ليس الكلام في أدب الأستاذ فسطاكي بك الحمصى بالأمر السهل ولا هو بالمطلب اليسير، فالخطباء كثيرون والوقت محدود وأدب المحتفى به، أطال الله بقاءه، متشعب النواحى فليس في طوق خطيب أن يلم به فى دقائق معدودة. لذلك سأقصر كلمتى على أسلوب الأستاذ فى الكتابة النثرية.
يقولون أن أسلوب الرجل صورة عن نفسه. وليس أصدق من هذا القول في التعبير عن الأدب الصحيح. فالأدب مظهر لما تختلج به النفس وتشعر به وتدركه عن طريق العاطفة والعقل. والأديب يؤدى رسالته وقد أذاب مارآه وأحس به فى بوتقة نفسه، فلا بد من أن يجئ أسلوبه قطعة من ذاته.
كل من قرأ للأستاذ قسطاكى بك الحمصى ما خطه يراعه منذ ستين عاماً إلى هذا اليوم يرى فى كتابته النثرية قوة فى اللغة وصحة باللغة فى التركيب والتعبير. وهذه صفات تكفى وحدها لتخليد صاحبها، وقلّ أن اجتمعت فى فجر نهضتنا الأدبية الحديثة إلا لأفراد معدودين. ولكنه يجد إلى جانب هذه الصفات صفة أخرى ينفرد بها الأستاذ بين أقرانه، ويندر من يشايعه فيها من أترابه وأنداده، وهى التأنق فى الأسلوب. فكأنى بالأستاذ لا يرضى من قلمه أن يأتيه بالناصع المشرق من صحيح الكلام وبليغه، بل يريد إلى جانب ذلك أن يكون بيانه عنواناً للروعة والجمال. فهو كالنحات الماهر يستخرج من الصخر الجامد ما يهز الشعور بحسنه وجماله.
ولقد قرأت ما كتبه الأستاذ فى شبابه وكهولته وشيخوخته فما شذ أسلوبه عن هذه الصفة فى أى دور من أدوار حياته.
نعم قد يختلف أسلوبه قوة وجمالاً فى بعض ما كتب عن بعض؛ ولكن طبيعة التأنق كانت بادية على كل آثاره. ولقد تشرفت يوماً بزيارته ومعى صديقى الأديب جورج
اسطنبولية فسمعت من حديثه العذب الفياض، ورأيت من ملبسه وهندامه، وشاهدت فى حجرته وعلى منضدته من الأثاث والكتب ما زادنى يقيناً بأن أسلوب الأستاذ كحياته صورة صادقة لسلامة الذوق ورائع الفن.
ولعلى لا أطيل عليكم إذا تلوت على مسامعكم قطعة من بيانه لم أخترها اختياراً بل اطلعت عليها اتفاقاً عندما فتحت كتابه الذى وضعه عن (أدباء حلب ذوى الأثر فى القرن التاسع عشر) وهى من محاضرة له فى وصف قصور الخليفة المأمون وهذه هى :
(وكان يشرف عليها الراكب فى دجلة من بعد شاسع، ولا سيما قبابها، فمن مجصص بالجص الأبيض الناصع كالفضة البارقة، ومن مطلى نصفه السفلى بالأخضر الناظر والنصف العلوى بالذهب النضار، وفوقها جامات الذهب تتلامع كالشهب المتقدة، ثم تبدو للعيون تلك الحدائق الممتدة إلى أقصى مدى البصر، تنسرب فيها جداول الماء من برك عظيمة الأتساع مختلفة الأوضاع، ينصب فيها الماء كالفضة الذائبة من أفواه حيتان أو سباع أو ثيران أو نسور، من مرمر مختلف الألوان بالغ من الصناعة نهاية الإتقان بين جنات قد ازدحمت غياضها واشتبكت أشجارها وتعانقت أغصانها وامتد ظلالها، يسير فيها الداخل تحت أقبية وأطواق من فسيفساء الأوراق، فى مماش كأنما أرضها خمائل سندسية، وعلى جانبيها درابزينات لا يدرك الطرف منتهاها، قد اعترش عليها الياسمين، وتعلق بها الورد والنسرين)
فهذه قطعة كتبها الأستاذ منذ عهد بعيد، وهى مشرقة الديباجة ناصعة البيان صحيحة اللغة سليمة التركيب لا تقع كثيراً على أشباها فى متخير كلام العرب فى الوصف الجميل.
غير أن هذه القطعة لا تمتاز بالكلام البليغ والأسلوب الصحيح فحسب، بل تمتاز أيضاً بما فيها من التأنق والعمل الفنى الخالص.
فما هى العوامل التى اجتمعت فأشرق منها هذا الأسلوب الوضاح ؟ عندى لهذه العوامل أصلان: الموهبة والمحيط. فالموهبة هي القدرة الطبيعية التي تتجلى فى ذوى الكفايات الممتازة.
والميحط هو الوسط الذي يعيش فيه الإنسان فيتأثر به.
والموهبة لا تثمر ثمرها إذا لم تتعهدها يد التهذيب بالإصلاح. وهى تتكيف بالمحيط ومؤثراته.
ولا خلاف فى أن العلامة الحمصى من ذوى المواهب الممتازة النادرة؛ فما هو الوسط الذى عاش فيه فأخذ عنه وأنطبع بطابعه فصدر عنه هذا الأسلوب المشرق؟
ينتسب الأستاذ إلى أسرتين عريقتين فى الوجاهة والحسب والنسب، فأبوه من آل الحمصى وأمه من آل الدلال. والأسرتان مشهورتان بالحياة الرفيعة والعيش الرغيد الوارف. وأسرة الدلال معروفة بالأدب، وقد ظهر منها نوابغ لا تزال آثارهم الأدبية ناطقة بفضلهم ومكانتهم. ولقد كان لأم الأستاذ وقوف على الأدب وخاصة على الشعر. فنشأ فى هذا المحيط العالى تتعهده أمه - بعد أن فقد أباه وهو فى الخامسة من عمره - بخير أنواع التربية والتهذيب.
ومن صفات الأسر العريقة فى الوجاهة المحافظة على التقاليد والعادات. فمن الطبيعى إذن أن تبدو مظاهر هذه الحياة العالية بنعيمها وأخلاقها وتقاليدها على أدب الأستاذ؛ وهذا في اعتقادى هو السبب المهم ىي أتسام أسلوبه بسمة التأنق وروعة البيان.
على أنه يجب ألا تفوتنا ونحن نتكلم عن نثر الأستاذ ظاهرة لها قيمتها فى تقدير مكانته الأدبية. وهى أننا لو أخذنا أية قطعة من نثره كتبها قبل أربعين أو خمسين عاماً، ولا سيما ما كان منها دائراً حول الموضوعات الاجتماعية والتاريخية، ثم قارناها بما يكتب اليوم بعد أن أثمرت النهضة الأدبية الحديثة ثمارها لما رأينا بينهما كبير فرق. فكأننا نقرأ بلغة اليوم ما كتبه الأستاذ قبل نصف قرن يوم، كانت أساليب الكتابة ترسف فى قيود الركاكة والتقليد والصناعة اللفظية
واسمحوا لى - وإن أطلت الكلام قليلاً - أن أتلو على مسامعكم أسطراً من مقال نشره الأستاذ بعنوان (أهل التقادير وأرباب السعى والتدبير) فى الجزء الثالث عشر من مجلة البيان الصادر فى أول أيلول سنة ١٨٩٧ أى قبل إحدى
وأربعين سنة وهذه هى:
(قد ألف بعض الناس الاتكال على التقادير أى على ما تولده الليالي من الحوادث التي لم تكن في الحسبان. وخالفهم في ذلك أقوام زعموا أن ذلك مدرجة إلى الكسل، وأنه مما يقف في سبيل التقدم وبلوغ الكمالات الإنسانية. ولكل من الفريقين حجج وبينات يؤيدون بها مدعاهم)
(قال الفريق الأول: لو لم تكن التقادير هى الحاكمة فى أنصبة البشر، اللاعبة بحظوظهم، الفاعلة فى تغيير أحوالهم وأخلاقهم، لبلغ كل امرئ ما يتمنى على قدر همته وسعيه، وكم من ساع وراء أمر يرومه والتقادير تعانده فلا يبلغ متمناه)
فهذا كلام لو قورن بأسلوب الكتابة فى هذه الأيام لما تخلف عنه في كثير ولا قليل، بل ربما فاق أسلوب الكثير من مشهورى الكتاب بصحة اللغة وحسن السبك ومتانة التركيب
وهذه الظاهرة من خير الشواهد على نبوغ الأستاذ، لأن النابغة يتخطى حدود زمانه ويدرك ما لا يدركه معاصروه إلا بعد أمد طويل.
هذه كلمتى فى أسلوب أستاذنا قسطاكى بك الحمصى فى الكتابة النثرية، وأنا أعلم ما فيها من عجز وقصور عن إدراك شأوه وبلوغ مداه، وإيفاء البحث حقه من الدرس والتمحيص، ولكن أنى لمثلى أن يسابق فى هذه الحلبة ويجرى فى هذا المضمار وقد اجتمع فيه عيون الأدب ومصطفى رجاله لتكريم إمام من أئمة البيان. غير أن لى من حسن نيتي شفيعاً لقصورى، فليتفضل الأستاذ بقبول هذه الكلمات منى بهدية مقرونة بالاعجاب بأدبه والدعاء له بطول البقاء
