يلذ للإنسان أن يصادف الغرائب خلال أسفاره ورحلاته ، وكثيرا ما صادفت ألوانا من الغرائب فى أسفارى . فالعالم يعد حيزا صغيرا ، وقد يقابل الإنسان مصادفة فى الصحراء صديقا يعرفه من زمن بعيد ، بل قد يصادف إنسانا يحقق مثله الأعلى ، أو يرى لفترة قصيرة من قدر له أن يترك فى حياته أثرا بعيد المدى .
وقد يحدث فى بعض الأحيان أن نجلس فى عربة القطار أمام سيدة تجهلها ، ذات جمال رائع ، فنتلمس الأعذار للتحدث إليها دون جدوى ، ولا نستطيع أن نرد الطرف عنها ، ونعجب من أين أقبلت ، وإلى أين تمضى ، وهل هى متزوجة أم غير متزوجة ، سعيدة أم شقية . ويخيل إلينا أن قلبها متعلق برجل ، فنأسف على أن ندعها تخرج من حياتنا ، وذلك لأننا أخجل من أن نحاول الحديث .
ولكن أملنا قد يخيب - وهذا يحدث فى كثير من الأحيان - فيقابل الجميلة المجهولة فى محطة الوصول زوج وولد . وتخرج الأسرة السعيدة من فناء المحطة وقد حمل الوالد طفله على ذراعه . ووضع ذراعه الأخرى حول زوجه ، فنودعها بنظرة ملؤها الاسى والأسف ، لأننا لن نراها مرة ثانية ، وذلك على الرغم من أننا لم نحادثها قط .
وكنت ذات مرة فى أوقربنى أجول بين الجبال ، فدخلت فندقا صغيرا من فنادق الطريق ، يجاور كنيسة يقصد إليها الحجاج لزيارة (( السيدة العذراء )) فى فسفيير ، فوجدت سيدة عجوزا غريبة الشكل ، يثير منظرها العطف
والشفقة ، ولا تقل سنها عن السبعين ، وكانت مديدة القامة ، نحيفة الجسم ، بيضاء الشعر ، وقد ارتدت ثوبها الغريب فى إهمال . ولم تطلب من طعام غير بيض وكوب ماء .
وكان يبدو عليها أنها من هؤلاء اللاتى ناءت عليهن الحياة بكلكلها ، فجعلت أطيل النظر إليها ، وأتساءل : ما هى قصتها ؟ فلا بد أن يكون لها قصة مثيرة .
ودفعت السيدة ثمن طعامها ، ووقفت وجعلت ترتب وشاحها على عجل وف إهمال ، ثم تناولت عصا التسلق ، وخرجت مسرعة جامدة كأنها الجندى أثناء العرض ، وكان الدليل ينتظرها خارج الفندق ، فبدت أطول منه قامة ، وسارت أسرع منه خطى .
وكنت بعد ساعتين أتسلق جانب جبل كالمدخنة ، فوصلت إلى بحيرة (( بافن )) . وهي بحيرة ماؤها أزرق صاف ، فبدت كأنها موجة لا زوردية نزلت من السماء . وكدت أرغب فى أن أعيش فى كوخ صغير على جانب الغابة التى تشرف على فوهة البركان الهامد حيث يوجد الماء الهادئ البارد .
ووجدت هناك السيدة الغريبة . وكانت ترقب صفحة الماء الشفاف داخل الفوهة ، وتقول الأساطير إن هذه الأعماق كانت مأهولة بالغيلان والأسماك الكبيرة التى تشبه الحيتان .. ورأيت عينيها تدمعان ، ثم انضمت إلى دليلها الذى كان واقفا عند سفح التل .
ولم أرها مرة ثانية طوال ذلك اليوم . ووصلت فى مساء اليوم التالى إلى الحصن الضخم الذى يقع فى قلعة (( مرول )) . وكان يبدو بناء أسمر اللون عظيما رائعا على الرغم من أبراجه الساقطة ، ومن فقدانه المجد القديم . وكان بناء بسيطا ضخما يظهر عليه طابع الصرامة والقوة ، تصعد إليه من طريق صاعدة ، صفت على جانبيها أشجار الصنوبر . وتدخل إليه من باب صغير غريب الشكل ، فنجد فى داخله درجا وأسوارا ساقطة ، وحفرا غريبة ،
وأقبية سرية وأنفاقا نمت على جوانبها الأعشاب البرية ، وعاشت فيها الزواحف
وكان يخيل إلى أنى وحيد بين تلك الأطلال ، فرأيت إنسانا أو شبحا خلف الأسوار ، فوجئت به حتى إنى تراجعت خطوة أو خطوتين ، ثم تبينت أنه السيدة العجوز التى رأيتها مرتين قبل ذلك .
وكانت تبكى فى هذه المرة ، وقد انحدرت على وجنتيها دموع كثيرة فحاولت أن أرجع أدراجى . فتكلمت فجأة دون أن أتوقع ذلك ، ولا بد أنها خجلت من مفاجأتى لها وقالت فى بساطة :
- أجل يا سيدى كنت أبكى ، ولكنى لست كثيرة البكاء .
فاضطربت وقلت وأنا لا أكاد أعى ما أقول :
- سامحينى يا سيدتى ، فقد أزعجتك . لابد أنه قد ألم بك خطب جليل .
فقالت : هذا حقيقى .
ثم وضعت منديلها على عينيها وجعلت تبكى فى حرقة . فتناولت يدها بين يدى ، وحاولت أن أسكن من روعها ، فجعلت تخبرنى بقصتها ، فلم تعد من بعد بقادرة على احتمال آلامها وحدها . وقالت :
- إنى شقية . ولا يعرف أحد مقدار شقائى . وكنت سعيدة ذات يوم . وكان لى منزل خاص لا أستطيع الآن أن أرجع إليه . وكان لى ابن حدث بسببه ما حدث . ولكن الأطفال لا يعلمون أن الآباء والأمهات هم وحدهم الذين يحبونهم خالص الحب . وقد لا أعرفه لأول وهلة إذا ما رأيته الآن ولكنى مازلت على حبى له ، وما فتئت أفكر فيه ، بل هو كل شىء عندى . هو إنسان عينى وكان فى الثامنة من عمره عند ما ذهب إلى المدرسة . وكان هذا بدء النهاية ، فلم يصبح ابنى من بعد .
وكان يحضر أيام الآحاد . وهذا كل شىء . ثم انتقل
إلى المدرسة الثانوية ، ولم يعد يرجع إلى المنزل سوى مرة كل ثلاثة أشهر . وكنت أدهش عند ما يرجع لما ينتابه من تغير وتبدل . ولكنى لم أره يكبر . فشعرت بأنى حرمت جانبا من جوانب طفولته ، وكنت أريد أن أراه ينمو ويتحول إلى رجل . ولكنى أحسست أن صوته وحركاته وضحكاته لم تصبح ملكى .
وعاد ذات مرة فى إجازة ، وقد نما له شارب صغير هو ابنى دهشت وحزنت بالطبع ، وكدت لا أجرؤ على تقبيله . فأين ابنى ذو الخصلات المموجة . أين ابنى العزيز الذى كان يحيو ويتعثر فى مشيته ، والذى كان يعتمد على فى كل شىء ؟ هل هو ذلك الشاب الطويل الأسمر الذى لم يعد يعرف كيف يقبلنى ، والذى أضحى يحبنى حبا واجبا . وينادينى بأمى تبعا للعادة والتقاليد ؟ .
ثم مات زرجى ، فبقيت وحيدة . وكان ابنى حينذاك يدرس القانون . وأملت أن أعيش بجانبه ، وأموت بجانبه ، فأسرعت إليه فى باريس حتى نعيش سويا ،
ولكنه أصبح يشابه أغلب الشبان فى أفكاره وعاداته ، ولماذا يختلف عنهم ؟ . أعتقد أن كل أم تأمل فى أن يختلف ابنها عن بقية الشباب .
وأدركت سريعا أنى أقف عثرة فى سبيله . فتركته لأنى لم أرد أن أحول بينه وبين السعادة ، ولأنى امرأة ذات كبرياء . وانتابنى الألم ، فقد أحسست بأنى دخيلة . أنا أمه . فرجعت إلى منزلى ثانية .
ومن النادر ما رأيته بعد ذلك .
ثم تزوج وكدت أطير من الفرح . لأنى سأراه مرة ثانية . فلا بد أن يحتاج إلى وإلى دعواتى . ولن يكون أنانيا بعد الآن وسأصبح جدة ، وأجد صغارا أعتني بهم .
ولكنه تزوج من فتاة أصبحت تكرهنى . لماذا ؟ لست أعرف . وكانت من هؤلاء الزوجات اللاتى يكرهن الحماة . ثم لأنى كنت شديدة الحب له .
ولهذا اضطررت إلى تركه مرة أخرى ، وأصبحت وحيدة مرة ثانية . وسافر إلى بلاد غريبة حتى يعيش مع أهل زوجه . فقد استحوذ هؤلاء القوم على ابنى . أتفهم يا سيدي ! سرقوه منى ، حقيقة أنه يرسل إلى خطابا فى كل شهر ، وجاء مرة ليرانى . ولكنه أصبح لا يأتى
ولقد مرت سنوات أربع على آخر مرة رأيته فيها ، وقد ابيض شعره . ابنى يكتهل . وليس من شك فى أن كلا منا لن يرى الآخر بعد الآن
ولهذا جعلت أقوم بالرحلات والأسفار طوال العام
أسافر دائما وحيدة كما ترى دون أصدقاء أو معارف ، شقية كالكلب الضال . والآن وداعا يا سيدى . يؤلمنى أن أخبرك بهذا ، ولا ينبغى أن تبقى بجانبى .
فتركتها وسرت فى طريقى . ونظرت خلفى وأنا أنزل التل فرأيتها تقف معتدلة تطل على الوادى المنفرد ، وتشرف " على بحيرة شمبرون التى تبدو من بعيد ، والريح تعبث بأطراف ملابسها ، وبالوشاح الملقى على كتفيها فبدت كأنها العلم .
