كان والدها فنانا فاشلا ، مات تاركا لها صورة له يبدو فيها وجهه مسالما حساس القسمات ، وعلبة تحتوي علي أدوات الرسام ، وأنابيب للألوان جفت زيوتها ، وتحولت إلى تراب قبل أن تصل ابنته هيلينا إلى سن الإدراك .
وكانت أمها تدير فندقًا في مدينة صغيرة من مدن مقاطعة أوهايو بالولايات المتحدة ، وتبذل الجهد في منع
السرقات وشراء الطعام رخيصا ، وتدبير أمر الطلبة الذين لم يدفعوا ما عليهم من نقود .
وكان وجه هيلينا يبدو حساس القسمات كوجه والدها ، ولكنه لم يكن وجها مسالما ، فقد ورثت عن أمها حب الكفاح ، وبدأت كفاحها من يوم أن استطاعت السير على قدمها . فكانت تشاحن كل إنسان ، وتكره كل شئ في هذا العالم ، ولم تخف شعورها هذا على أحد ، بل كانت مصدر تعب لوالدتها ولغيرها من الناس ، كما كانت مصدر شقاءا لنفسها أيضًا ؛ كانت تكره الفندق الخشبي الذي تعيش فيه ، وتكره الكنيسة التي كانت تزورها مرغمة يوم الأحد ، تستمع إلى عظات القسيس السخيفة ، وتكره الدروس التي تضطر إلى تعلمها .
وكانت تبدو متكبرة متعجرفة ، وهي تجلس ليلة بعد
ليلة في المطبخ بعد أن تغسل الأطباق تراجع دروسها في إهمال وعدم اكتراث . ولم تكن تتصور وجود عالم لا تكرهه ولا يبادلها هذا الكره . وكيف تعرف أخبار مثل هذا العالم ، وهي ابنة صاحبة الفندق المكروهة في مدينة صغيرة من مدن أوهايو . ولكن أخبار هذا العالم قد وصلت إليها . . فقد كانت تجلس ذات ليلة وهي في سن الخامسة عشرة في مقعدها حين دخل عليها رسول هذا العالم .
كان هذا الرسول رجلا كبير السن صغير الجسم أنيق الثياب ، له شارب مدبب الأطراف ، وكانت هيلينا تعرفه ، فقد قابلته مند ساعة عند الباب وهو في طريقه لزيارة أستاذ شاب يسكن في الفندق . وكان هذا الرجل أستاذا زائرا ، جاء يلقي مجموعة من المحاضرات في كلية المدينة ، وذاع امره بين الناس ، لأنه رجل عالي الثقافة جاء من باريس وقطع مرحلة طويلة إليهم ، ولأنه كان يبدو رجلا أجنبيا ممتازًا ، يشبه هؤلاء الأساتذة الذين يصلون إلى الجامعات الكبيرة ، ولأنه أول من جاء إلى كلية محلية تشتكي قلة الهبات ، وبخل مؤسسيها .
ووقف الأستاذ مترددًا عند الباب ، ثم حنى رأسه إلى هيلينا التي كانت تجلس غارقة في مقعدها ، فرفعت إليه عينها في صمت ووقاحة ، فقال في لغة إنجليزية ركيكة : إنه لا توجد مدفأة في غرفة الأستاذ الشاب ، وإنه يحس بالبرد . وسأل هل يمكن أن يقف فترة بجانب النار حتى يدفىء يديه دون أن يزعج الآنسة .
فوافقت هيلينا ، وانصرفت عنه إلى كتاب التربية الوطنية . ويظهر أن الأستاذ الشيخ كان قد اعتاد عدم اهتمام الأمريكيين بالرسميات . فقد دخل ووقف بجانب موقد المطبخ مادا أصابعه الرقيقة نحو النار ، وجعل يجول ببصره في الحجرة فاحصا ما حوله . تم استقرت عيناه على وجه الفتاة المتعجرفة فلم يحول بصره عنها .
وقال بعد فترة صمت طويلة ، نسيت خلالها هيلينا وجوده ، وكان يخرج كلماته في أناقة غريبة عن المكان الذي يقف فيه :
" هل تسمح الأنسة أن أشاهد رسمها الذي في طرف الورقة ؟ "
وأجفلت الفتاة ، ووضعت يدها في سرعة على الورقة . وتحولت نحوه ناظرة إليه نظرة الشك والريب . فقال وهو يمد يده نحوها :
" يخيل إلى أني أرى فنًا في هذا الرسم . أنا أعرف شيئًا عن الرسم ، ويظهر أنك فتاة موهوبة " .
فكان لكلماته هذه دوي يشبه دوي الطبل ، فنظرت إليه هيلينا طويلا يهزها صدى كلماته ، ثم رفعت يدها عن الرسم في صمت فاقترب منها وجعل يفحصه ، وقال في اهتمام :
" وهل يوجد شئ آخر ؟ " .
فارتعشت هيلينا لجمال نبراته . وأخرجت ورقة من بين صفحات كتاب الجبر رسمت عليه أوجها ثلاثة لمعلمة لها انتقمت بها لما لاقته من عنت أثناء الدرس .
ضحك الرجل الفرنسي عندما شاهد هذا الرسم وجعل يفحصه ، فاحمرت وجدناها . ثم قال وهو ينظر إليها : " وهل يوجد شيء آخر ؟ " .
خرجت من المطبخ صامتة ، وصعدت إلى حجرتها الصغيرة وأحضرت لوحة رسمت عليها بالالوان الرخيصة منظر شجرة صنوبر كانت تمر بها وهي في طريقها إلى المدرسة ، وكانت الشجرة تبدو قديمة كثيرة الفروع شامخة بأنفها نحو السماء ، ذات شكل يوحي بالعزة والجبروت ، وكانت الشئ الوحيد الذي لم تشعر نحوه هيلينا بكره وأحست أنه يعز عليها أن تكشف له عن المعاني التي رأتها في هذه الشجرة ، ولذلك تقدمت بعد أن أعطته اللوحة
لتأخذها مرة ثانية ، ولكنها توقفت عن ذلك عند نظره إليها ، وكان وجهها حينذاك شاحبا وعيناها تدمعان . وكان هو ينظر إلى الرسم الذي يمثل القوة والكبرياء في عناية شديدة . ولم تر هيلينا في حياتها أحدا ينظر إلى شئ ما مثل هذه النظرة . ولكن كان مولدها في هذا التعبير الذي بدا على وجهه حينذاك ، فوققت تنظر في قلق يضايقها الانتظار . ثم وضع الرسم على المنضدة وقال لها ما لم تنسه لحظة واحدة في حياتها ، وكان يؤكد لها بتعابير وجهه ما يقوله .
" يا طفلتي ! أنت موهوبة . ولا تنسي ذلك أبدا . لا تفكري في شئ غير هذه الهبة . كافحي من أجلها وهبيها نفسك ، ولا تدعي شيئا يقف في طريقك . لا تفكري في نفسك أو في أي إنسان آخر . كافحي في إبراز هذه الهبة " ثم لوح بيده وهو يقول : " هناك من سوف يعترفون بك فكافحي من أجل الوصول إليهم " . ثم ألقى نظرة أخرى على اللوحة وقال في صوت خافت : " قد تكونين عبقرية " وأحست هيلينا برعشة شديدة حتى إنها خشيت أن تسقط على الأرض ، فأمسكت باللوحة في رعب ووجل ، وسارت متعثرة إلى حجرتها الصغيرة .
وجاءها كتاب في الصباح ، كتاب صغير أنيق الطبع له غلاف من الجلد الأخضر الفاخر ، مطبوع عليه عنوانه " زهور الروح " بالذهب . وقال الطالب الذي أحضره وهو في دهشة : إن الأستاذ الشهير الذي جاء من باريس قد أرسله إلى ابنة صاحبة الفندق مع تحياته وإعجابه .
فاضطربت الفتاة مرة ثانية ، لم تك تحلم بذلك . ومدت يدها مرتعشة تأخذ هذا المخلوق الجميل ، فإنه لها ، يهديها شاعر حي مجموعة أشعاره ، وقد كتب إهداءه في خط أنيق جميل ، " إلى هيلينا ، اعترافا بعبقريتها . من زميل فنان " وأسبلت هيلينا عينيها حتى ترد سيل دموعها وفكرت في أن الشاعر لم يهد إليها هذا الكتاب ، وإنما
أهداه إلى هبتها ، تلك الهبة الكامنة فيها والتي تنتظر منها أن تنقذها وتبرزها .
وأمسكت بالكتاب بين يديها القويتين كأنه سلاح ، بل
كان في الواقع سلاحا . وكانت موقنه بأنها قادرة على الكفاح ، فقد كافحت طوال حياتها ، ولكنها الآن تعرف أنها وجدت ما تكافح من أجله .
وعند ما وصلت إلى سن السابعة والعشرين كانت تكافح كفاحا مرا ، وقد انطلقت في طريقها كالسهم لا تلوى على شئ . وقامت بهذا الكفاح وهي صغيرة السن فتمتعت به وذاقت حلوه كما ذاقت مره ، وكان كفاحا مرا في كثير من الأوقات وخاصة في الشتاء الأول الذي قضته في باريس . وقد ينكص أي إنسان على عقبيه ويستسلم للهزيمة ، ولكنها كانت واثقة بتلك القوى التي تتدفق من أعماق نفسها حدة منطلقة في عزم وقوة واستطاعت أن تحذق الفن وتسيطر على وسائله وأساليبه ، وأن تبرز بشخصيتها في رسومها .
وأخيرا أثمرت جهودها أطيب الثمار ، وعلقت صورتان لها في معارض لو كسمبرج ، وتهافت الناس على رؤيتهما وأبدوا إعجابهم الشديد بهما . وتكلم النقاد ورفعوها إلى مصاف كبار رجال الفن ؟ فطفحت منها السعادة وفاضت على من حولها . وكانت تقف بين الفينة والفينة تفكر في أمر نفسها وتقارن بين حالتها الآن وحالتها بالأمس ، فتذكر تلك الطفلة المتعجرفة المكروهة البائسة ، فتتساءل هل يمكن أن يحدث لها كل هذا التطور ؟ .
وأبدلت السعادة من حالها ، فتوردت وجنتاها وصفت نظرتها ورق صوتها . وأحست الآن بعد أن وضعت الحرب أوزارها بعواطف الشفقة والرحمة تسيل منها ، ورغبت في إسعاد الآخرين . وتذكرت أمها ، وفكرت لأول مرة أن هناك في شوارع باريس أشياء جميلة تبعث السرور في نفس أمها ، فاشترت أقمشة وهدايا وأرسلتها
إليها ، فقد جنت في صورة واحدة كل ما كانت أمها تأمل أن تربحه في عام . وكانت تبتسم كلما تذكرت الفقر المدقع الذي عاشت فيه من قبل ، وهي الآن تلبس خير الثياب وتأكل أطيب الطعام وتحيط نفسها بكل شئ جميل .
وتذكرت كذلك مدير مدرستها وكيف أنه مغرم بالكتب القديمة الطبع ، فخرجت تشتري له مجموعة منها وآلت على نفسها ألا تشتري له إلا ما طبع من مائتي عام . فجعلت تجول بين المكاتب المكشوفة التي تبيع قديم الكتب على ضفاف نهر السين . وأحست لذة لا تعادلها لذة أثناء تجوالها بجانب النهر في جو إبريل الجميل . وكانت تنصرف بين لحظة وأخرى إلى مشاهدة النر وأرصفته وقناطره . وتذكر العداوة التي كانت بينها وبين الكتب قديما ، وهي تستمع إلى أحاديث باعة الكتب الذين سرهم أن يجدوا سيدة أمريكية تستمع إلى ذكرياتهم الأدبية . ولم تكن كاملة الإصغاء لهم بل كانت تلاحظ الفرق بين صلابة حجر الأرصفة الرمادي ولمعان الماء الرمادي المرتعش ، وتقول لنفسها إن هناك تناقضا بين رأس الإنسان الجامدة الصلبة وبين السائل الحي الذي يترقرق في عينيه .
ونسيت فترة ما البائع الواقف إلى جانبها ، بل خيل إليها أنها نسيت كل شئ غير هذه الفكرة التي في رأسها . ثم أحست فجأة بألم مريع كأنها أصيبت بطعنة من الخلف . إنه البؤس القديم الذي تعرفه جيدا ، وخيل إليها أنها شفيت منه إلى الأيد . فقد أحست فجاءة وهي واقفة في ضوء الشمس حرة ناضجة تحس بالقوة والجد ، إنها ما زالت تلك الفتاة المتعجرفة البائسة تميتها موهبتها المحبوسة . فجالت ببصرها الزائغ حولها لتبحث عما أثر فيها هذه الأحاسيس فعرفت السبب في التو ، ووجدت بين الكتب التي أمامها كتابا له غلاف أخضر فاخر مطبوع عليه بالذهب " زهور الروح " ، فوقفت تنظر إليه وقلبها يخفف بين جنبيها . إنه المفتاح الذي أطلقها من سجنها ، فأخذته بين ذراعيها
متعجبة كيف وصل إلى هذا المكان بين الكتب الرخيصة . ووجدت على الصفحة الاولى عندما فتحته في خط رقيق تعرفه : " إلى إليس رينود اعترافا بعقبريتها " . فقال البائع وقد لاحظ اهتمامها :
" غلاف جميل . فأرادت أن تتفقد الكتاب
" بكم " ؟ فقال : " عشرة صولدات . ثمانية إذا أردت شراء كتابين " . فقالت دهشة وهي تنتقل ببصرها بين البائع
والكتاب : " كتابان ؟ " فأراها كومة من الكتب الخضراء وقال لها : " ثلاثة بستة عشر صولدا "
فجعلت تقلب هذه الكتب ، ووجدتها جميعا مهداة إلى فتيات عبقريات نابغات . فتركت الكتب ، وقد علاها الدهش ، ونظرت إلى الكتبي متسائلة . فهز رأسه وقال وهو يبتسم :
" أرى أن الآنسة تفهم " . ولكن الآنسة لم تفهم فأضاف قائلا :
ظننتك تعرفين القصة . إنه عمل رجل عجوز غريب الأطوار ، كان أضحوكة باريس منذ أعوام مضت . من هو ؟ ليس ذا شأن . مدرس جغرافيا في إحدى المدارس الصغيرة على ما أعتقد ، ولكنه ظن أنه شاعر . ويقال إنه رجل طيب لطيف العشر مهذب مثقف من أسرة طيبة . ولكن شعره ؟ !
فألقت هيلينا ببصرها على الكتب المجلدة تجليدا فاخرا
فقال :
لقد دفع ثمن هذا التجليد من جيبه، فقد كانت له ثروة صغيرة صرف جزءًا منها على طبع أشعاره ، وهذا شئ سهل . ولكن كيف يوزعها ؟ حاول أول الأمر أن يرسلها
إلى الشعراء والمؤلفين ، ولكنهم سخروا منه ، فكر في أن يجبر الصغار على ذلك ، فإذا أخبرهم بعبقربتهم قرأوا الكتاب
ثم دفع كومة الكتب بيده في ازدراء وقال : " لقد أصبحت فكاهة سخيفة . ضقنا نحن بائعي الكتب ذرعًا بهذه المجلدات التي كانت ترد إلينا ولم يفتحها إنسان ، فمن يشتريها ؟ ولكنها توقفت الآن ويظهر أن مؤلفها قد مات . تستطيعين يا آنسة أن تشتريها جميعها . الخمسة عشر مجلدا بثلاثة فرنكات . الغلاف يساوي
أكثر من ذلك ، ينزع بعض الناس الغلاف ويستعملونه غلافا لكراساتهم .
حولت هيلينا وجهها نحو النهر ونظرت إليه شاردة وكانت تبتسم ، وكانت تبكي أيضا . ثم مسحت دموعها ونادت عربة وقالت لسائقها :
" سر على مهل وقف أمام كل بائع كتب " واشترت الكتب جميعها ولم تكن كثيرة . فالنثر أحن عليها من الحياة .

