الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 456الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأسبوع، الرغبة الأخيرة

Share

...خرَّ "مسيو دابيو" صريعاً في ميدان القتال برصاص الاعداء. وبعد عشرة أيام من مقتله تسلمت أخته مخلفاته التي عثر عليها في خيمته وكانت تتألف من بعض الملابس، وقليل من النقود ، وحزمة صغيرة من الكتب والأوراق، ورسالة للأخت وجدت في طيات ثيابه كان قد سطرها قبيل الهجوم الأخير. وفي تلك الرسالة يقول لأخته :

" إليك - وحدك - يا أختي العزيزة أوجه هذه الرسالة، وأنا قوي الإيمان أنها ستكون آخر رسائلي. فإن الهجوم على العدو اليوم سيكون عنيفا حارا، وقد صحت عزائمنا على أن نبذل فيه المهج والأرواح في غير شح ثمناً للنصر. ولعل رسالتي هذه لا تصلك إلا وأنا في عداد الذين استشهدوا في الدور عن حياض الوطن العزيز. سيبدأ الهجوم الأخير بعد ظهر هذا اليوم، وإن الموت لن يروعني ولن تنزعج منه نفسي ، فستفارقني به آلامي وأحزاني، وستنجلي مني هذه الثمرة من العذاب التي امتلكت قلبي واستولت على جميع حواسي ، ولم تضعف من حدتها قصف الدافع ولا رعد البنادق ولا استمرار القتال. بحكم عملي كضابط للغرفة سأكون في مقدمة جنودي، وسأقدم لهم مثلا عاليا في التضحية؛ فهذه هي الفرصة الوحيدة الجميلة لمهمل مثلي لا أثر له في الحياة ولا قيمة . وعلي أن انتهزها فأسجل الحمي في قائمة الذين نالهم شرف الاستشهاد في الدفاع من وطنهم

قد يدهشك هذا مني الآن عندما تذكرين ما كنت

عليه دائماً من المرح، وأني لم انظر قط إلي الحياة مثل هذا المنظار القاتم إن حالتي قد تبدلت بين عشية وضحاها، فساورتني الهموم، وسيطرت على قلبي الآلام والأحزان، واصبحت احس كأني مغلوب علي أمري منذ سنوات عديدة، ويزداد شعوري كل يوم ان حياتي اضحت عبثاً ثقيلا لا يقوى ضعيف مثلي على احتماله!

لو تصورت أيتها الاخت الكريمة ، أنني بت أعجز عن حمل قلبي الذي يخيل إلى أنه كرة ثقيلة من الرصاص، لوافقتني على ما أرى من أن الموت خير لي من مثل هذه الحياة كما سأفعل اليوم.

إن رغبتي الأخيرة - قبل أن أودع هذه الحياة المليئة بالمآسي أن أكشف لك عن نفسي وعن قلبي، لتقرئي في صفحتيهما سرا كتمته من الناس جميعا.

سأكتب لك هذه الاسطر القليلة، ولك فقط سأكتب وأنا على أبواب الآخرة. ومنها ستفهمين لماذا صرت انتظر بصبر نافذ تلك اللحظة تزايلني فيها الحياة لم تمض سوى أيام ثلاثة منذ أمرني القائد العام أن أخف بفرقتي لمساعدة فريق من الحيش حصره العدو وسد عليه جميع المسالك. وإليك تفصيل ما حدث هناك:

ما إن وصلنا إلي مكان المعركة حتى هالنا عدد القتلى وقد تناثرت جثثهم هنا وهناك حتى أكتظ بها الميدان وقد بذلنا جهودا جبارة في زحزحة العدو عن مراكزه وتخليص جنودنا من بين مخالبه وبعد فترة شمل الهدوء ميدان القتال، وجعل الجنود يمزون الجرحي من القتلى. ويحملون الجرحى إلي مستشفى الميدان. واخذت انا بمعاونة بعض جنودي في التعرف على اشخاص القتلي وكتابة أسمائهم وعناويهم تمهيداً لدفنهم في احتفال عسكري مهيب. كان بين القتلي جندي شاب، لم تكن عيني قد وقعت عليه من قبل، فما إن وقفت إلي جواره لأجمع المعلومات اللازمة عنه في مثل هذه الحال، حتى تقدم أحد الجنود وسلم

إلى حافظته التي عثر عليها في ثنايا ملابسه، ففتحتها لأعرف ما بها، ولأقف منها على اسمه وعنوانه حتى يتيسر لنا أن نكتب إلي أهله بما آلت إليه حاله. كان اسمه "أميليو دوراندي" ولم أكن قد سمعت هذا الاسم من قبل، وبينما أنا في شغل بتدوين اسمه وعنوانه إذا برسالة تسقط من الحافظة عرفت فيها خط صاحبتها التي بعثت إليه بها، فاندفعت لقراءتها بشوق ولهفة، وعجبت كثيرا كيف لم ينقطع قلبي عن الحركة آنذاك!

إنك تعرفين خط "ماري" ولو انك رأيت الرسالة التي كانت في أمتعة "أميليو" لعلمت انها هي التي كتبتها وبعثت بها إليه.

ليس الموت بفظاعته. وليست الحياة بمآسيها، وليست الحرب بأهوالها، بأشياء تذكر أمام من يقرأ رسالة تفيض حباً، وكتاباً يسيل لوعة وغراماً من زوجته إلى رجل سواه لقد شعرت حين قرأت رسالتها إليه أني قد طعنت ألف طعنة في ألف مكان من جسدي.

لم أسمع طوال حياتي الزوجية من "ماري" كلمة من كلمات الحب لها مثل حرارة الكلمات التي بعثت بها إلى "دوراندي" في هذه الرسالة التي بين يدي.

متى وأين تعرفت إلى "دوراندي"؟ في أي مكان قابلته؟. في الطريق؟ . في إحدي الحدائق؟ في دار من دور اللهو؟ لست أدري! وأكبر الظن انني لن أدري أبداً. وماذا تهمني معرفة ذلك الآن، والذي بين يدي من

عند ما كانت هذه الخواطر تطيف برأسي، وحرارتها تضطرم في قلبي، كنت مسندا ظهري إلى جذع شجرة أطيل النظر إلي ذلك الجندي الذي لوث شرفي، وكدر صفو هنائي، وحطم فؤادي.

كنت أتخيل وأنا انظر إليه، أن وجهه قد ارتسمت

على صفحته علامات الاستهزاء بي والسخرية مني، إنه من غير شك منافس محظوظ.

كان الجنود يقومون بواجبهم في دفن القتلى بعد أن قام القس بالمراسم الدينية في مثل هذه الحال، فخطر لي فجأة أن هذا الإنسان قبل أن يكون منافساً قويا لي كان جندياً من جنود الوطن البواسل، وقد ناله شرف الموت في الدفاع عن وطنه. فتقدمت إليه من غير وعي ولا شعور وحملت جثته الهامدة بين ذراعي، وعوامل الحقد عليه الإحترام له تصطرع في نفسي، ولكن عندما ذكرت حب ماري له، ولوعتها عليه، وبالغ أسفها وعظيم حزنها مني بلغها نبأ موته، تأملته بابقاء مرة اخري، فأيقنت أن هذا الرجل قد أحبها هو الآخر حبا يفوق العبادة، وهنا تراخت أعضائي، وفترت همتي، ولم أدر ماذا يجب أن أفعل.

لم أعرف جيدا ماذا حدث بعد ذلك، وكل ما أذكره الآن أني ارتميت على جثته وقبلته قبلة حارة لا تكون إلا من الأخ لأخيه، ثم نزلنا به إلى قبره وهلنا التراب عليه

أصارحك يا اختي العزيزة أنني كنت أحس في ايامي الأخيرة من اعماق قلبي أن حب ماري لي قد فئأت حرارته ووهت قوته، ولم تكن له تلك الروعه التي كنا نحسها في أيامنا الأولى ولكن الذي لم يدر في خلدي، ولم يمر بخاطري حينذاك انها مشغولة بغيري. كم كنت مخطئاً آنئذ!!

ماذا تريدين أن أقول لك أكثر من هذا؟ "ماري" تلك التي وهبتها قلبي، وآثرتها على نفسي، وأحلتها أرفع محلة في فؤادي تخونني وتدوس على شرفي، وتلوث سمعتي هل تطيب لي الحياة بعد ذلك ؟ .

يلوح لي أنك قد الآن أدركت السبب في أني استعجل

أجلي لأفارق هذه الدنيا التي امتلأت بالعار والشنار . أختي العزيزة:

سجا الليل وأرتفعت فوهات المدافع، واحتجبب السماء خلف ستر غير كثيف من الغيوم، وأرسل القمر اضواء شاحبة، تبعث الانقباض إلي النفس والاضطراب إلى القلب، وتتراءى فيها ظلال الجنود في أماكنهم ينتظرون الأمر ببدء الهجوم.

إني قوي الاعتقاد بأن قلبي سيحمد لي استعدادي لاستقبال هذا النوم الأدي الذي تطمئن فيه النفوس، وتستقر فيه الخواطر، وتتلاشي فيه آلام الحياة وهمومها!! لا يستطيع أحد في هذا العالم ان يحول بيني وبين تنفيذ رغبتي في الرحيل عن هذه الدنيا؛ فقد صحت عزيمتي

وقر قراري إني أتقدم إلى مصيري المحتوم بخطوات ثابتة، وثقتي كبيرة في أن الحياة ستكون بالنسبة "لماري" عادية وفوق العادية، كانى لم أعترض طريقها في هذا الوجود في يوم من أيام الحياة.

أختي الكريمة : لقد ابتدأت المعركه ، فدوت المدافع ، وتناثرت القذائف وتصاعد الدخان إلى أطباق الجو، وتحتم على أن آخذ مكاني في مقدمة الجند، وإني أدع القلم الآن وأقطع الكتابة مضطرا .. فالوداع، الوداع إلي الأبد يا أختي الحبيبة !! ."

اشترك في نشرتنا البريدية