كان يداعبها النسيم فوق شجرتها المورقة فتتمايل غجاويتها ، ثم يحتجب بين وريقاها خجلا من ذلك البستاني الشاب يمر بها كل صباح يشق جدول الماء الصغير في تثنية بين شجيرات حديقته الصغيرة .
ويؤوب إذا كان الماء يرغب نموها المطرد فتتواري ، وهي ما زالت فجه ، خجلا بين وريقاتهما الخضراء من عينة الظمأي .
وكان وقت الظهيرة ، واليوم فائظ ، فالتمس البستاني ظلا تحت شجرة التفاح يقيه لفحات الهجير ، وجلس ينشد الراحة من عناء العمل الطويل
وهب نسيم خفيف داعب وريقات الشجرة الخضراء فبدت التفاحة ناضجة .
وغمرها الضوء يفضح لون وجناتها القرمزي الفاتن ودم الحياة ينبثق من كل جزئياتها الحية . فانبهر الفلاح الصغير ، وطمع في قطف الثمرة ، إلا انه تريث حتى يعاوده النشاط ويكون له منها ملطف لحرارة صدره . وأخذته إغفاءة
علية
وهي تسير الهوينا في مشيتها الثابتة المتشدة ، وشعرها الغزير في تموجه الفاتن ، ويدها البضة العارية حتى نصفها ، وساقها الممتلئة . . ثم جسدها الناضج في الونة مغرية ، وقد هو كل ما كان يحلم به فيروز
نهض فيروز مبكرا ذات صباح وراح يحتسي القهوة في شرفة داره ، وقليلا ما كان يفعل ، فما كان يميل بطبعه ان ينهض إلا قبيل موعدة في الديوان . فهو ينفق من الليل أكثرة بين الصحاب في النادي أو بين الكتب إن مل
وما مخالطة الناس ، ويلتذ بساعة الظهيرة ينامها بعد الغذاء
ذلك فان أسلوبه . وما كان يكلف نفسه يوما عناء ساعة البكور التى كانت اشقي ساعات النهار على خادمه ، لما تقتضيه من جهد في إيقاظ سيده الغضوب .
وقف فيروز يرشف من فنجانه القهوة في تمهل ، وجعل يتسلي برؤية بالعات اللبن في بكورهن ، وعجب كيف يستيفظن مع الفجر لقاء دراهم لا تكاد تفي بضروريات الحياة . ولكنها الأيام التي جعلتهن يرضين بما دون ذلك ؛ بل لعلهن كن في غبطة .
أجل ! هي الأيام التي جعلته كذلك يرضي بغطرسة رئيسه ويتحمل منه ما لاطاقة له عمله ، واها لهذا الرجل الذي
وأخرجته عما كان يحتمل ان يذهب إليه فكره هذه الغادة التي بارحت الدار في مشيتها المنشدة الثابتة ، وشعرها المتموج الفاتن .
تري من تكون ؟ وعهده بما كنت البيت فانيات متصابيات . وليست فيهن واحدة لها مثل هذا الفد الاهيف اللباس . أساكنة جديدة ؟ ثم يخبره بذلك خادمه ، وعهده به ثرثارا يأتي بالخير من فمه العمقن . فمن تكون ؟ أضيفة ؟ ؟ ؟
وحان الموعد فمضى لعمله ، وشغلته غطرسة الرئيس عما كان فيه . . وظل كذلك أياما . حتي كان ذات صباح وهو يهرول خشية فوات الوقت ، وإذا هو يراها هي على سلم البيت تهبط في ثبات بقدمها الفتان .
وتريث رغم حاجته لدقيقة واحدة في مثل هذا الوقت المتأخر . وكانت عليه اهذه هي تلك الفناة التي كانت منذ سنة لا يعبأ بها إن هبطت السلم أو ارتقته ، أو ذهبت إلي آية جهة شاءت ، ما كان لينظر إليها أو يعبرها ادني اهتمام ما بالها اليوم قد انخرطت في هذا الشكل وذلك الهيئة التي بانت تثير نفس فيروز !
حقا إن للأيام لدورة ، وإن لها لشأنا في جودة سبك الأجساد ، وإنها على أبدان النساء أظهر وأبين !
أهذه عليه ، وما كانت عنده منذ حين شيئا ؟ ! اهي عينها التي تساكنه داره منذ سنين ! وخفض راسه ومضي حتى لا تظن به لطول نظرته الظنون .
وعجب الخادم لسيده الذي أصبح لا يضجره إيقاظ البكور ، وتعوده منذ قريب احتساء القهوة في شرفه الدار كل صباح ، وقلل شيئا من سهرات المساء . وزاد عجبه لاعتانئه بهندامه ، وإقباله على الخادم يسمع اخبار الحي ، ويتسقط أنباء الدار ، بعد أن كان يعرض عنها ويزجر خادمه الثرثار كلما عرض لها بحديث
وما كان أحب إلي فيروز أن يصغى بكليته لكل ما كان يأتيه الخادم ، حتى إذا جاء عرضا ذكر عليه تجاهل وتساءل : من تكون ؟ اهي تلك الجارة التي تسكن في الطابق الأسفل . . فما شأنها ؟ ويروح يصغي لكل ما كان يقول ، ويكاد يعده كلمة كلمة ، ويستريح لذلك . كأنما هي في أثناء الكلام ماثلة أمامه بقدمها الرشيق،
ووجهها المشرق . ثم عينها رباه ؟ يا خالق هذا الجمال ؟ يا باعث هذه الفتنة ! زدني أيها الشيطان ، ما كانت تقول : أكان أحد بجوارها ؟ أضحكت ساعة قلت لها إن سيدك كان مهناجا ثائرا ! اتذكرني أمامها كثيرا . ويحك ، ويحك
وعجب الخادم ! لكنه لم يلبث أن عرف بخبثه أوجز طريق لقلب سيده عرف كيف يلج هذا الباب المغلق . إذ يحدث عما رأي وسمع ومالم ير ولم يسمع ؟ وعرف كيف يقص عليه في خبث كيف عرض في حديثه معها لذكر فيروز ، وكيف وصف فأطلب ! ويح هذا الخادم ! لكأنما أضحي جزءا من حياة سيده الشاب .
وتعمد فيروز أن يراها على السلم صاعدة أو هابطة ، وفي الطريق ، وعند محطة الترام . كانت هذه اللحظات المختلسة أحب ساعات إليه ، بل هي أسعد لحظاته . فإنه ما يكاد يمر عليها ويلحظها بطرف عينه حتى يسمع دقات
قلبه وحتي ما يكاد يقوي علي ان يقف على قدمية ، أو يحتويه فكان ، لشدة ما كانت تبعثه هذه النظرة الواحدة في جسمه كله . ماذا كانت تفعل " هذه النظرة ؟ ذلك ما لم يكن يملك أن يدلي فيه بحجه أو يرد عنه بجواب .
أهما عيناها أهما هاتان الشفتان القرمزيتان الصارختان لدعوة سهمة ؟ أهو هذا الجسد الذي تعبر كل ذرة فيه عن اكتمال الأنوثة ونضرة الشباب ؟ وبحه . . هذا الجسد هذا الجسد !
أجل هذا الجسد الذي يهز أعصاب فيروز ، هذا تكوين ما انبسط منه وما انطوي . لقد كانت نظرة واحدة إليه ترجه رجا عنيفا لا طاقة معه ولا صبر عليه .
كان ينفق ليلة كله يحلم وكانت علية هي الطيف الزائر في حلمه الجميل كانت وحدها عروس لياليه !
أيعنى بها ؟ أترضاه زوجا ؟ اتشعر نحوه بمثل ما يشعر ؟ يكاد يحترق في انون من الصمت والكتمان ، ولكنه يفضل هذا الصمت وإن كان فيه مهلكه .
من له بمن يخبرها بما يشعر به ؟ من ؟ إن البيان ليعجز أن يصف لها خلجة واحدة مما تختلج به نفسه من له بذلك الرسول الأمين . أببعث الخادم ؟ هذا ضرب من الطفولة سخيف ، إن للخادم لمأربا مهما خلصت لبته في تأدية الرسالة ! أيقوي هو أن يقوم لأحد بشيء ، إنه ليعجز حتى عن أن يصارح نفسه إنه ليخشي ان يذكر فيها إذا جري يوما في معرض الحديث ، يخشى ان تخونه قواه فيتهدج صوته وينم عليه ، كم يحبها .
فليكن قبه رسوله يكفيه تلك النظرة الساذجة كما التقي بها في ساعة البكور ، فتغلل زاده بقية النهار ، ويجعله يتقبل أوامر الرئيس بنفس راضية تهون معها كل سخافات العمل حتى ساعة الانصراف ، فإنه ليأمل ان يراها عقب هم النهار
وزارة يوما جاره وصديقه الوحيد ، وجلسا يتتحدثان وعرض إسمها . ووجم فيروز . ماذا يقول صديقه ؟
إنه ليفتري ويتريد ، ايزعم ان له شأنا معها ؟ إن نفسه لتثور ، وقلبه يحترق ، ايجاهره بالعدوان ، ايصرح في وجهه منذرا ؟ ايقتلعه من مجلسه ويقذف به خارج الدار كيف يزعم أن له صلة بأطهر ملاك يعيش بين البشر إلي حين
وجم فيروز ، فغريمه ضيفه . ونهض ليودعه وإنه لاشقي مخلوق . . وراح ينكر ما سمع ، لا يبعد أن يفتري الصديق الكذب ليخلو أمامه الطريق .
ما أمر الحقيقة إذا انجلت فجأة واسفرت بعد طول حجاب
ثم هذا الخادم النعيم ! إنه يهمس له بين الحين والحين همسات تكاد تهد كيانه ، وتصدع اركانه ، يؤيدها الدليل من جاره الصديق أهي إذن الحقيقة ؟ وعلية غير ما كان يأمل ويتخيل ، ويشيد بنيان الأماني ، اهي اخري غير تلك التي كان يحلم بها الليالي الطوال ؟
وعصف به الشك والقلق ، ولكنه يحبها . . ولكنها الحقيقة
وعول علي أن يضع لهذا حدا . وتحين للكلام فرصة ، فما هو إلا ان رآها حتى وجف قلبه وانبهر نفسه ، وضاع كل ما كان قد حضر من فنون الكلام . فتعتم بقول تافه ولفظ مضطرب . . وأطرمها هذا اللون الساذج من مغامرات الفتى العاشق ، فابتسمت . وحسب فيبروز انه بلغ عندها مبلغا
وانفق بقية يومه يحلم وهو يقظان ، ويستعيد صورة تلك اللحظة التي غافل فيها الدهر ، فظفر منها بحديث وابتسامة .
أتراها سمعت وجبات قلبه ؟ أخفي عليها هذا الذي يضم صدره ، ؟ لقد كان حديث عينها صدي لهمسات نفسه الظمأي . . وشفتاها . رباه إنها دنيا من الجمال والفتنة والإغراء . . وراح يحلم . .
ولكن لقد فاته أن يضرب لها موعدا ، أو حتى أن يعرض لذلك بعبارة لماحة ، ولكن لا بأس لا بأس ، فما كان الوقت ملائما . فليتصبر وإن الفرص لأتية . . ليعد لها أزهي ألوان الكلام يرتبه في لباقه حتى لا يرمج عليه وينبهر كشأنه اليوم . كم كانت معه لطيفة متسامحة
وحان موعد أوبته فأنجز عمله في سرعة . وكان يومها بهجا فاضت بهجته على كل ما اتصل بفيروز ، حتى وجه رئيسة الجعد .
وجاءه صديقة ساعة الأصيل يبتسم . وقال وهو يري فوق الكرسي في شرفة الدار . حتى أنت يا فيروز !
وحملق فيروز ، وضحك صاحبه وجعل يتكلم ويتكلم . وغاص فيروز في كرسيه وتضاءل حجمه رويدا رويدا . وصاحبه بعيد على سمعه ما قال هو لصاحبته اليوم حرفا حرفا ؛ إذن فهي الحقيقة ؟ إنها ليست له !
ونهض صديقه بقول مواسيا علي طريقته في مداعبة فيروز ؛
- لا تحزن فإنما نحن سواء . . وما عرفت هذا إلا من زميل آخر ارتفعت أسهمه في الشركة أكثر مني ومنك . .
وصحا . . وكانت ساعة الغروب . والشمس تضرب في مجاهل الافق البعيد . . وتذكر البستاني الثمرة فهم إليها يلتمس غذاءه وفا كهته
وامتدت يده . وسرعان ما ارتدت . . وكانت التفاحة غير التفاحة . . لقد عبث بلونها القرمزى الفاتن حر الظهيرة اللافح ، وإغراء الضوء الشديد . وذهبت عن نفسه شهوة ما آثارتها التفاحة الناضجة التي كانت
فعاقتها نفسه ومضى . وهو جوعان .
كلية الآداب

