وليم سومرست موم كاتب واسع الأفق إنسانى النزعة ذائع الشهرة . ويندر أن يمر عام دون أن يفتح فى الأدب الإنجليزى فتحا مبينا ويضيف إلى المكتبة الإنجليزية كسبا مكينا . وقد تلقى النقاد جميع قصصه بالمدح والإطراء، وأثنوا عليها الثناء المستطاب . ولا جرم فقصصه تزداد شأنا على الأيام ، والمطبوع منها حتى الآن يربى على الملايين.
وموم من الكتاب الذين طوفوا فى مشارق الأرض ومغاربها ، وضربوا فى مناكها فأفادوا خبرة جمة ومعرفة واسعة ، وذلك فضلا عن دراساته العميقة وإلمامه الدقيق بخفايا النفوس وحقيقة المشاعر والأحاسيس .
أما طريقته فى الكتابة القصصية فهى الطريقة الصحيحة التى تواضع عليها أئمة القصة ، ومنهاجه هو المنهاج السليم الذى اصطلح عليه عامة النقاد ، وبخاصة جوستاف فلوبير Gustave Flaubert عميد القصة الفرنسية على الإطلاق .
فالقاص لا يكون مجيدا بارعا ، إذا اتخذ من القصة منبرا ، ونصب نفسه مرشدا وهاديا ، وأقام من نفسه حجابا حاجزا يحجب أحداث القصة من عيون القراء ؛ ففى ذلك ضياع ما فى القصة من لذة ومتاع ، ومطامنة من أقدار القراء واتهامهم بكلال الفهم والغباء . وإنما الواجب أن يتناسى القاص وجوده ، فلا يفصح هو عن مراميه ويفضح أهدافه ، وحسبه من القصة عرض الشخوص وسرد الأحداث دون الوقوف عندها والتعليق عليها ، وذلك كله فى اللمحة الدالة واللفتة المعبرة والإيماءة الوضاحة .
وعندى أنه لو توفر كتابنا القصصيون على دراسة فن موم واحتذاء منهاجه ، لكفوا عن نشر السخافات والحماقات ، وكفوا أنفسهم شر إفساد الأذواق والأخلاق، ولأصبحت القصة المصرية شيئا مذكورا ونتاجا مرموقا .
حدث فى أغسطس عام ١٩١٧ أن المهمة التى كنت أضطلع بها فى ذلك الحين أكرهتنى على الرحيل من نيويورك إلى بتروجراد وكانت التعليمات التى لدى تقضى بأن أسافر بطريق فلاديفستك حتى تتوافر لدى أسباب الأمان فبلغت المكان فى الصباح، وقضيت يومى بلا عمل، وأصبت قسطا كبيرا من المتعة . وكان من المقرر أن يقوم القطار على ما أذكر فى الساعة التاسعة مساء على وجه التقريب . فتناولت الغداء بمطعم المحطة بمفردى . وكان المطعم غاصا بالناس ، فتقاسمت مائدة مع رجل كان مظهره باعثا على الترفيه عنى وإدخال المسرة على نفسى . كان روسيا قارع الطول ضخم البنية إلى درجة تدعو إلى الاستغراب، وكان بطنه المتكرش يتأرجح إلى أعلى وإلى أسفل على شكل نصف قوس فى حركة رتيبة منتظمة . وبلغ من بدانته أنه لم يكن فى مقدوره الجلوس على مقربة من المائدة ، بل كان ينأى عنها قسرا عنه . أما يداه فكانتا صغيرتين بالقياس إلى حجمه ووزنه ، بيد أنهما كانتا مكتنزتين لحما وشحما .
وأما شعره الفاحم الناصل فقد توفر على العناية به وترجيله حتى يحجب صلعته اللامعة عن الأنظار . وناهيك بوجهه الأبيض الممتقع وذقنه الكبير الحليق - لقد كانا يذكران المرء بالبغايا العراة ويدخلان عليه شعورا بالنفور والازورار ! أما عيناه السوداوان اللامعتان فكانتا صغيرتين ، بيد أن فمه كان أحمر بارزا ينم عن شهوة حسية عارمة . وكان الرجل يبدو فى حلته السوداء على شىء من الأناقة . فلم تكن حلته مهلهلة غير أنها كانت رثة متهدلة يبدو أنها لم تعرف الكى أو النظافة منذ أن اشتراها .
وأما عناية المطعم برواده فكانت سيئة للغاية . وكان لفت نظر الندل أمرا أقرب إلى المحال . وسرعان ما شرعت أنا وصديقى فى الحديث . وكان الروسى يتكلم الإنجليزية جيدا وبطلاقة . أما لهجته الأجنبية فكانت ملحوظة ، ولم تكن على ذلك مدعاة إلى التبرم منها والضيق بها ، وقد ألقى على الروسى عدة أسئلة عن نفسى وعن مشاريعى . ونظرا لأن مهمتى عند ذاك كانت تحتم على أن أتخذ الحيطة فقد اصطنعت الخداع والمداورة ، وقلت له : إننى صحفى . فسألنى عما إذا كنت من كتاب القصة وعند ما صارحته بأننى أزجى سويعات فراغى فى كتابة القصص شرع يتحدث إلى عن الروائيين الروس المحدثين . وكان الذكاء يلتمع من بين ثنايا حديثه . رجل أنه ظهر بقسط وافر من الثقافة والمعرفة .
وكنا فى أثناء ذلك قد أفلحنا فى حمل الندل على أن يقدم لنا شورية الكرنب . وأخرج صديقى الجديد زجاجة صغيرة من الفودكا من جيبه ، ودعانى إلى مشاركته إياها ، ولا أدرى ما إذا كانت الفودكا أو الرغبة فى الحديث - وهى من طبيعة بنى قومه - هى التى جعلته ثرثارا يرسل الكلام إرسالا . وسرعان ما أطلعنى على جوانب كثيرة من حياته ، دون أن أبادره بالسؤال عنها . وحالى أنه يتحدر من أصل نبيل . لقد كان يحترف المحاماة وينتسب إلى جماعة
من المفكرين المتحررين الروس . وكان لزاما عليه أن يمضى شطرا طويلا من حياته بالخارج جزاء وفاقا على الزج بنفسه فى مشاكل مع السلطات القائمة . ولكنه كان الآن فى طريقه إلى أرض الوطن . وقد احتجزته أعماله فى فلاديفستك ، غير أنه ينتظر الرحيل إلى موسكو فى غضون أسبوع . وقد أعرب لى عن سروره برؤيتى إذا ما ذهبت إلى هناك . وأردف قائلا :
- هل أنت متزوج ؟ ولم أدر ما شأنه وذلك ، بيد أننى قلت له إننى متزوج
فتنهد قليلا واستطرد قائلا :
- أما أنا فمترمل . أما زوجتى فكانت امرأة سويسرية من جنيف على حظ كبير من الثقافة ؛ وكانت تجيد الحديث بالإنجليزية والألمانية والإيطالية إجادة تامة . وكانت الفرنسية بطبيعة الحال لغتها القومية . أما إجادتها للروسية فكانت فوق المتوسط ، غير أنه لا يسعك سوى الإعجاب بلهجتها الروسية السليمة .
ومر الندل ومعه صينية ملأى بالصحاف فناداه . وسأله فيما أرى - وذلك لأننى لم أكن أعرف شيئا من الروسية - عن مدى انتظارنا حتى نتناول طعامنا .
وارتسمت على الندل معالم الدهشة ، وتمتم ببعض كلمات فى سرعة ، غير أنها أنزلت السكينة على قلبينا ، فتنفس صديقى الصعداء ، ومضى الندل فى طريقه على عجل .
وقال صديقى :
- منذ وقوع الثورة والانتظار فى المطاعم أمر بغيض للغاية .
ثم أشعل لفافته العشرين ، وتطلعت أنا إلى ساعتى ، وتساءلت عما إذا كنت سأتناول وجبة دسمة قبل أن تأزف ساعة الرحيل .
ومضى صديقى فقال :
- لقد كانت زوجتى ذات مواهب جمة ، وكانت تقوم
بتعليم اللغات في مدرسة من خيرة المدارس بيتروجراد أنشئت خصيصا لبنات النبلاء . وعشنا السنوات الطوال سويا في ونام ووفاق . بيدأنها كانت ذات طبع ناري غيور ، ولسوء الحظ كانت تحبنى إلي درجة الجنون !
وكان عسيرا ألا تتغير القسمات المرتسمة على وجهي ، وألا تكتسى بطابع السخرية والأستهزاء . فلقد كان صاحبي من أقبح خلق الله ، وكان إسرافه في استعمال الألفاظ أمرا ذيما جدا . . واستطرد صاحبي قائلا :
- وأنا لا أزعم بأنني كنت مقيما على عهدي معها . فلم تكن في شرح الصبا عندما اقترنت بها . وكان ذلك منذ تسع سنوات . وكانت هي صغيرة الحجم دقيقة الجرم نحيلة العود . أما وجهها فكان دميما منقبض الأسارير ، ولسانها سليطا طويلا ينطق بقوارص الكلم وأفظع الشتائم . وكان حب التملك والاستحواذ مسيطرا عليها ، ولم يكن في مقدورها أن تحتمل تعلقي بامرأة أخرى سواها ولم تكن تقار من النساء اللواتى اعرفهن فحسب ، بل من أصدقائي أيضا وهم كتبي وقطتي وحدث ذات مرة في أثناء غيبتي أنها تخلصت من إحدي ستراتي ، لا لشئ سوى أنني اوترها على ستراتي الأخريات . ولكنني ذو مزاج هادئ تطيب له النفس ، فكانت نفسي مشقة احتمال طباعها الشرسة ، فتلك الطباع من صنع الله كالطقس الردئ أو الصداع الذي يشج الرأس سواء بسواء .
وكانت تتهمنى بالمروق والخيانة ، وقد قيدت اتهاماتها طالما كان في مقدوري أن أفعل ذلك ، حتى إذا أعياني الجهد هززت منكي وأشعلت لقافة
وكانت المشاجرات التي تخلقهالى خلقا لم تنل مني . إذ كنت أعيش على طريقتي الخاصة . وفي بعض الأحابين كنت أتساءل متعجبا عما إذا كان ما تحمله لي هو حب عاطفي أم كره متلفظ . وكان يبدو لي أن الحب والكره يسريان في دمائها جنبا إلي جنب .
وكان من المرجح أن تمضي في حياتنا على هذا المنوال
لو لم يقع حادث غريب للغاية ذات ليلة . لقد استيقظت على صوت صرخة حادة منبعثة من زوجتي ، وكان يبدو عليها الذعر . فسألتها عن جلية الأمر ، فقالت إنها كانت تعاني كابوسا مخيفا . لقد حلمت أنني كنت أحاول قتلها . وكنا نعيش في الدور الأهلي بأحد المنازل الكبيرة . لقد حلمت أننا في اللحظة التى بلغنا فيها إلى الطبقة التي تقطنها ، أمسكت أنا بها وحاولت أن أقذف بها من على حاجز السلم . وكان بيننا وبين الدور الأرضى ستة أدوار ، وهذا يعني الموت المحقق .
وكان تأثير الحلم بالغا . وكانت هي ترتجف بشدة . فلم أدخر وسما لتهدئة خاطرها . غير أنها في صبيحة اليوم التالي أشارت إلي الموضوع مرة أخرى ، وما فتئت تردد الإشارة إليه لمدة يومين أو ثلاثة . ورغما عن عدم مبالاتي وتفكهي بالموضوع ، كنت أرى أنه قد استقر في رأسها . ولم احد مندوحة عن التفكير فيه ، لأنه أبان لي عن فكرة لم تجل بيالي قط . كانت فحسب أنني امقتها ، وأنني أرد التخلص منها . وكانت تدرك بطبيعة الحال أنها غير محتملة وخطرت لي جليا فكرة قتلها ، وخواطر الناس لا يمكن إحصاؤها . وفي بعض الأحيان تلج اذهاننا خواطر نخجل من الاعتراف بها . كنت أتمنى ان تغر زوجتي مع عشيق لها ، وكنت أتمنى أيضا أن تموت على حين غرة حتى أنال حريتي . ولكن لم يخطر لي قط بصفة جدية ان أتخلص منها عامدا متعمدا ، وإن كانت في الواقع عبثا لا يطاق .
وكان للحلم أفاعيل سحرية ، لقد أدخل الخوف على قلب زوجتي فحبست لسانها في حلقها . وكنت كلما صعدت درجات السلم ، كان محالا ألا أتطلع إلى أسفل . وكم كان سهلا إخراج الحلم إلي حيز الواقع ! . كان حاجز السلم واطئا وبحركة سريعة كان يمكن أن ينتهي كل شئ . وحاولت أن أطرد هذه الفكرة من ذهني إلى أن أيقظتني زوجتي ذات ليلة وكنت متعبا للغاية ، وذلك بعد مضي عدة شهور على حلمها المروع . وكنت ثائرا فائرا أما هي فكانت
ترتعش من قمة رأسها إلي أخمص قدميها . لقد تراءي لها الحلم مرة أخرى . ثم انفجرت تبكى ، وسألتني عما إدا كنت أمقتها . فأقسمت بجميع القديسين الروس أنني أحبها حبا جما . وأخيرا آوت إلي فراشها .
وكانت الفكرة أعظم مما أستطيع النهوض به . فاستلقيت على فراشي ، وأمعنت النظر ؛ كان يبدو لي أنها تهوي من أعلى الدرج ، وسممت صرختها وصوت وقوعها وهي تصطدم بالأرض الحجرية . ولم أتمالك أن ارتجفت ، وارتعدت أوصالي .
وتوقف الروسي عن الحديث . وكانت حبات العرق متجمعة على جبينه . لقد روى قصتته على خير وجه ، حتى لقد اصغيت إليه بكل حواسي . وكانت هناك بقية من الفودكا في الزجاجة فسكبها في الكأس وازدودها في جرعة واحدة .
وسألته بعد لحظة ساد فيها السكون :
- وكيف قضت زوجتك نحبها ؟
فتناول منديلا قذرا من حبيبته ومسح به جبينه وقال :
- لقد وجدت ميتة في ساعة متأخرة ذات ليلة بمصادفة عجيبة . ومن الذي وجدها ؟
- وجدها أحد السكان . لقد جاء بعد وقوع الكارثة بقليل .
- وأين كنت . ؟ وليس في مقدوري أن أصف تلك النظرة الناكرة الخبيثة التى حدثنى بها .
- كنت أقضي المساء مع أحد أصدقائي . ولم آت إلا بعد وقوع الحادث بساعة وفي تلك اللحظة أحضر لنا الندل الطعام فانهال عليه الروسي والتهمه فى دقائق معدودة .
وأزفت ساعة الرحبل فنهضت واقفا للحاق بالقطار فافترقت مع صاحبي . ولم أره منذ ذلك الحين ، ولم يكن في إمكاني بعد ذلك أن احزم رأيي على شيء : هل كل يمزح أم كان جادا صادق الرواية . ؟

