سأعرض على القراء هذه الصفحة الناصعة من أدب " جون رئسكن " فهى دعوة قوية جميلة ، وجهها هذا الناقد العظيم إلى جمهور من المستمعين ، يستحنهم بها على قراءة الكتب الخالدة ؛ ولو كان الشعب الانجليزى بحاجة إلى أديب يزين له الكتب ويغربه بمطالعتها ، فما أحوجنا إلى كل ما انطلقت به السنة الأدباء ، فى كل عصر وفى كل أمة ، لعل الدعوة الكريمة نلتمس سبيلها إلى قلوب قرائنا ، وقد أخذتهم عن الكتب سنة ، تخشى أن تعمق وتطول ..... قال " رئسكن " فى لغته القوية الرائعة ما معناه :
هبنا قد رغبنا فى اختيار أصدقائنا اختيارا موفقا ، فكم بيننا من له القدرة على هذا الاختيار ؟ وإن وجدت القادرين ، فما أضيق دائرة الاختيار ! فان المصادفة حينا ، والضرورة حينا آخر ، تكادان تكونان الوسيلتين اللتين تحدواننا إلى من نصطفى من الأصدقاء ، فليس فى مقدورنا أن تعرف من محب أن نعرفه ، بل إن هؤلاء الأصدقاء . الذين اصطفيناهم يحكم الضرورة أو المصادفة فلما نجدهم إلى جانبنا حين تشتد بنا الحاجة إليهم.
ودع رجال الطبقة الأولى من النابغين ، فلن تصل إليهم إلا فى لحظات خاطفة ، ولن يتاح لك أن تطالع فيهم إلا جانبا واحدا دون سائر الجوانب ؛ فقد يسعفك حسن الحظ فتستمتع بلمحة من شاعر عظيم ، وتسمع نيرة صوته ؟ وقد يصيبك التوفيق فتلقى سؤالا إلى قطب من أقطاب العلم ليجيك عنه فى طمأنينة ورضا ، وقد تقحم نفسك إحقاما لتظفر بحديث من وزير ، لا يطول
أكثر من دقائق عشر ، وقد يجيك فيه الوزير بما هو شر من الصمت ؛ وقد يشاء لك حسن الطالع ، مرة أو اثنتين إبان الحياة ، فينيح لك الفرصة لتلقى طاقة من الورد فى طريق إحدى الأميرات ، أو لتجتذب من الملكة وهى سائرة نظرة عاطفة ... إن هذه جميعا فرص فلما يجود بها الدهر ، ومع ذلك ، فكم نطمع فى هذه الفرص العابرة ؟ كم نتفق من أعوامنا وعواطفنا وقوانا ، لعلنا نظفر بمثل هذا النزر القليل ؟ ! نصنع هذا ، وتحت أيدينا جماعة من أمثال هؤلاء الحبابرة ، ترجو رجاه يتصل ولا ينقطع ، أن تنصت لهم ليتحدثوا إلينا ما يحلو لنا من حديث ، مهما تكن منزلتنا من المجتمع ، ومهما يكن العمل الذى يؤديه . على مقربة منا طائفة من أمثال هؤلاء ، تتمنى لو تحدثت إلينا فى أروع ما تستطيعه من لفظ !
فإذا ما أعرناها أذنا مصغية ، تقدمت لنا بالشكر الجميل !! هى جماعة كثير عديدها رقيق خلقها ، لا يضجرها أن تبقيها فى انتظارك طول اليوم ، تنتظر ، لا نهيك حظ الاستماع إلى حديثها العذب ، بل لتكسب منك هذا الاستماع ! هى طائفة من ملوك وساسة ينتظرونك بصير فارغ ، ويشوقهم أن تدعو منهم فى غرفهم التى اكتفوا فيها بآياث ساذح ، وأعنى بها رفوف الكاتب ... ألأن وجاءهم فى أن تنتصت إلى حديثهم قد بلغ هذا المبلغ ، ثوانا لا تستمع قط إلى كلة مما ينطقون ؟ !
قد يذهب بكم الظن إلى أن ازدراء الناس لهذه الجماعة النبيلة ، التى تتوسل إليهم أن يصغوا إلى حديثها ، فى الوقت الذى يتحرفون فيه إلى محادثة طائفة أخرى ، ربما كانت من الضمة فكان ، وهى طائفة تحتقرهم وليس لديها ما تعلمهم إياه ؛ أقول إن الظن قد يذهب بكم إلى أن ازدراءنا لتلك الجماعة ، ورجاءنا أن نتعقب هذه الطائفة من عظماء الأحياء ، قائمان على هذا الأساس : وهو أننا إذ تحدث الأحياء ، نشاهد وجوههم ، وذلك أدعى إلى اتصالنا بنفوسهم ، ونفوسهم - دون أقوالهم - هى الغرض المنشود ... ولكن ذلك زعم باطل . فافرض أنك لن نرى وجوه العظماء الأحياء ، ثم افرض أنه قد أتيح لك أن تقف وراء ستار فى مجلس الوزراء أو فى غرفة أمير من الأمراء ؛ ألا يسرك أن تنصت إلى حديث هؤلاء من وراء الستار ؟ فإذا ما نقصنا لك من سمك الحائل ، وجعلناه لك من جناحين بعد أن كان ذا أجنحة أربعة ، أعنى إذا دعوتاك أن تختفى وراء غلاف الكتاب ، لتنصت طيلة يومك ، لا إلى حديث عارض ، بل إلى حديث انتقاء وتعمق فيه أنبع الرجال ، إذا دعوناك إلى مثل هذا الوقف لتستمع إلى هذا الجمع المصطفى النبيل ، كان جوابك أن تشييح بوجهك إزورارا :
قد يقول معترض : إن السبب فى ذلك هو أن الأحياء يتحدثون من أمور عارضة ، تتلذذ لساعها لأنها كمس حياتنا مسا مباشرا ، ولكن الأمر ليس كذلك . لأن الأحياء أنفسهم قد يحدثونك عن هذه الأمور العارضة فيما يكتبون أروع مما يحدثونك عنها فى حديثهم الذى يطلقونه إطلاقا ؛ ومع ذلك فأنت تحب أن تنصت إلى هذا الحديث الهمل ، أكثر مما تحب أن تطالع تلك الكتابة المتقنة ... ولو أنى أعترف أن لهذا العامل أترا فى نفسك ، لأنى أعلم أنك بين الكتب نفسها ، تؤثر الكتابة السطحية السريعة على الكتابة الجيدة الدائمة - مع أن هذا النوع الثانى هو الكتب بمعناها الصحيح
فالكتب صنفان : كتب أريد بها هذا الوقت الحاضر وأخرى أريد بها أن يحيا على وجه الزمان . ولاحظ أبى لا أفرق بهذا بين جيد الكتب ورديئها ؛ إذ ليس الكتاب الردئ وحده هو الذى لا يبنى ، وليس الكتاب الجيد وحده هو الذى يعيش . فهنالك كتب جيدة للمساعة الراهنة وكتب جيدة للدهر كله ، وهنالك كتب رديئة للساعة الراهنة وأخرى رديئة نعيش الدهر كله أيضا .
فالكتاب الحيد الذى يكتب للساعة الراهنة - ولا أتحدث عن الكتب الرديئة - هو حديث نافع لديد ، بقوله شخص ليس فى مكتتك أن تتحدث إليه من غير هذا الطريق ، فطبع من أجلك الكتاب ليحدثك ؛ وكثيرا ما يكون حديثه نافما أقصى النفع ، فيعلمك ما تحب أن نعرفه ، وكثيرا ما يكون حديثه ممتعا فانه التباع ، كما يقع حديث الصدين من نفس صدبقه, فهذه القصص تروى لك عن الأسفار ، وهذه المناقشات الذكية الطلبية البارعة تدور حول المشكلات الغامضة ، وهذه القصة الحية تسرى العاطفة بين أجزائها ، وهذه الحقائق بسوقها لك أصحابها الذين يتصلون بحوادث التاريخ الجارية . كل هذه
كتب أريد بها الساعة الحاضرة ، وهى تزداد كلما أزداد التعليم انتشارا ، ولعلها كميز هذا العصر من سائر العصور السالفة ، وهى ذخيرة هيئت لنا أسبأنها ، وينبى أن نقف بإزاءها شاكرين ، وأن يأخذنا الخجل إذا لم تحسن استخدامها .
ولكنا نسئ استخدام هذه الكتب أشد ما تكون الإساءة ، إذا أجزنا لها أن تملأ فراغنا كله ، بحيث تغتصب منا وقت الكتب الداعة التى قصد بها أن تخلد على الدهر ، وأعنى بها الكتب بمعناها الصحيح . لأننا إن نوحينا الدقة ، فلسنا نعد الصنف الأول من الكتب كتبا على الإطلاق ، بل هى فى حقيقة أمرها خطابات ، أو صحف للأنباء طبعت طبعا أنيقا . إن الخطاب يأتيك من صديقك قد يكون لذيذا أو ضروريا اليوم ، والصحيفة اليومية قد تكون ملائمة لساعة الإفطار ، ولكنها بغير شك لا تصلح لقراءة اليوم كله . وكذلك قل فى خطاب مطول يقص لك الأنباء الممتعة عن الفنادق والطرق والجو ، فى مكان معين خلال السنة الماضية ، أو ينبث بقصة لذيذة ، أو يروى لك الوقائع الحقيقية فى إحدى الحوادث : فمثل هذا لا يمكن أن يكون " كتابا " بمعنى الكلمة الدقيق ، مهما يكن له من غلاف بصون جوانبه ؛ وإذا لم يكن مثل هذا " كتابا " بمعنى اللفظ الصحيح ، فلا ينبغى أن " نقراه " بمعنى القراءة الصحيح .
إن الكتاب الذى أريد به أن يحدثك حديثا ما ،لم بطبع كتابا ، إلا لأن كاتبه بمعجز أن يتحدث إلي ألوف الناس دفعة واحدة ، ولو استطاع لفعل , فما كتابه سوى نشر لصوته فى أفق فسيح . إنك لا نستطيع أن تتحدث إلى صديقك فى الهند ، ولو استطعت لفعلت وما لحأت إلى الرسائل ، ولكن ذلك فوق مقدورك ، فأنت مضطر أن تكتب له ما يغنى عن الحديث . فكنا بنك
عندئذ لا تزيد على أن تكون وسيلة تنقل بها صوتك إلى مكان بعيد ، ومثل هذا كتاب مما كتب للساعة الراهنة ؛ فأما الكتاب الحق فلم يرد به صاحبه أن يكون أداة لنقل صوته فى نطاق واسع وكفى ، بل أراد به أن يحتفظ بما فيه . إن الكاتب التاسع لديه ما بقوله وما يظن أنه حق ونافع وجميل ، وهو يظن فوق ذلك أن لم يسبقه أحد إلى قول ما بقوله ؛ بل وفى رأيه أن أحدا ، كائنا من كان ، لا يستطيع أن يعبر عنه يمثل ما عبر هو ، فهو إذا مضطر أن يسجل هذا التعبير واضحا ، ومنخوما إذا استطاع . إنه حين استعرض حياته كلها ، وجد أن هذا الذى يعبر عنه فى كتابه ، قد تجلى له أنه الحق ، أو على أنه المنظر الرائع الذى أذن له قسطه من الأرض وضوء الشمس أن يمسك به ، ولذا فهو يريد أن يسجله إلى الأبد ، يريد أن يحتفره فى الصخر إذا استطاع ، قائلا : هذا أفضل جوانب حياتى ، أما بقيتها ، فقد أكلت وشربت ونمت وأحببت وكرهت كما يفعل سائر الناس . كانت حياتى كالبخار ، وقد زالت الآن من الوجود ، أما هذا فقد رأيته وعرفته ، هذا جدير أيها الناس أن تحفظوه فى الذاكرة ، إن كان من جوانى ما هو خليق أن يحتفظ به " . تلك هي " كتابته " ، تلك هى رسالته ، فذلك " كتاب " .
إنى لأسألكم : هل نؤمنون بالشرف ، وهل تثقون فى الرحمة ؟ أم هل تظنون أن حكما ، الرجال لا يملكون من الشرف والخير شيئا ؟ لا أحسب بيننا أحدا بلغ به التعس بحيث يظن هذا ؛ فإن كان للرجل الحكيم شىء من الخبر والشرف ، فقد صبه فى كتابه ، أو فى آيته الفنية . نعم قد يمزج خيره بفتات من الشر ، فنراء - مثلا - سئ التعبير ، أو بعمد إلى التكرار الممل ، ولكنك إن قرأته قراءة صحيحة ، هان عليك أن تكشف فيه عن جوانب الحق ، وتلك هى " الكتاب " .
إن عصور التاريخ بأسرها قد شهدت هذا الضرب من الكتب الجيدة ، كتبها أعظم من عاش فى تلك العصور من الرجال - نوابع القادة ، وكبار الساسة ، وفحول المفكرين . كل هؤلاء ينتظرونك لتنتفى من بينهم من تشاء ، والحياة قصيرة الآمد . لقد سمعت قولى هذا من قبل ، ولكن هل أيقنت كم تسع هذه الحياة القصيرة ؟ هل علمت أنك إن قرأت هذا ، فلن تستطيع أن تقرأ ذلك وأنك إذا أضعت اليوم فلن نكسب الغد ؟ هل بحلو لك أن تلخقط مع خادمك أو سائسك ، ويمكنك أن تتحدث إلى ملكات وملوك ؟ أتحب أن تحادث العامة فى لغوها ، وأنت ترى هذه الطائفة الحافلة الخالدة تنتظرك بكل أعضائها ، وهم كثيرون كثرة الأيام ، هم الصفوة الممتازة فى كل زمان وفى كل مكان ؟ إنك تستطيع فى كل لحظة أن تنخرط فى سلك هذه الجماعة المختارة ، يمكنك أن تكون عضوا بين أعضائها ، وأن تضع نفسك فى المنزلة التى تشاء ، ولن يخرجك من هذه الزمرة الطبيبة إلا خطأ يقع منك . إذا كنت تجاهد حقا أن تنزل بين الأحياء منزلة رفيعة ، فها هو ذا مقياس ما فى جهادك من صدق وإخلاص . فسنرى أى مكانة ستختار لنفسك فى جماعة الخالدين .
وأقول " المكانة التى تحبها " و " المنزلة التى تهيئ نفسك لها " لأن أعلم أن هذه الطائفة من عباقرة الماضى ، تختلف عن أرستقراط الأحياء فى هذا ، فى أنها تقبل بينها العامل الجدير دون سواه . إنك لن ترشوهم بترائك ، ولن تلقى باسمك الرعب فى نفوسهم ، ولن يخدعهم بربائك . فلن يسمح بالدخول فى تلك الفراديس لمجرم ولا وضيع . سيسأل حارس الباب سؤالا واحدا لمن يريد الدخول : " هل أنت جدير بهذا ؟ إذا فدونك الأبواب قد فتحت . هل تريد أن تزامل النبلاء ؟ إذا فكن نبيلا تكن زميلا . هل يشوقك أن تحادث الحكماء ؟
إذا فاعلم كيف تفهم عنهم تسمع حديثهم . أما إن أبيت شيئا من ذلك فلا دخول . إذا لم ترفع نفسك إلينا فلن تهبط إليك . إن الرجل العظيم من الأحياء قد يتكلف لك الظرف ، والفلسوف من الأحياء قد يكلف نفسه عناء شرح فكرته لك وهو من ذلك فى ألم ممض, ولكنا هنا لا نتكلف ولا نفسر ، فإذا أردت أن تستمتع بأفكارنا فارفع نفسك إليها ، وإذا أردت أن تكون حلبسا لنا فشاطرنا المشاعر ".
هذا ما أكلفك بعلمه ، وهو كثير . وبعبارة موجزة : يجب أن تحب هؤلاء الناس ، إذا أردت أن تكون بينهم ولكى تحبهم فلا بد من أن نتوفر لديك الرغبة الصادقة فى أن يعلموك ، وأن تعد نفسك للدخول فى أفكارهم, ولاحظ أبى أشير إليك بالدخول فى أفكارهم ، ولا أقول لك أن ترى أفكارك منطوقة بلسامهم . فإن لم يكن كاتب الكتاب أحكم منك ، فلا حاجة بك إلى قراءته ، وإن كان ، فستجد تفكيره يخالف تفكيرك فى نواح كثيرة . نحن مستعدون أن نقول عن الكتاب الذى نقرؤه : " ما أجود هذا الكتاب . هذا هو بالضبط ما أرى من رأى ! " ولكنى أريد لك أن تنتفى من الكتب ما تقول عنه : " ما أغرب هذا الذى أقرأ ! إنى لم أفكر هذه الفكرة قط من قبل ، ومع ذلك فإننى أراها فكرة صحيحة . وإن لم أرها صحيحة اليوم ، فأرجو أن أراها كذلك بعد حين " .
فلا بد لك قبل كل شئ أن تذهب إلى الكاتب لتأخذ عنه معناه ، لا أن نجد عنده معناك ... وإن كان كاتب وفيما ، فأعلم علم اليقين أنك لن نستطيع أن تأخذ معناه كله دفعة واحدة ، بل لن تستطيع أن تفهم كل ما يريد من معنى مدى زمن طويل ، مهما تكن وسائلك إلى فهمة . لا لأن الكاتب لا يقول ما يريد أن يقوله ، وفى كلمات قوية ، بل لأنه لا يبسط كل معناه إلا على نحو من التخفى ، ٢٧
لكى يثق من قارئه أنه يريد معناه ! وقد لا أستطيع أن أهل إن هذا التكم القامى من الحكماء الذى يغربهم يستر أفكارهم العميقة . إنهم لا يقدمون لك المعنى تقدمة هينة ، بل هم يكافئونك به على ما احتملت من العناء ؛ فهم يثقون أولا أنك جدير به قبل أن يأذنوا لك بالوصول إليه ! وما أشبه هذا بالذهب ، وهو من الطبيعة كالقول الحكيم من الحكماء ؛ فلست أورى سببا ببرر ألا تتضافر قوى الأرض جميعا ، لتحمل ما فى جوفها من ذهب ، حيث تضعه على قمم الجبال ، فيعلم الملوك ويعلم الناس كافة ، أن كل ما فى الأرض من ذهب قد أورع هنالك ، دون أن يحتملوا عناء الحفر وضياع الوقت وانتظار المصادفة ، فيحدونه قريبا منهم فيصوغويه فيما يشاءون من النقود . لكن الطبيعة لا تسلك فى إعداد أمرها هذا السبيل إنها يخفى ذهبها عن أعين الناس ، فقد تحفر زمنا طويلا
ولا تجد شيئا ، ولا منصرف لك عن الحفر وعنائه إذا أردت شيئا.
وذلك مثال ما يحدث فى حكمة الحكماء . فإذا أقدمت على كتاب جيد ، فلا بد أن تسأل نفسك أولا : " هل أنا راغب فى العمل كما يعمل العاملون فى مناجم الذهب ! هل أعددت فؤوسى وسائر عددى ؟ وهل هيأت نفس للعمل ، مشعرت عن ساعدى ، واستقام منى جهاز التنفس واعتدل المزاج ؟ " إن الذهب الذى تنشده هو فكرة المؤلف ومعناه ، كمانه صخور ينبغى أن تطحنها طحنا وتدييعها إذابة لتصل إلى ما استقر فيها ؟ وفؤوسك هى منايتك وذكاؤك وعلمك ؛ وأتون الانصهار هو نفسك الفكرة ... لا ترج أن تبلغ عند كاتب معنى جديدا بغير تلك الآلات وهذه النار ...
