الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 255 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة ، المنبوذة

Share

أكانت ضحكتها التى أثارتنى يوم ضحكت ...

أم تلك الدمعة التى ذرفتها يوم كانت .

كانت تجلس فى شرفة دارها القريب من دارى ، فنظرت تلقى التحية إلى جارة لها . فأوصدت الجارة من دونها النافدة فى عنف ، كأنما تريد لتبعد عنها ذلك الشبح الذى نزل فى الحى يلوثه ويلطخه بسبة العار .

وأغير وجه صاحبتى قليلا قليلا . . وانطوت على نفسها . . ثم انحدرت من عينها دمعة .

وغابت عنى داخل الدار

نعم رأيتها ! وإن الدمعة التى ذرفتها ما زالت تحرق كوامن صدرى . دمعة مازلت أذكرها ما ذكرت ضمن الحياة على أمثالها .

أكانت تعرف ما ينزلها فى أعينهن ساكنات الحى . . أكانت تسمع حديثهن تهامسا وجهرا كلما جد ذكرها فى حديث ، وعما لوثت به الحى من علاقاتها بأقوام السوء ؟ أكانت تعرف . . ؟

وإن إحداهن لتفترى وتنزيد بالذى تراه يطغى عليها من أمر تلك التى قد تفسد عليها يوما قلب زوجها او قلب أخيها . . فإنها لذات إغراء . .

نعم وإن التبرج كان عليها أغلب فى انقياد الهوى وإجابة نداء الشباب . كذلك عرفت بين الجيران فتبرأوا منها تبرؤ السليم من ذى علة أجرب .

وكان أن أجمع سكان الحى أمرهم على ألا تساكنهم أمثال هذه الجارة . وجعلوا يتربصون بها الدوائر حتى لقد كنت ترى الواحد منهم ينفق الليل إلا أقله مترصدا خلف شباك أو من وراء باب حتى يراها فى أوبتها بعد

منتصف الليل

كنت أسمع ذلك . وكان يداخلنى لون من الشفقة منهم على أمثال تلك المخلوقة .

أهى قسوة الحياة التى دفعت بها إلى حيث كانت . .

أم هى الأقدار الطاغية . . أم هو الإغراء .

وجاءنى يوما أحد الأصدقاء من الجيران . ثم فاتحنى فى هذا الأمر الحديث . وكان زير نساء يتشوق لذكرهن ويذهب فى هواه كل مذهب . قال فيما قال :

- إن جارتنا هذه يا أخى لذات تكوين بديع . .

إن لعينيها لسحرا . . وإنى لأهيم بها هياما رغم تلك الأقاويل . . .

وصمت لحظة ثم عاد يقول :

- إنها الغيرة والله ممن ولى شبابها ونضب معينها ...

أين جمعهن منها وهى التى . . . ثم تبسم وقال :

- أحسب أنى ما فشلت فى مغامرة فشلى وتلك الجارة

قلت :

- وكيف . .

وبدأ كأنما يستجمع شتات فكره ثم قال :

- ترقبتها لأيام . . ثم جعلت اقتفى أثرها وبذلت وسعى فى اجتذاب قلبها واستلفات نظرها . وما افاد كل ذلك نقما .

وضحك ضحكة تبهم على معناها حتى استطرد

- ما أفدت إلا عظة إبليس .

قلت له :

- غفر الله لى ولك . فما الذى فعلت ؟

قال - . . . أعيتني منها الحيلة فصممت على وضع حد لتلك المهزلة . . وما كدت أفعل حتى نظرت إلى طويلا . . وقالت : (( أ كذلك يكون حق الجوار )) .

وكأنما هو سهم غاص فى أعماقى فقلت له : - فلعلك قد ارغوبت .

قال - حسبك . . فإنك لحديث عهد بهن !

قلت - أو ليست فيها الكفاية ؟

فنهض منصرفا وهو يهز كتفيه فى غير اكتراث

وجاءنى  بعد أيام يهدر ، قال :

- أرأيتها ؟ قلت : - من هى ؟ قال : - تلك التى حسبتها ملاكا يخرج الحكمة من فيه (( كذلك يكون حق الجوار )) ! أتذكر .

فاستوضحته الأمر ، فقال فى غيظ مكتوم

- كان ملاكنا الطاهر يهدى بعض أهل الدنيا على طريقته الخاصة . فى منتصف ليلة امس على ناصية الشارع . ثم استطرد فى تهكم :

- إنى لأجزم أن رائحة الخمر كادت تؤذينى على بعد ما كان يبنى وبينها . وما كنت لأعنى بشأن الغير لولا أنها كلمة سبقت ، فقلت له :

- وأين كنت ؟ قال : - ألتمس الطهر فى ظل معبد الآلهة . . ! !

ومضت أيام ما رأيت فيها إنسانا يحيك الدسيسة ويستعدى الناس مثل ما رأيت من أمر صاحبى وصاحبته .

كيف وهو الذي لعب بقلوب القوانى والعذارى وما استعصت عليه إحداهن كائنة ما كانت استعصاء هذه الجارة اللعوب . . ! !

أكان قولها عبثا أو تضليلا يوم قالت . . ؟ وحتى يصرف عنها وجهه .

وإن تمنعها ليزيده جنونا ... وأعماه عن سبيل الحق والواجب . وكان له من ضعفها ومما هى عليه ما أطمعه فيها ، فاندفع فيما يندفع فيه شاب انقلب فيه الحب الغامر إلى البغض الشديد . وبلغ به الغضب حد التهور .

وهى العاجزة . وهى وما كان لها من يكفيها ذل الحاجة التى دفعت بها إلى حيث كانت .  ومن لها من يردع ظالمها إذا ظلم ؟ ! فارتكب صاحبى فى حقها ما أدين

لأجله . وذلك أنه اقتحم عليها الدار ليلا يبتغى السوء ...

وكأنما شاء القدر ان يجعل منها وهى المهضومة الحق المهبضة الجانب حكما . . ! وأصبح بين شفتي صاحبتنا أمر تبرئته أو أخذه بالقصاص .

وانقض من حوله الصحب وتبدد المؤيدون بعد إذ استيقنوا سوء العاقبة . وأقفر من بيته الزائر والصديق كأنما خشى أحدهم أن يتحمل شيئا مما يمكن أن يكون ، بعد أن كان بيته مستراحهم وملهاهم .

وانقشعت الغمامة رويدا رويدا . وتوضح له الأمر الذى أعماه عنه الحب الغامر أو البغض الشديد .

وعرف ما هو مقبل عليه من واقع بغيض فمرض . وطال  به المرض . وترجح ميزان حياته . وهذه الإجازة المقررة تنتهى أو تكاد وهو حديث عهد بالعمل ، وهو العائل لأم وثلاث أخوات صغيرات .

وإن المرء وإن بلغ فى قساوته مبلغ البغى والجور فقد تأتيه ظروف هى أشد على نفسه وأعنف مما كان يتوقع . وحتى إنه ليستوجب الرثاء ممن لا تربطه بهم رابطة .

ذلك كان أمر صاحبى فى مرضه بعد أن أدالته الأيام وعبثت به .  وما كان يمتلك غير مرتبه مرتزقا . . . وإن الهاوية لوشيكة ، وما هى إلا أيام أو بعضها حتى يبت القضاء فى الأمر كله . والكل يترقب النهاية بقلب متصدع ونفس محزونة .

وكان أن امضيت عند صاحب ليلة يعلم الله كيف بدأت وكيف انتهت من قسوة ما غيم على البيت من سحب دكناء قاتمة . وبات صاحبى ولم تغن الحيلة فيما قد وقع فيه . وكان ولابد أن يدفع ثمن ما تورط فيه . وإنه لثمن ...

وأقبل على صاحبى يتكلم فى ذلة . ربى وخالقى ما الذى أسمع ؟

ولكنى لا أريد أن أصدق ما سمعت . . أأذهب إليها ! !

قد أكون مستعدا لأن أبذل له ما استطيع لألخفف عنه - مكرها - وطأة نهايته . نعم مكرها . فقد عوملت المسكينة معاملة دونها معاملة السوائم .

وقد تثور نفس الأمارة بما كنت أسمع وأرى من تهتك وفجور . . وإن نفسى لأمارة ظالمة . وإنها لتوحى إلى بما لا أبرئها منه . . أيكون لمثل هذه المخلوقة قلب ؟

لقد والله أحتمل ما أصاب به حيث كان على الا أقف منها موقف النادم المستغفر . . حاشا لله . كذلك حدثتنى نفس الأمارة .

نعم ! وكيف لو رددت على عقبى خاسرا ؟ ! كيف لو جابهتنى بالذى أبغض أيا كان لونه ؟ ! ومثلها يشتهى ذلك حتى يكون لها من تصعر الخد ما يعوضها عما فقدته بين الناس . حاشاى أن أفعل .

وكذلك حدثتنى نفس الأمارة .

إنى أتحاشى هذا اللون من النساء . فإن التلف وإن تباينت النية لمبلغ ما يصل إليه الرجل مع المرأة كافة . فكيف وهذا اللون الذى ..

استغفرك اللهم

وهممت بالخروج . وإذا بالباب يطرق . وكان ذلك قبيل منتصف الليل . فمضت أم صاحبى ترى الطارق . فغابت شيئا ثم عادت ، ثم دفعت إلينا ورقة . ففضضت غلافها وقرأت ...

وبدوت وكأنما هى غشاوة يتحجب خلفها بصرى . ما هذا الذى أقرا . . إنه والله إما ان أكذب عينى أو يكون هذا خيال مما كنت أسمع أو اقرأ . . ولكن الورقة واضحة بينة . فكيف . . وإنها لتحل صاحبى كتابة مما قد وقع فيه . وكذلك وعد بما فيها إذا كان يوم القضاء ...

ولقد أخذت بها علم الله أشد مما أخذ بها صاحبى الذى

أغمى عليه أو كاد .. وهممت أتعرف الرسول ، وإذا سيدة مقنعة محجبة تبتعد فى سبيلها عن البيت . فأدركتها . وما أن رأتنى حتى أحكمت القناع وأخفت وجهها . ومضت على . . واستلفتنى شكلها وحسبت أنه مألوف لدى منذ حين . ودفعنى الفضول فدققت النظر.

وكأنما انصب على لوقتى سيل من الماء البارد .

فما كانت إلا جارتى . . المنبودة .

كلية الآداب

اشترك في نشرتنا البريدية