهما يتولدان من العمل ، بل إن الاثنين لا يمكن تصورهما إلا إذا رأينا الناحية العملية منهما .

بعد هذا يتكلم بوترو عن وليم جيمس ، الذي يقول بالتجربة الدينية . يرى وليم جيمس أن التجربة العقلية ليست هي كل شئ . بل هناك تجربة أعمق واعظم ، هي التجربة الدينية وهي تجربة نفسية ، شخصية تماماً . ولتلك التجربة خاصتان أساسيتان : ١ - قلق من الألم والشر ، ٢ - شعور بالنجاه من الألم والشر بفضل قوة عليا . وهذه التجربة تجعلنا نشعر بأننا نشارك بالوجود الأعلى وتتصل به. والناحية الدينية أسمى بكثير من الناحية العلمية في الحياة الإنسانية .

وإلى هنا يننهي الفصل الثاني ، وبعد ذلك تأتي خاتمة الكتاب . وفيها يميز بوترو بين الروح العلمية والروح الدينية ، فيرى أن الروح العلمية هي عبارة عن ملاحظة حسية وقيام بتجارب للوصول إلى قوانين عامة ، فهي تعتمد على الحس . أما الروح الدينية فهي غير ذلك ، هي الإيمان . وذلك الإيمان لا يعتمد على الحس ، وإنما يعتمد على القلب والعقل ، وتتكون الروح الدينية من ثلاثة عناصر : ١ - الإيمان .

٢ - موضوع هذا الإيمان . ٣ - حب هذا الموضوع ومحاولة الوصول إليه . وذلك يميز بوترو بين العلم والدين بأن كلاً له مميزان الخاصة ، ولا يمكن اندماج احدهما في الآخر .

ولكن ما رأيه في المشكلة يرى بوترو أن العلم والدين هما أساسا الحياة الإنسانية ، وهما في تصارعهما يخلقان قوة وحيوية وخصباً . أعظم مما لكل منهما على حدة ، وهما في هذا التصارع الأزلي لن يصلا إلى انحائه لأن كليهما متميز عن الآخر . ولن يستطيع أحدهما القضاء على الآخر . ولكن يمكن أن يتحد العلم والدين من ناحية الغاية ، بأن يتجه الاثنان متوازيين وليسا مندمجين في شئ واحد ، إلى غاية واحدة يلتقيان فيها ، تلك الغاية هي خير الإنسانية ، والعلم والدين لا بد من وجودهما ما دامت الإنسانية ، هذا هو رأي بوترو ، وبهذا ينتهى هذا الكتاب القيم .

اشترك في نشرتنا البريدية