الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 470 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأسبوع، انتحار قطة

Share

كنت أقيم فى القاهرة فى حى الحلمية ، الذى لا تزال به مسحة من شهرته القديمة ، السكن والمحافظة ، وكان يسكن قريبا منى شاب ، لا ، بل رجل ، عرفته وصادقته منذ الطفولة ، وقد نيف الآن على الأربعين ، كان طفلا متيما ، وشابا ذا نعمة وخفض ورخاء ، اضطرته ظروف زمانه - العصى بعد ذلك - أن يترك القاهرة فى أوائل الحرب العالمية الثانية ليقيم فى الريف . ثم مهد له بعض أصدقائه الطريق إلى وظيفة رقيقة ، فى إحدى الوزارات المتواضعة ، وظيفة لا تكفيه رزقا إلا بشق النفس والتنوع فى التقتير ، والامتنان فى الاقتصاد ، ولا ترضى له أملا ، ولا تناسب مع ما حصله من علم ، ولا مع ما وعاه عقله الذكى من ثقافة ، كان شديد الجشع طول عمره فى تجميعها .

كان وجلا من الوظيفة ، وكان أشد ما يخشاه منها أن تؤثر على نفسيته الحرة المترقعة ، وعلى أخلاقه النبيلة الصريحة التى لا ترضى الرؤساء ، وياللحيرة من إرضاء الرؤساء !

لم تنقطع لنا صلة ، غير أنى لاحظت عليه كثيرا من التغير بعد اشتغاله بوظيفته الجديدة  فقد تخلف عن كثير من الجماعات ، حتى اتهم من الإخوان بالتقصير . وكثر اعتكافه فى بيته ، وما كان يستقبل فيه غيرى وغير بعض أهله الأقربين ، بعد ما كان يعج دائما بمن فيه من الضيوف والأصدقاء ، وصار ملازما حياة رتيبة ، من البيت للوزارة ، ومن الوزارة للبيت ، ويزور فى النادر بعض أصدقائه القدامى ، وفارق وجهه ذلك الإشراق المضئ ،

وذلك الضحك الطليق الهنئ ، وحل محله تلك الابتسامة التى نجح فى إخفاء اغتصابها .

كان أديبا كثير الكتابة ، وكثيرا ما قرأنا له فى الصحف وهنأناه ، ولمحنا بريق مستقبله اللامع فى أفق حياته . أما الآن فلا يظهر اسمه فى أية صحيفة ، وقل شراؤه للصحف والمجلات ، حتى إن مكتبته العزيزة عليه ، والتى كان يري أنها أثمن وأغلى ميراث يترك للأولاد ، تسرب منها للسوق الكتاب تلو الكتاب حتى أفقر منها مسكنه ، وما كان يغص من ذكر شىء خسره فى الدنيا - وقد ابتلى بالكثير- لغصته من حديث الكتب والمكتبات .

كانت حالتة  تحز فى نفسى ، وكل مرة أهم بالحديث معه فيها ، أو بإبداء النصح والعزاء له ، ينحبس القول فى لسانى ، فقد كنا نتفاهم غالبا من غير كلام ، وأفهم جوابه قبل السؤال ، وما كان يزيد لو جرنا الحديث على قوله : " إن أصدقائى أرادوا بالوظيفة حفظ ماء وجهى - كما لابد وأن يقال - فبعت فى سبيل ذلك روحي وعقلى وعلمى ، بثمن بخس كما ترى " .

فى بعض الليالى كنا نسمع مواء ينبعث من مسكنه ، ومواء القطط شىء مألوف فى هذا الحى القديم ، إلا أنى لاحظت أنه لا ينقطع إلا ليبدأ ويعيد ، ويعلو ويقرب من الشرفة ، ويخرج فيها ، ثم ينتهى عندما تمتد يد صغيرة لأحد الأطفال فتجذب القطة للداخل .

تكرر هذا المشهد ، أو المسمع ، مرات من غير أن يعلق بالذهن شئ منه ، فليس فيه ما يوجب ذلك ، ولكن فى آخر مرة سمعت القطة وهى تموء فى الشرفة بصوت مكبوت متقطع متهدج ، يخيل لسامعها أنها تتحدث ، وتكاد تبين . ويتم صوتها بجلاء من معركة نفسية حادة يجس عنقها ، فيها جذب ومد ، وأخذ ورد ، وإقبال وإدبار ، ثم بعد صدمة مسموعة عنيفة ، خفت الصوت فجأة ، وتلاشى فى ظلام الطريق .

وكنت قريبا من نافذتى ، فرأيت طفلة صديقى الصغيرة ، وقد خرجت إلى الطريق ، تعود إلى أبيها قائلة فى حنان وتأثر ، وبصوت ندته الدموع : لقد ماتت يا أبى .

بعد ذلك اجتمعت معه فى بيته ، وحولنا أولاده من بنين وبنات فى حجرة صغيرة شبه خالية إلا من النظام ، وجلس قبالتى يستمتع بدخان سيجارته ، وأكواب الشاى بيننا ، وما كدت اسأله عن حديث قطته حتى وجم الجميع وبهتوا ، وتنبه صديقى ، وفتح عينيه وفمه بابتسامة حزينة مازحة وقال : سيغضب الأولاد كما تري مما أقول لك ، وسيقولون إننى امزح ، ولك أن تصدقهم إن أحببت ، فالدنيا كما تريدها ، إن جدا فجد ، وإن هزلا فهزل , أما حديث القطة ، فمن الأحاديث التى لن أنساها ، والتى أثرت فى نفسى أثرا لن يمحى ، إلا إذا انمحى من الوجود سبب نكبتها . قلت : وهل فى الأمر نكبة ؟ قال : نعم . وإليك قصتها :

حينما وجدنا هذا المسكن الصغير الذى استأجرناه على أنه مؤقت حتى تنفرج أزمة المساكن ، على حد تعبيرنا لأنفسنا ، وأحضرت أولادى من البلد , و أقمنا بجوارك ، وفرحت صاحبتى والأطفال بالوظيفة الحكومية الجديدة ، وتصوروا أنها ستغرقهم فى الخير ، وتجدد لهم ما أبلى الزمان من متاع ، وما أفنى من مال . وتعيد لهم حالهم التى كانوا ألفوها . ولكنها ويا للأسف ! كانت سرابا لهذه العائلة الظمأي - رأينا بمسكنا كثيرا من الفيران الكبيرة ، تزعجنا بحركاتها ليلا ، وتتعبنا بشدة المحافظة على المتاع ، ومتابعة لفه وإخفائه ، خوفا من سطوها عليه فلم نجد بدا من إحضار قطة للإقامة معنا ، وللدفاع عنا شر هذه الجرذان المعتدية . وهدانا البحث إلى قطة صغيرة هى بنت قطة أستاذنا الشيخ . . . وكان صديقا لأبى ولا تزل علاقة الود

بيننا متصلة ، وأنت تعلم أنه شيخ ، والشيوخ يحبون اللحم ويفضلون الضأن على ما سواه . فلا عجب أن تنشأ قطتنا سمينة هادئة ناعمة فى كنف مطبخ الشيخ العامر الدافئ . جىء بها من منشئها الوثير إلى بيتنا مرفوعة الرأس بتاريخ نعمتها السابق . وكانت تسير فيه شامخة مزهرة ، معجبة بوبرها الناعم المسيل ، تلاعب الصغار ويلاعبونها ، والكل بها فرحون ، يؤثرونها - فى الأيام الأولى - ببعض نصيبهم من الطعام على قلته .

صارت الأيام معها جميلة محتملة بهذا الشكل . ثم بدأ القتال بينها وبين الفئران ، وكان النصر نصيبها ، وكم كان منظرها لطيفا جدا وهى تتفقد الفأر وتستقبله ، حتى إذا صار فى دائرة نفوذها وإمكانها ، أخذت تلاعبة وتداعبه ، وتقصيه ثم تدنيه ، وتمسكه ثم تتركه وتلاحقه . كل هذا تحركات بهلوانية نشيطة رائعة ، حتى إذا اكتفت من عبثها القاتل ، وأشبعت شهوة نفسها المتملكة المسيطرة ، انقضت عليه فى قفزة خاطفة ، وضربته الضرية الأخيرة ، وقضت عليه .

بعد مدة من الزمان ضن الأولاد بأنصبتهم عليها ، اكتفاء بنصبها الوفير فى الصيد ، وأضربت هى عن أكل الخبز وما على شاكلته ، وظهرت عليها بوادر السأم والملل ، فأحكم إغلاق المسكن حرصا على بقائها وخوة من الانفراد بأعدائها . وقل لعبها ، وكثر مواؤها كما سمعت ، ونحل بدنها ، وصار وبرها الجميل البراق الغير مفتولا ، وانتهى أمرها بتركها الفيران وشأنهم ، والانزواء فى أركان البيت .

تضايقت جدا حينما رأيتها على هذه الحال ، وذكرت صاحبتى بالحديث الشريف : " دخلت امرأة النار فى هرة حبستها ، لا هى أطعمتها ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض " . وحاولات إقناعها بتركها تذهب حيث تشاء فلم

أمجح ، واعترضت علىّ قائلة إن الطعام الذي نأكله يقدم لها منه فتعافه ، فما ذنبنا ؟ ثم كيف تتمنع عن أكل الخبز وهو من غير أدم غذاء ملايين من الناس . لا ، لا ، يجب أن تتعود ، إن التنعم والتدلل من الصفات البغيضة ، التى لا نبيحها لصغارنا ، ورحم الله والدك الذي كان يقول لنا ـــ ويا ليتنا استمعنا إليه ـــ  ( اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم ) ، فإذا كنا نحرم التنعم والتدلل على صغارنا ، فكيف  نبيحهما لصغار القطط . هون  عليك  من كل هذا ودعها للأيام ، فلابد وأن تتعود وتعيش كما نعيش . وأمام هذه الحجج كنت أصمت لا عن اقتناع .

ومرت الأيام وازداد حالها سوءا ، وكثر بحثها عن الفرج والفرح ، فاشتد تضييقهم عليها ، وصعب عليهم التسليم برغبتها ، ففيه إظهار لحالهم ــ ولو لأنفسهم ــــ بجرح قلوبهم الرطيبة ، ولا يريدونه بحال ، وأنت ترى بنفسك حزنهم من هذا الحديث وممانعتهم  فيه .

وكم تألمت حينما كنت أراها تسير بجانب حيطان المنزل عجفاء ذابلة ، وبريق عينيها ، وقد خلا من أنسه السابق ، يتبع حركات الأولاد ، حتى إذا اتجه أحدهم نحو الباب كانت أسبق إليه منه ، فلا يفتح مصراعه حتى يدعو من يأخذها ويغلقه بحذر خلفه ، فتعود بعيون تشع منها الوحشية الكسيرة والغضب الذليل ، وتنام غير غافلة في ركن من أركان الغرفة ، ويقدم لها الطعام ، فلا يكاد يقترب منها حتى تنظر إليه كما ينظر السجين البرىء إلى طعامه الذى يغص من رؤيته .

انتشر فى البيت جو مقبض من التعاسة استنشقه كل فرد منا وأحسه ، رغم تجاهله المتعمد . فقد كانت هذه القطة البطلة نذيرا ولسانا مبينا لهذه الحال السيئة التى عجز  عن احتمالها حيوان صغير أليف قانع . وأبى إلا أن يعبر عن مجه لها بكل ما يستطيع من مؤديات التعبير .

ولعل القطة المسكينة يئست من أن تجد من الباب مخرجا فاتجهت حركاتها ونظراتها صوب الشرفة . فقد تجد عن طريقها السبل إلى التحرر من هذه العائلة الحبيسة والذهاب إلى مكان لا يرتبط به الكائن الحى إلا بمقدار ما يجد فيه من رى وشبع . فكانت تذهب إلى الشرفة مرارًا ، ولكنها كانت تخشى الوثوب منها لعلوها عن الطريق فكانت تموء بصوت يذيب الصخر لو سمعه .

ولكنك تعلم ياصديقى أن للصبر حداً . ويظهر أن قطتنا كانت بغريزتها تؤمن بقول الشاعر وتحس به ( وجهنم بالعز أطيب منزل ) . ففى إحدى نزواتها ومحاولاتها فى الشرفة سمعنا مواءها بصورة غير معهودة ، لم تسبق لها ، فيها عزم وحزم وإبرام ، بعد ضعف وتردد . ثم قذقت بنفسها وارتمت فى أحضان الفضاء كأنها رأت وقدرت أنه لن يكون شراً مما هى فيه . وصمت إلي الأبد ذلك الصوت الكسيف الحزين المظلوم .

قلت لأولادى وهم يبكون ـــ لا عليها ــــ  لقد انتحرت . ويرحمنا الله من انتحار القطط لدينا .

اشترك في نشرتنا البريدية