الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 461 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأسبوع، الطبيب الخائف، قصة للكاتب الأمريكى بن هتشت

Share

جلس الدكتور فرانك وب على حافة مقعده فى زنزانته فاقد الحركة ، كأنه قد تجمد فى مكانه ، وكان حلقه يحترق ، وحاول أن يبتلع ريقه ، ولكن ذلك الشئ الذى يسهل عليه عملية الابتلاع كان لا يطاوعه ، ولم تساعده عضلات فمه على هذا بالرغم من محاولاته العديدة ، وهو يلتقط أنفاسه فى جهد .

وتشنجت أصابعه على عنقه ، ولكنه أحس بشئ ينبض ، إنها الحياة تتدفق فى داخليته ، ولما رفع أصابعه كان يشعر أن هناك شيئا ما زال يحيط بعنقه . شيئا يخنقه ولا يحتمله ... إنهم يشنقونه ... فصرخ عاليا .

وأمسك الحارسان بذراعيه ، ولم يقاوم ، لقد أحس براحة عجيبة الآن . إذ تمكن من ابتلاع ريقه .

يا لظلمة الليل فى الخارج ، إن رائحة ذلك السجن العجيبة تنفذ حادة إلى أنفه .. آه .. لو تركوه للهواء الطلق ولو دقائق قليلة ، لو تركوه يقف فى الشارع ليستنشق هواء البحيرة النقى . ولاحظ ملاحظة غريبة أثناء تنفسه ، لكأن شيئا يتحرك فى داخليته ، مخيفا غامضا ، وهو يزحف فى شرايينه . وإذا به يدرك فجأة أن ذلك الشئ الذى يشعر به بين معدته وقلبه ويخافه إنما هو ذات نفسه . إنها نفسه التى يغمره الشعور بها أكثر من أى شئ عداها .

إنه لا يمكنه أن يراها أو حتى يفكر فيها ، كل مايقوى عليه هو أنه اثناء جلوسه يشعر بذلك الشئ ينبض ويحترق ويتعلق ويتحرك فى داخليته ، ويمسك بأنفاسه ، وكأنه يود الخروج من فمه .

ثم إذا بعقله يتفتح ، وقد بدأ يفكر منفردا ، بعد أن

طرد ذلك الغموض بعيدا عن تفكيره ، وكأنه يقرأ فى كتاب مفتوح .

إن هذا الشئ الذى يتحرك فى داخليته إنما هو الحياة ، لم يكن هو الخائف ، ولكنها الحياة ، إن قلبه ورئتيه وكبده ومعدته وعظامه وشرايينه الصحيحة كلها ستهلك حالا ، ولن يمكنه أن يلاحظ آلامها .

وفى لحظة واحدة كان ينفذ إلى جوهر نفسه ، ثم إذا بافكاره تتحول . فها هو ميت وجسده يملأ الكفن .

كان يجلس بين حارسيه وهو يرتعش ، ثم اندفع فى البكاء ، وهو يغمض عينيه ويهز رأسه ، فيشعر ببعض الراحة لذلك ، ولكن سرعان ما عاد ذلك الشئ يحترق فى داخليته . وما زال الغموض عالقا بالهواء الذى يستنشقه .

وجعل يتأمل نفسه ، إن الحياة تصرخ فيه ، إنه يدرك ذلك الشعور الآن . إنه الخوف ، وإذا ما أمكنه أن يوقفه عند حده فهو فى خير .كل التأثير الذى سيشعر به أن معدته تحترق فحسب .

وعاد ثانية إلى البكاء ، وهز رأسه فشعر بالراحة وهو يفعل ذلك .

وبدأ يفكر ، فراودت عينيه صور المشنقة والحبل والكفن ، كان يحاول أن يفكر فى شئ آخر . فى ماذا ؟ . ماذا ؟ . لم يجد جوابا شافيا ، كان يحاول أن يذكر اسما ، موضوعا ، ولكن عقله لم يطاوعه . لقد تركه إلى حياة أخرى يفكر فيها بمفرده .

سيقف حيا أمام المشنقة ، فترة قصيرة ، ثم بعدها سيموت . بين حياته ومماته ستكون هناك لحظة دقيقة ، وها هو يحاول أن يعيش خلال تلك اللحظة .

ها هى المشنقة ، وها هو الحبل يلتف حول رقبته . . فى ثانية واحدة . الثانية الأخيرة . يا إلهى . لقد سقط بسرعة . إنه يسقط . يسقط . والموت يلاحقه . يلاحقه . إنه يقاوم فى جنون . . فى قوة . ولكنه كان ما زال يهوى إلى أسفل .

لربما قطع الحبل ؛ فهو إذا سيسقط على الأرض . ولكن كلا , ها هو الموت .

وصرخ الدكتور وب , وهب واقفا على قدميه ، فأمسك به حارساه ، وكان يصرخ : " اشنقونى بالله . . أخرجونى من هنا واشنقونى فأعاده الحارسان إلى مكانه  بدأ يبكى وينتحب ، فيصرفه البكاء عن أى شئ آخر ، واستمع إلى صوت بكائه ، إنه هو الذى بكى ، إذا فهى نفسه التى تأتى بهذه الأصوات , نفسه التى يمكنه الآن أن يلاحظها ويعرفها .

ولكنه عاد مرة ثانية يشعر بأن شيئا قادم نحوه ، إنه يعرفه .. لقد أغمض عينيه ، وعض بنواجذه ، إنها إرادته تدق شرايينه ، وانتظر لحطة واحدة .. لقد تذكر اسما .. جو .. جو .. هو اسم الرجل الذى قتله ، وإذا بشعوره يتحول إلى تلك اللحظة الخاطفة الفاصلة بين الحياة والموت . وبدأت تغمره صوره وهو يسقط .

ورفعه الحارسان وقد خافا ان يفلت منهما ، وكان يصرخ مقاوما : " يا إلهى . . اشنقونى . . انتهوا منى . . رحمتك يا إلهى " وتوالت صرخاته .

استيقظ المذنبون جميعا ، وتعالت أصواتهم بالصياح ، وكان هو يقاوم الحارسين بكل ما أوتى من قوة . فلويا يديه حتى أدمياهما ، ولكنه كان يستعذب الألم ، كان يصرخ مطالبا أن يشنقوه خوفا من أن تعاوده تلك اللحظة الدقيقة ثانية . فتح الباب ودخل مأمور السجن وطبيبه ، فحقنه بالبرووفين ، ولكنه لم يجد شيئا ، بل تعالت صيحاته عن قبل ، وهزه مأمور السجن فى عنف وهو يقول : " لن تشنق قبل الساعة السابعة صباحا .. صه .. صه .. " ونظر الطبيب إلى ساعته .. كانت الخامسة إلا ربعا .

ولكن الدكتور وب كان يتعلق بهما وهو يصيح : " اشنقوونى الآن . . الآن . . أنا لا يمكننى احتمال كل ذلك " فنظر المأمور والطبيب كل منهما إلى الآخر ثم هزا رأسيهما .

وبعد مضى عشرين دقيقة من ذلك كان الدكتور فرانك وب يسير  نحو المشنقة . كان ممسكا بالقس الذى يسير بجانبه ، وقد خارت قواه ، وفغر فاه ، ولا يمكنه أن يعيد كلمة واحدة مما يقوله القس .. إن اللحظة الرهيبة آتية ، وسحبوه إلى حجرة الموت .

كان فاقد الحركة ، لا يرى شيئا مما حوله ، ولكنه كان يهمس : " أسرعوا . .أسرعوا . . " وشعور الخوف من الموت يذيب روحه .

وفصل جسد الدكتور فرانك وب بعد أن ظل معلقا لمدة ثمانى عشرة دقيقة .

ولكن بعد مضي عشر دقائق منذ أن أخرجت الجثة من عرفة الموت ، دق التليفون فى غرفة مأمور السجن فأجاب : إنها الرئاسة تتكلم . . فلقد عدل الحكم على الدكتور فرانك وب من الإعدام إلى السجن المؤبد بعد مناقشة دامت طيلة الليل !

اشترك في نشرتنا البريدية