الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 233الرجوع إلى "الثقافة"

قصة :، غنى

Share

جلس متولى أفندى إلى مكتبه المتواضع يقرأ ما صنعه منذ حين ... فابتسم راضيا . فإن القصة لتبدو وكلها فن وبلاغة . وفكرة ناضجة مشرقة . . . وإنه ليعيد قراءتها فيأمل ويستبشر حتى ليكاد يطمئن لقيمتها ريحا مباركا بين يديه .

ونهض فمضى إلى رئيس بتحرير المجلة التى يأمل أن ينشر فيها القصة . . ومضى خفيفا يملؤه الأمل حتى دار المجلة فاستأذن . فاحتجز ، وكأنما صدم لوقته بعد أن كان يملؤه . الفرح . غير أنه مالبث حتى تلطف من أمر نفسه ، فالرئيس مشغول . فليأت من الغد أكثر بكورا .

ومضى الغد وجاء الذى بعده ثم الذى يليه حتى اليوم الموعود . فدخل عليه . وكان قد استشعر اليأس غير أنه تمسك بأهداب الأمل وأنه ليرجو أن يجازيه الرئيس خيرا يعوضه عن هذا الذى يلاقيه . . فالرئيس معذور وأنه العمل الذى يقتضيه وقته كله .

ودخل عليه وكله الرجاء . فوجد شخصا بهم بدخول الحجرة من باب مجاور . وعرف فيه الرئيس . وتبسم الرجل لأول رؤيته له حتى إذا بدأ متولى أفندى يقص ما جاء لأجله أخذت البسمة تنقشع رويدا رويدا حتى لم يبق إلا شبحها . غير أنه تناول القصة وأمهله ليومين حتى يفرغ مما هو فيه .

ومضى اليومان فأمهله لمثلهما ثم مثلهما حتى جاء الفرج وحان الحين . فتناول الرئيس القصة ولم يأذن لمتولى أفندى حتى بالجلوس . وخفق قلب متولى أفندى . فإن بين شفتى الرئيس الأمل .  .فما أن أحكم عويناته فوق أرنبة أنفه حتى ازدادت ضربات قلب الفتى الآمل . . . وشرع الرئيس يقرأ ... سطر من المقدمة وآخر من الوسط فالخاتمة

وإنه لينظر إليه من خلف عويناته وإنه ليتكلم ... وتعلقت أنفاس متولى أفندى حتى لا يفوته شئ مما يقوله الرئيس الذى قال وما تزال البسمة التقليدية تتراقص على شفتيه .

- والله كنت أود مساعدتك . لكن ، الورق محدود .. ( والموضوع أوردته كتب الأدب ) وشعر متولى أفندى كأنما هو مريض وكأن ماء باردا قد انصب فوقه . فخرج يجر أذيال الخيبة وهو يتوارى عن أعين البواب الذى أشفق عليه وقد كان يأمل أن ينقحه شيئا .

وطوى القصة وكأنما أشفق عليها حتى من نفسه . قدسها فى (( جيبه )) حزينا صامتا . . . ما أقسى الأيام ... إنها ما تزال تدهده نفسه حتى ليكاد آخر أمل له فى الفوز أن يخبو . وانعدمت فى نفسه الثقة أو كادت .

وتنفس نفسا عميقا يخالجه الألم وهو يذكر ما حدث منذ حين ... أفيخبو فيه هذا السراج الذى يذكيه الطبع والبيئة والدرس .

نعم وإنه لأدب مطبوع . وإنه لن ينهزم ، ولن نقبر فيه طويلا هذه الدرر الغوالى مهما جلت الأحدث . . . فإنه ليقفز السلم قفزا متواصلا سريعا دون هوادة . وإنه لبالغ القمة . وبالغ ولا بد ما بلغه أحمد أمين أو طه حسين أو شيخه فى القصة فريد أبو حديد . . . ولم لا ؟ ألم يكونوا مثله ؟ . . . ألم تقس عليهم الأيام قسوتها عليه إن لم تكن أشد وأعنف ؟ إن ذلك اليوم لقريب . وقريب . . .

ترى ما قد يرتسم على وجه رئيس التحرير بعد أن يتلألأ نجم متولى أفندى ويطير اسمه فى الآفاق . ومضى بتصور .

وأخرجه عن هذا التصور الجميل صوت سائق مركبة الترام وهو يزجره فى عنف ليتخذ الطريق السوى .

نعم اين هو الساعة وهو يسير فى تخبطه بين شوارع القاهرة الكبيرة . . وتحسس بين جنبات ثوبه فإذا بثلاثة فروش تثوى هادئة ناعمة . فاطمأن لذلك . فحسبه منها تدفئة (( جيبه )) وإشعاره بأنه يمتلك صنف المال . غير أنه

ما لبث حتى استشعر الخبيبة يمازجها الإشفاق . فإن ( المبلغ ) مما يلبث حتى يبارح (( جيبه )) . وذلك أنه كان قد قدم طلبا فى عمل من الأعمال . ويتحتم أن يرفق به على مألوف العادة ورقة تمغة من فئة الثلاثة القروش . وكان العمل مقره الجيزة وهو ما يزال فى طرف من أطراف المدينة الكبيرة ...

وهو مجهد بعد مرض كان قد ألزمه الفراش أياما .

وفكر ... لا بأس من أن يعرج على صديقه حسين أفندى الموظف بوزارة المعارف يستقرضه مبلغا صغيرا وإن بلغ من حيث صغره خمسة قروش يستعين ببعضها على أجر الركوب وفجاءات الظروف .

وإنه لتربطه وحسين صداقة ثبتت أركانها منذ بعيد . وإنها من القوة حتى ما يدهدهها خطب أو عقد فرض ... فقد طالما لجأ إليه فى مثل هذه الظروف فوجد فيه الصديق الذى لا يبخل بما ملكت يداه فى إغاثة الإخوان .

وكان متولى أفندى قد صنع خطبة لصديقه يلقيها فى حفل أقيم فى يومه الفائت ، فلا بأس من أن يعرج عليه الساعة يستطلع رأيه فى حفل الأمس وما تم فى الخطبة ويترك الفرصة توانيه للقرض عرضا ...

أعجبته الفكرة . وحسبه أنها تكفيه شر الطريق وجهد السير للجيزة فى وقت الظهيرة ، ولكنه تردد وأنف أن يتخذ طيبة صديقه وهذا الذى فعله سبيلا للقرض .

ولكنه كان مجهدا .. ومريضا ، وهو متأكد التأكيد كله أن حسينا لن يتوانى لحظه فى إعطائه ما يريد . غير أنه حاول السير ، وصدف عن الفكرة .. وما كاد يخطو بضع خطوات حتى عاودته العلة وثقل عليه الداء . ولكنه مضى وقد أبعد حسينا عن رأسه إبعادا . وشغل ببعض ما هو بسبيله . . . وإذا به أمام وزارة المعارف فى طريقه إلى الجيزة . وتذكر حسينا .

ويل نفسه . وويل لتصاريف تأبى إلا أن ترميه وقت أزماته فى طريق حسين ...

... لا بأس . فليعرج عليه ، غير أن هيئته كانت لا تشجع على مقابلة حسين ، وربما نفر منها زملاء صديقه . وأحجم شيئا . أيجازف ويعرض عن نظرات الاستخفاف . إنه لا يأبه للناس . وحسبه ما يعرفه حسين من تأدب متولى . وإنه لا ينبغى للأديب التقيد بمكان أو لباس أو زمان .

وقادته قدماه فى غير وعى داخل الوزارة ، ووجد نفسه فى حجرة حسين ، وما أن رآه صديقه حتى رحب به وتلطف معه . ودعا من فوره بالقهوة ، ثم قدم لفائف التبغ الفاخرة .

ولم يدعه حسين يستتب فى مجلسه حتى راح يحدثه عما كان للخطبة من الأثر وما كان لها من وقع فى النفوس ، كيف أنها بدت كل ما قيل ، ورفعت من قدر حسين فى عيون الناس حتى أنهم كانوا يستوقفونه فى مقاطعها ، ويستعيدونه العبارة الواحدة مرات عدة ، وأنه لمدين له بهذا الذى صنع ، وهز يده فى حرارة وقال :

- إنى لأحتفظ بك كصديق له شأن ، فصبرا والأيام لك .

وعظم الأمر على متولى أفندى فلم يدر كيف يصنع . أهذه الخطبة التى لم تستغرق فى يده من الساعة نصفها تبد غيرها وتستعاد مقاطعها بين قوم لهم من الخطر ومن الرأى شأن ... أى شأن .

أحقا أن شيئا مما انتجه قد سمعه الناس وأعجبوا به . وأى شئ . . نتاج نصف الساعة أو نحوها ، يا للأيام ...

وشعر كأنما كان قلبه يغوص عميقا . عميقا داخل نفسه . هل تصدق النبوءة ويصبح له على مر الأيام ذكر ؟ ...

أفياتى ذلك اليوم الذى يتبوأ فيه ما تبوأه شيوخ الأدب . وعندها ينضو ذلك الثوب الخلق من أثواب الحياة الجدية ويرفل فى آخر زاه جميل ؟ ... وعز عليه أن يفوه لصديقه بكلمة مما جاء لأجله .. فخرج .       وآثر السير ...

اشترك في نشرتنا البريدية