في البريد الأدبي للعدد الأخير من الرسالة طلبٌ من الأديب أحمد جمعه الشرباصي موجه إلى الأدباء للتحقيق في قصة قول أبي تمام: (إقدام عمرو في سماحة حاتم) ، وارتجاله: (لا تنكروا ضربي له من دونه - مثلاً. . .) . وهل قيلت أمام الخليفة أو أحمد ابن المعتصم أو أحمد بن المأمون، وقد ذكر الأديب الشرباصي ما يفيد: أن القصة لا صحة لها أصلاً ناسباً في ذلك أقوالاً لابن خلكان، وزاعماً أيضاً أن كتب الأدب ومذ كراته وكل المؤلفين في عصرنا هذا اعتمدوا أنها قيلت أمام الخليفة، فأعجب به الخليفة وقال لوزيره: أعطه ما يطلب. . . فطلب أبو تمام الموصل. . . الخ
وأبادر فأقول: إن المؤلفين وكتب الأدب ومذكراته لم يعتمدوا القصة - كما رواها -، وإنما ذكروا أنه امتدح أحمد بن المعتصم أو أحمد بن المأمون بقصيدة سينية؛ فلما انتهى إلى قوله: (إقدام عمرو. . .) ، قال له الكندي الفيلسوف: الأمير فوق ما وصفت فأطرق ثم رفع رأسه وأنشد: (لا تنكروا ضربي. . .) ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين
فعجبوا من سرعة فطنته ولما خرج قال الكندي هذا الفتى يموت قريباً) ذكر ذلك أبو بكر الصولي في كتاب أخبار أبي تمام ثم قال بعد ذلك (وقد روى هذا على خلاف ما ذكرته وليس بشيء والصحيح هو هذا وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته الموصل فلم أجد سوى أن الحسن بن سهل ولاه بريد الموصل) هذا ما نقله ابن خلكان بنصه. كما أن تغليط الحيص بيص وابن دحية إنما هو من الصولي. فالذي تتبعها إذن وغلطهما ليس ابن خلكان كما فهم خطأ الأديب الشرباصي. أما ما قاله ابن خلكان فهو (رأيت الناس يطبقون على أنه مدح الخليفة، وأن الخليفة أعجب به وقال لوزيره: أعطه ما يطلب فإنه يعيش أكثر من أربعين يوماً فطلب الموصل. ثم قال: وهذه القصة لا صحة لها أصلاً. وأورد بعد ذلك تحقيق الصولي، فنفىُ صحة القصة من ابن خلكان والصولي منصبٌ على تولية أبي تمام الموصل وإنشاده القصيدة في الخليفة. ولم يذكر البستاني في دائرة المعارف إلا ما صححه الصولي، وهو المشهور في كتب الأدب. وحينئذ من هو الذي قيلت فيه القصيدة؟ الواقع أن ذلك أمر تحقيقه سهل ميسور! فإننا لو رجعنا إلى ديوان أبي تمام لعرفنا أن القصيدة ليست في الخليفة وإنما هي في أحمد بن المعتصم، وهو ابن الخليفة المعتصم الذي اتصل به أبو تمام ونال جوائزه في ذلك الوقت وفيها يقول: هدأت على تأميل (أحمد) همتي ... وأطاف تقليدي به وقياسي
فالبيت نص في الممدوح اسمه أحمد؛ أما ما ذكر من أنها قد تكون قيلت في أحمد بن المأمون فليس بشي ذلك لأن أبا تمام المتوفى سنة ٢٣١هـ ـ قالها في أواخر حياته؛ والذي يكون في مجلسه الفيلسوف الكندي في هذا العهد ويقال له في القصيدة نفسها: (يا ابن الخلائف من بني العباس) هو أبن الخليفة أحمد بن المعتصم لا أحمد بن المأمون المتوفى أبوه سنة ٢١٨هـ وبشيء من التحقيق كذلك، نرى أن نسبتها إلى الخليفة في بعض الكتب إنما هي من سهو النساخ فربما كانت كما يأتي: (إن أبا تمام امتدح ابن الخليفة المعتصم بقصيدة سينية) فسقطت لفظة (ابن) وصار الكلام (امتدح الخليفة المعتصم. . .) وهذا مما يؤكد أيضاً أنها قيلت في أحمد بن المعتصم لا أحمد بن المأمون. وللنساخ من أمثال ذلك كثير.

