كنا قد وعدنا قراء الثقافة بمناسبة استفهام أحد القراء عن حقيقة الامر فى قصة أبى زيد بأن ننشر شيئا عن هذه القصة . وقد وردت إلينا بضعة ردود من حضرات القراء تناولت والبحث منشأ هذه القصة وتاريخ بنى هلال ، وقد عثرنا فى نفس الوقت على بحث للأستاذ أحمد أمين عن شخصية أبي زيد الهلالى نشر فى مجلة الاذاعة اللاسلكية بالعدد ٢١١ بتاريخ أول أبريل سنة ١٩٣٩ نجتزىء منه ما يأتي ،راجين من شاء من حضرات القراء أن يرجع لزيادة الالمام إلى هذا العدد .
كان أبو زيد هذا فى القرن الخامس الهجرى وهو من قبيلة " هلال" ونسب إليها فقيل هلالى .
وهلال هذه كانت قبيلة كبيرة بدوية تسكن نجدا يجاورهم فى مسكنهم قبيلة أخرى اسمها سليم ، وكانت هلال وسليم جفاة سلابين نهابين ؛ يخرجون من ديارهم فيغيرون على أطراف الشام والعراق حتى ضجت منهم الدولة العباسية وأرسلت فى أيام الواثق سنة ٢٣٠ حملة بأمر الفائد التركى ( بغا الكبير) لتأديبهم على ما ارتكبوا من فساد فى " المدينة " .
وهاجر قوم من " هلال" و "سليم " إلى مصر ونزلوا أولا فى الوجه البحرى ، ولكنهم ساروا سيرتهم الأولى من سلب ونهب ، حتى ضج منهم الناس ، فأمر الخليفة الفاطمى العزيز بالله (٣٦٥-٣٨٦) يطردهم إلى الصعيد ؛ ولكنهم فعلوا فى الصعيد كما فعلوا فى كل مكان من سلب ونهب وتخريب - وكان من بنى هلال هؤلاء ، فروع مختلفة ، منهم زغبة وربيعة وعدى ، فهم ضروهم واستغاث
أهل البلاد من شرهم ؛ وفى خلافة المستنصر الفاطمى ثارت بلاد المغرب عليه فنصحه بعض مشيريه أن يبعث إلى الغرب هؤلاء العرب من هلال وسليم ، فإن ظفروا بالثائرين فقد كسب تلك البلاد وأخضع الثورة وظفر بالخصوم ، وإن انهزموا وقى الله مصر شرهم ، فأرسلهم سنة ٤٤١ وأعطى لكل واحد منهم بعيرا ودينارين ، وقال لهم قد أعطيتكم المغرب ، ففرحوا بذلك وجازوا النيل إلى برقة ببلاد المغرب ونزلوا بها وافتتحوا أمصارها واستباحوها ، وكتبوا لاخوانهم فى مصر يدعونهم إلى السفر إليهم ويصفون لهم ما هم فيه من خبر ونعيم ، فأرادوا الرحيل فمنعهم المستنصر حتى يأخذ من كل واحد دينارين ، فعوض بذلك ما دفعه لمن قبلهم ! وسارت سليم وفروع هلال من دياب وزغب إلى تونس كالجراد المنتشر ، لا يمرون بشىء إلا أتوا عليه حتى وصلوا إلى تونس سنة ٤٤٣ ، وقسموا البلاد بينهم وبين قبيلة سليم ، فأخذت سليم شرق تونس وهلال المغرب ، ووقعت بين هؤلاء العرب وبين سكان البلاد الأصليين من البربر كقببيلة زنانه وصنهاجه حروب يطول ذكرها ، كما وقعت الفتن والحروب بين بعض العرب وبعض ، وبعض البربر وبعض ، وكان ذلك فيما بين سنة ٤٤٠ وسنة ٤٦٠ ه واشتهر فى هذه الحروب رجال كثيرون منهم دياب بن غانم وأبو زيد الهلالى .
هذه الحروب وهذه الوقائع فى القرن الخامس الهجرى فى بلاد المغرب هى ميدان لسيرة أبى زيد .
وهذه القصة ثلاثة أقسام : القسم الأول منها يصف تاريخ بني هلال فى بلاد السرو (وهي منازل حمير بأرض اليمن) وكان من أعيان الهلالية جابر وجبير أبناء االمنذر
الهلال ، وقد رحل جبير بأمه إلى نجد وصار فيما بعد سلطانها .
أما القسم الثانى فتدور حوادثه حول رحلة بنى هلال إلى نجد وقد ألجأهم إلى هذه الرحلة من السرو إلى نجد مجاعة عظيمة فى بلاد السرو باليمن .
وقد استقبل الهلاليون فى نجد استقبالا حسنا من الملك غانم وابنه دياب (وكان دياب من فرع جبير) ومن بنى زغبة .
وقد وقعت الحرب أخيرا بين دياب ابن غانم وأبى زيد الهلالى لأسباب نسائية يطول شرحها وانتهت بانتصار أبى زيد وخضوع دياب .
والقسم الثالث تدور حوادثه حول رحلة الهلالية إلى الغرب ، فان أبا زيد ذهب مع أتباعه إلى تونس ليبحث عن أرض خصبة لما حلت المجاعة بنجد ، فلما حلوا بتونس واتصلوا بالبربر حدث أن وقعت " سعدة" بنت الزناتى خليفة وهي من البربر فى حب " مرعي " أحد أصحاب أبى زيد وقد وقعت حروب بين الهلالية والزناتية بسبب ذلك انتهت بقتل الزناتى خليفة ، ثم اختلف الهلاليون فيما بينهم على قسمة املاك الزناتى خليفة ، وثارت الحرب بين أبى زيد ودياب انتهت بقتل دياب لأبى زيد ، فاجتمع قوم للأخذ بثأر أبى زيد منهم بريقع والجازية بنت الحسن وانتقموا من دياب وقتلوه ، وقد قتلت الجازية أيضا فى هذه المعارك .

