الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 463 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأسبوع، الصورة البيضاوية

Share

" ولد هذا الكاتب عام ١٨٠٩ فى مدينة بوسطن من والدين احترفا مهنة التمثيل ، ونشأ فى عهد كان الأدباء فيه ينشأون من أسر غنية محترمة ، ويعتبرون فيه الاشتغال بالأدب هواية ولذة عقلية . ومات عنه والده صغيرا ، فورث عنهما نفسا قلقة وإحساسا مرهفا ، وشعورا باليتم والضمة ، كما أخذ عنهما روحا فنية وخيالا طنقا . فكفله قريب له وأتاح له فرصة التعلم ، فدخل الجامعة ، ولكنه أدمن الخمر والميسر ، فاضطر إلى تركها . وانضم جنديا إلى الجيش ، ولكن وصيه عمل على إدخاله الكلية الحربية ، فطرد منها وعاش زمنا فقيرا مشردا . وكان يباشر الكفاية وفرض الشعر . فنال جائزة فى مباراة أدبية نظمتها إحدى المجلات ، وأصبح المحرر الأدبى لتلك المجلة ، فذاع أمره وأقبل الناس من أجله على قراءة المجلة ، فتزوج واستقرت حياته زمنا . ولكنه كان يقبل على الخمر والمخدرات حين تضطرب نفسه وتثور أعصابه . وكان كثيرا ما ضايقه أن يكسب صاحب المجلة الكثير ولا ينال هو إلا الليل . فاختلف مع صاحب المجلة وترك العمل ، ومات زوجه فساءت حاله وأصبح حطاما يعيش محمورا مخدرا  ثم صحا من غفوته ذات يوم ، فآ لى على نفسه ألا يقرب الخمر والمخدرات ، ولكنه أخطأ مرة وتناول الخمر مجاملة . فرجع إلى سابق حاله ، فمرض ومات وهو فى الأربعين .

" وكان قصصيا شاعرا ، امتاز بمخيلة مخترعة تجنح للغريب ، فتختار أعنف الأحاسيس والعواطف ، وأحلك الصور والأخيلة ، وأغرم بعالم الأسرار وصور الجنون والموت . ووضع قصصا قصيرة خالدة استوحاها من

أحاسيسه وعواطفه وتجاربه الخاصة ، لا من واقع الحياة ؛ كتبها فى أسلوب يمتاز بقوة التعبير وفصاحة البيان والمقدرة على الإفادة فى الرمز والمجاز والاستعارة . وهو موفق فى ألفاظه ومعانيه ، تتدفق تلك الألفاظ مختارة منتقاه لتدفق السبل فى سهولة ويسر ، ويعتمد فى تأثيره على الآثار الحسية للألوان والأصوات ، والصور الجميلة الشرقية والفرطية . ويبدو فى أحسن حالاته حين يحل لغرا عقليا ، وحين يصور خلجات عاطفة معينة أحسها هو . ويعتبر أول من وضع أسس فن القصص البوليسي " .

( المترجم )

كان الجرح الذى أصبت به جرحا بليغا . فخاطر خادمى بالدخول بى إلى قصر صادفه حتى لا أقضى الليلة فى العراء . وكان القصر فاخرا ، يتسع عابسا فى جلال بين جبال الأبين . وبدا عليه أن أصحابه قد تركوه حديثا على أن يرجعوا إليه سريعا . فنزلنا فى أقل الأجنحة فخامة وأصغرها حجما ، وهو يقع فى أحد الأبراج النائية . وكان جناحا زاخرا بزخارفه الرائعة وإن تقادم عليها العهد . وقد علقت على جدرانه طافس وأسلاب متعددة الألوان والأشكال ، كما علق عليها عدد كبير من الصور الحديثة الرسم ، وضعت فى إطارات شرقبة مذهبة ، وصنعت فى دقة ومهارة . ولعل ما استثار اهتمامي العميق بهذه الصور هو ما كنت أستشعره من إرهاق وتعب . فطلبت من خادمى أن ينلق نوافذ الحجرة ، فقد أقبل الليل ، وأن يشعل ألسنة الشمعان الطويل القائم عند رأس الفراش ، وأن يفتح الستائر المصنوعة من الخمل الأسود التى تحيط بهذا الفراش ، ورغبت فى هذا حتى أستسلم للراحة وإن لم أنم ، فتساعدنى هذه الراحة على تأمل الصور ، وقراءة مجلد صغير وجدته على الوسادة ، يصف هذه الصور وينقدها .

فقرأت وقرأت . وجعلت أفحص تلك الصور نهما وبكل جوارحى ومرت الساعات الرائعة سراعا ، وانتصف الليل العميق ، وضايقني موضع الشمعدان ، فوضعته فى

مكان يسكب منه نورا أشد ضياء على الكتاب .

فأنتج هذا العمل ثمارا لم تكن متوقعة ، فقد سقط ضوء الشموع على جانب من الجدار كان فى ظن عمود من عمد الفراش فرأيت صورة لم أكن قد رأيتها من قبل ، وكانت صورة لفتاة صغيرة كادت تتضح ، فألقيت عليها نظرة عجل . ثم أغمضت عينى ولست أدرى لماذا قمت بذلك ، وفكرت فى السبب وأنا مغمض العينين ، فتبينت أنها حركة غير إرادية لأ كسب الوقت ، فأفكر وأتيقن من أن خيالى لم يخدعنى ، وأهدئ من نزواته وأخضمه حتى يكون أصدق نظرة وأرجح حكما . ثم جعلت أفحص الصور بعد ذلك .

( والآن لا يداملنى شك فيما أرى ) ، فقد بدء الضوء الأول الذى وقع ، على الصورة من الخمول الذى جعل يستولى على حواسى ،فأيقظنى ثانية . وكانت الصورة تمثل فتاة صغيرة يبدو منها رأسها وكتفاها ، وكان الإطار بيضاوى الشكل فاخر الصنع ، ولم يهززنى جمال التقاطيع ولا دقة الرسم ولا أعتقد أن خيالى المرهق هو الذى جعلنى أخطئ فأظن الرسم إنسانا حيا ، فأطلقت عنان الفكر باحثا عن السبب ، وجعلت أفحص الصورة ، وأديم النظر إليها حتى أعرف ما استثار مشاعرى ، ثم ألقيت برأسى على الوسادة ، وأحسست بالراحة عندما اكتشفت أن سحر هذه الصورة يرجع إلى الصدق فى التعبير الذى يبدو على وجه الفتاة . ووضعت الشعدان فى مكانه الأول وأنا أستشعر الاحترام والجد . فعجبت ما سبب اضطراب نفسى . ثم أمسكت بالمجلد الذى يتحدث عن الصور وتاريخها . فقرأت ما يأتى :

" كانت عذراء ذات جمال نادر . تنبعث منها الحياة كأنها النغم الحلو ، وبدا الشر فى الوقت الذى رأت فيه الفنان وأحبته وتزوجت منه . وكان الفنان رجلا عاطفيا جاد التفكير ، ممتلئ حياة ونشاطا ، وهب نفسه للفن وتزوج منه . وكانت عذراء ذات جمال رائع ، يفيض منها الضياء والابتسام ، وينبع منها العطف والحب ، مرحة الأعطاف

كأنها الغزال ، ذات روح منطلقة حية . وما كانت تكره فى الحياة غير الفن لأنه ينافسها فى حبيبها ، ولم تكن تحتمل رؤية لوحة الألوان ولا أدوات الرسم التى كثيرا ما صرفت زوجها عنها . وداخلها الرعب والفزع عندما تحدث إليها زوجها ذات يوم عن رغبته فى رسم صورة لها . ولكنها كانت زوجا طيبة ومطيعة ، فجلست على الرغم منها عدة أسابيع فى حجرة من حجرات البرج العالية المظلمة .

" ولم يكن بهذه الحجرة غير طاقة صغيرة يسقط منها الضوء على لوحة الرسم وأما الفنان فقد وجد المجد فى عمله ، وكان رجلا عاطفيا متقلبا ، ضاع فى خيالاته وأوهامه ، حتى إنه لم يعد يرى أن الضوء الذى كان يسقط باهتا من الطاقة قد أضعف صحة زوجه وأخمد روحها . ولاحظ الجميع ذلك إلا هو فلم يلحظ شيئا . وأما هى فقد ظلت ترسم ولا تشكو مع كل ذلك ، لأنها رأت أن الرسام الشهير قد أصابته حمى الحماسة ، ووجد لذة وسرورا فى عمله . وظل يعمل ليل نهار لا يستريح ولا يهدا حتى يسجل من أحبته ، ومن جعلت تذري فى سبيل وتضمر . وقال من رأى الصورة حينذاك إنها حلق رائع ، ودليل على عظمة الفنان ومهارته فى استعمال وسائله وأساليبه ، كما انها كانت دليلا على حبه المعبق لزوجه . تلك التى اختارها فأحسن الاختيار .

" وشارفت الصورة على النهاية ، وأصبح نادرا ما يحول بصره عنها لينظر حتى إلى ملامح أنموذجه ، ولم يكن يدرى أن الطلاء الذى يضمه على اللوحة إنما يأخذه من وجه تلك التى تجلس أمامه ومضت الأسابيع ، ولم يبق من عمله إلا لمسة واحدة من ريشته يضعها على الفم ، وأخرى يضعها على العين . فاضطربت روحه كما يضطرب اللهب فى الصباح . ثم قام باللمستين . ووقف مأخوذا أمام لوحته باهت اللون يرتعش ويصيح : إنها الحياة نفسها . ثم التفت إلى زوجه فوجدها قد ماتت " .

حسن لطفى المنفلوطى

اشترك في نشرتنا البريدية