جلس الدكتور فرانك وب على حافة مقعده فى زنزانته فاقد الحركة ، كأنه قد تجمد فى مكانه ، وكان حلقه يحترق ، وحاول أن يبتلع ريقه ، ولكن ذلك الشئ الذى يسهل عليه عملية الابتلاع كان لا يطاوعه ، ولم تساعده عضلات فمه على هذا بالرغم من محاولاته العديدة ، وهو يلتقط أنفاسه فى جهد .
وتشنجت أصابعه على عنقه ، ولكنه أحس بشئ ينبض ، إنها الحياة تتدفق فى داخليته ، ولما رفع أصابعه كان يشعر أن هناك شيئا ما زال يحيط بعنقه . شيئا يخنقه ولا يحتمله ... إنهم يشنقونه ... فصرخ عاليا .
وأمسك الحارسان بذراعيه ، ولم يقاوم ، لقد أحس براحة عجيبة الآن . إذ تمكن من ابتلاع ريقه .
يا لظلمة الليل فى الخارج ، إن رائحة ذلك السجن العجيبة تنفذ حادة إلى أنفه .. آه .. لو تركوه للهواء الطلق ولو دقائق قليلة ، لو تركوه يقف فى الشارع ليستنشق هواء البحيرة النقى . ولاحظ ملاحظة غريبة أثناء تنفسه ، لكأن شيئا يتحرك فى داخليته ، مخيفا غامضا ، وهو يزحف فى شرايينه . وإذا به يدرك فجأة أن ذلك الشئ الذى يشعر به بين معدته وقلبه ويخافه إنما هو ذات نفسه . إنها نفسه التى يغمره الشعور بها أكثر من أى شئ عداها .
إنه لا يمكنه أن يراها أو حتى يفكر فيها ، كل مايقوى عليه هو أنه اثناء جلوسه يشعر بذلك الشئ ينبض ويحترق ويتعلق ويتحرك فى داخليته ، ويمسك بأنفاسه ، وكأنه يود الخروج من فمه .
ثم إذا بعقله يتفتح ، وقد بدأ يفكر منفردا ، بعد أن
طرد ذلك الغموض بعيدا عن تفكيره ، وكأنه يقرأ فى كتاب مفتوح .
إن هذا الشئ الذى يتحرك فى داخليته إنما هو الحياة ، لم يكن هو الخائف ، ولكنها الحياة ، إن قلبه ورئتيه وكبده ومعدته وعظامه وشرايينه الصحيحة كلها ستهلك حالا ، ولن يمكنه أن يلاحظ آلامها .
وفى لحظة واحدة كان ينفذ إلى جوهر نفسه ، ثم إذا بافكاره تتحول . فها هو ميت وجسده يملأ الكفن .
كان يجلس بين حارسيه وهو يرتعش ، ثم اندفع فى البكاء ، وهو يغمض عينيه ويهز رأسه ، فيشعر ببعض الراحة لذلك ، ولكن سرعان ما عاد ذلك الشئ يحترق فى داخليته . وما زال الغموض عالقا بالهواء الذى يستنشقه .
وجعل يتأمل نفسه ، إن الحياة تصرخ فيه ، إنه يدرك ذلك الشعور الآن . إنه الخوف ، وإذا ما أمكنه أن يوقفه عند حده فهو فى خير .كل التأثير الذى سيشعر به أن معدته تحترق فحسب .
وعاد ثانية إلى البكاء ، وهز رأسه فشعر بالراحة وهو يفعل ذلك .
وبدأ يفكر ، فراودت عينيه صور المشنقة والحبل والكفن ، كان يحاول أن يفكر فى شئ آخر . فى ماذا ؟ . ماذا ؟ . لم يجد جوابا شافيا ، كان يحاول أن يذكر اسما ، موضوعا ، ولكن عقله لم يطاوعه . لقد تركه إلى حياة أخرى يفكر فيها بمفرده .
سيقف حيا أمام المشنقة ، فترة قصيرة ، ثم بعدها سيموت . بين حياته ومماته ستكون هناك لحظة دقيقة ، وها هو يحاول أن يعيش خلال تلك اللحظة .
ها هى المشنقة ، وها هو الحبل يلتف حول رقبته . . فى ثانية واحدة . الثانية الأخيرة . يا إلهى . لقد سقط بسرعة . إنه يسقط . يسقط . والموت يلاحقه . يلاحقه . إنه يقاوم فى جنون . . فى قوة . ولكنه كان ما زال يهوى إلى أسفل .
لربما قطع الحبل ؛ فهو إذا سيسقط على الأرض . ولكن كلا , ها هو الموت .
وصرخ الدكتور وب , وهب واقفا على قدميه ، فأمسك به حارساه ، وكان يصرخ : " اشنقونى بالله . . أخرجونى من هنا واشنقونى فأعاده الحارسان إلى مكانه بدأ يبكى وينتحب ، فيصرفه البكاء عن أى شئ آخر ، واستمع إلى صوت بكائه ، إنه هو الذى بكى ، إذا فهى نفسه التى تأتى بهذه الأصوات , نفسه التى يمكنه الآن أن يلاحظها ويعرفها .
ولكنه عاد مرة ثانية يشعر بأن شيئا قادم نحوه ، إنه يعرفه .. لقد أغمض عينيه ، وعض بنواجذه ، إنها إرادته تدق شرايينه ، وانتظر لحطة واحدة .. لقد تذكر اسما .. جو .. جو .. هو اسم الرجل الذى قتله ، وإذا بشعوره يتحول إلى تلك اللحظة الخاطفة الفاصلة بين الحياة والموت . وبدأت تغمره صوره وهو يسقط .
ورفعه الحارسان وقد خافا ان يفلت منهما ، وكان يصرخ مقاوما : " يا إلهى . . اشنقونى . . انتهوا منى . . رحمتك يا إلهى " وتوالت صرخاته .
استيقظ المذنبون جميعا ، وتعالت أصواتهم بالصياح ، وكان هو يقاوم الحارسين بكل ما أوتى من قوة . فلويا يديه حتى أدمياهما ، ولكنه كان يستعذب الألم ، كان يصرخ مطالبا أن يشنقوه خوفا من أن تعاوده تلك اللحظة الدقيقة ثانية . فتح الباب ودخل مأمور السجن وطبيبه ، فحقنه بالبرووفين ، ولكنه لم يجد شيئا ، بل تعالت صيحاته عن قبل ، وهزه مأمور السجن فى عنف وهو يقول : " لن تشنق قبل الساعة السابعة صباحا .. صه .. صه .. " ونظر الطبيب إلى ساعته .. كانت الخامسة إلا ربعا .
ولكن الدكتور وب كان يتعلق بهما وهو يصيح : " اشنقوونى الآن . . الآن . . أنا لا يمكننى احتمال كل ذلك " فنظر المأمور والطبيب كل منهما إلى الآخر ثم هزا رأسيهما .
وبعد مضى عشرين دقيقة من ذلك كان الدكتور فرانك وب يسير نحو المشنقة . كان ممسكا بالقس الذى يسير بجانبه ، وقد خارت قواه ، وفغر فاه ، ولا يمكنه أن يعيد كلمة واحدة مما يقوله القس .. إن اللحظة الرهيبة آتية ، وسحبوه إلى حجرة الموت .
كان فاقد الحركة ، لا يرى شيئا مما حوله ، ولكنه كان يهمس : " أسرعوا . .أسرعوا . . " وشعور الخوف من الموت يذيب روحه .
وفصل جسد الدكتور فرانك وب بعد أن ظل معلقا لمدة ثمانى عشرة دقيقة .
ولكن بعد مضي عشر دقائق منذ أن أخرجت الجثة من عرفة الموت ، دق التليفون فى غرفة مأمور السجن فأجاب : إنها الرئاسة تتكلم . . فلقد عدل الحكم على الدكتور فرانك وب من الإعدام إلى السجن المؤبد بعد مناقشة دامت طيلة الليل !
