الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 460الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأسبوع، قال المدرس

Share

للكاتب الإنجليزى الكبير جون جالزورذى. "ولد فى عام ١٨٦٧ من أسرة ذات ثراء. ولكنه لم يباشر المحاماة، بل قام برحلات جاب فيها أنحاء العالم. ولم يكن له هدف فى الحياة حتى قارب الثلاثين، فأوحت إليه من أحبها أن يكتب، فجعل يباشر الكتابة فى إصرار وعناد ثمانية أعوام، حتى استطاع أن ينشر أولى قصصه بعد أن كتبها ثلاث مرات، وذاع أمره خاصة عندما كتب مسرحية انتقد فيها نظام السجون. كانت سببا فى إصدار قانون إصلاح فى هذه الناحية. وامتاز بالتحمس الفنى والاقتصاد اللفظى، واتجه بأدبه اتجاها إنسانيا، انتقد فيه الطبقات الغنية التى ينتمى إليها، وما يسودها من روح الاستغلال والاستعمار. وصور فيه صراع الإنسان مع القدر، وعبث الجهود البشرية فى هذا الصراع، وتعتبر "أسطورة فور سايت" أهم ما كتب. وهى مجموعة من القصص سجل فيها ما حدث للمجتمع الإنجليزى من تطور فى العصر الحديث تسجيلا يبعث على الإعجاب. ونال جائزة نوبل للآداب، ومات فى عام ١٩٣٣" . ( المترجم )

ما زلنا نذكر على ما أعتقد روعة الصيف الذى أعلنت فيه الحرب. وكنت آنئذ فى قرية تقع على نهر التيمس. وقد تجاوزت تلك السن التى أصلح فيها للطعان والقتال، وكان الجو بديعا رائعا، يثير الخيال، ويلهب الأحاسيس، وكان القمح على وشك الحصاد، والتفاح يطل ناضجا من بين الأشجار، والليالى هادئة ساكنة ترتعش بين ضوء القمر وظلاله. وكيف يتسنى للانسان أن يقارن بين كل

هذا الجمال والسلام، وبين تلك النار الكبرى التى تشتعل وتمتد لهيبها إلى جميع أنحاء أوربا، فتحصد أرواح آلاف من الشباب المزدهر! بل من السخرية أن نقارن بين جمال هذا الصيف وبين الجريمة تسير عارية يصفق لها الناس، ويمجدون من أمرها.

وتركت بيتى فى إحدى هاته الأمسيات فى أواخر شهر أغسطس، وكانت أخبار معارك "الونز" تترى، وسرت نحو المروج والحقول، ولم أكن قد رأيت فى حياتى جمالا يعادل ذلك الجمال الذى رأيته فى تلك الليلة. فقد كان كل شئ هادئا ساكنا يبدو فى لون الأعناب السوداء. وقد جعل لمعان النجوم يدوى فى ضوء القمر الذى كان يصعد من أفق السماء فى جلال ووقار، ويمحو ظلال أعواد القمح.

وكانت الساعة تقرب من التاسعة والنصف عند ما مررت على فتى وفتاة من تلاميذى، وقد وقفا فى صمت وسكون بجانب السور الذى يفصل بين الطريق المنعطف وهاوية غير سحيقة، فحيانى كلاهما، ودرت مع الطريق النازل، فتكشفت أمامى الحقول، وبدا القمر نحاسى اللون يبعث على الدفء والحرارة، وقد كسا الحقول والغابات، والمروج والمزارع، ثم النهر عند الأفق بضوء فضى شفاف. وتآمر كل هذا الجمال على إخراجى من عالم الحقيقة إلى عالم الخيال. ولم أكن أحب هذا، فجعلت أفكر فى أمر الفتى والفتاة الذين رأيتهما منذ لحظة، وفى أنهما أصغر من أن يكونا حبيبين، فلم يصلا بعد إلى سن السادسة عشرة، ولم يتركا المدرسة إلا فى العام الماضي، وكانت "بتى رون"، أولى الفتيات فى المدرسة؛ وهى طفلة لطيفة المعشر، ذكية الفؤاد، شديدة الاعتداد بنفسها، ذات وجه حلو القسمات، وعينين سوداوين، وكانت أمها تغسل ملابس القرية، وتساعدها ابنتها فى ذلك، وأما "جو بيكت" فكان فتى طيب القلب، شديد الحساسية،

ولكنه عنيد، له شعر أحمر، وعينان زرقاوان، وجسم تام كبير، وله نظرة صريحة، وأنف صغير، وكان يعمل فى مزرعة قريبة.

وكنت ما أزال واقفا فى مكانى حين جاء وهو فى طريقه إلى مزرعته. وما فتئت أحس بالأسى والأسف على ما بدر منى فى ذلك الوقت، فقد قال لى: - وداعا يا سيدى فقد لا أراك بعد الآن.

فقلت : - إلى أين أنت ذاهب يا جو؟ . - سوف أتطوع فى الجيش. - ولكن أمامك سنتان على الأقل يا بنى. - وصلت إلى السادسة عشرة، وأبدو فى الثامنة عشرة، ويقال إنهم لا يقيمون لذلك وزنا. وكان حقا يبدو فى الثامنة عشرة. وكنت شديد الحماسة آنئذ، أنتظر أخبار المعارك فى لهفة وقلق. فقلت : - ليس هذا واجبا عليك يا بنى، ولكنى معجب بوطنيتك.

فوقف لحظة صامتا ثم قال : - وداعا يا سيدي. سأسافر فى الغد. ثم أسرع فى طريقه دون أن ينظر إلى الخلف. وتركنى والليل مرة أخرى. أى جريمة هى الحرب! ينطلق الأطفال فى هذا الهدوء الشامل المضاء بنور القمر، ويلقون بأنفسهم فى أنون المعارك، كأن الدنيا ليس فيها من أسباب الموت ما يكفى. ونحن لا نستطيع إلا أن نعجب بهم. وما زلت ألعن ذلك الشعور الذى منعنى من أن أبلغ السلطات عن سن هذا الفتى. وقفلت راجعا، فوجدت الفتاة بتى وافقة مكانها أمام الهاوية، فقلت لها: - هل أخبرك جو؟

فقالت: - أجل يا سيدى، سوف ينضم إلى الجيش. - هذا تهور يا بتى. فقالت : هو عنيد يا سيدى، ويتركنى! فلم أستطع أن أمنع نفسى من الابتسام، فلاحظت

ذلك وقالت : - أجل أنا صغيرة. وهو أيضا، ولكنه فتاى. ثم أحست بالخجل من إبداء عواطفها، فجرت واختفت بين الأشجار كأنها الغزال، فتوجهت إلى منزلى ونسيت بالقراءة ما حدث.

وبعد مضى سنة كنت واقفا فى الفصل مساء يوم من أيام سبتمبر عام ١٩١٥، أعلق مصور الإمبراطورية، وأفكر كالعادة فى الحرب، وقد تخللت الشمس نوافذ الحجرة، فرأيت من النافذة جنديا يجلس بين الأشجار مع فتاة. ثم عبر هذا الجندى الطريق إلى المدرسة، وطرق باببى، فإذا به جو، يبدو رجلا فى ملابسه العسكرية. وقال إنه جاء يحيينى لأنه مسافر فى اليوم التالى إلى فرنسا.

فقلت له : - أهذى بتى يا جو؟ فقال : - أجل يا سيدى. أريد أن أفضى إليك بشيء. لقد تزوجنا فى الأسبوع الماضى فى . . وبقينا هناك أسبوعا. ثم جئت بها إلى منزلها.

فقلت: - وهل هو زواج رسمى ؟ . فذهب إلى الباب، وصفر بفمه، فجاءت بتى فى رداء أزرق اللون أنيق الشكل، ودخلت الفصل فى ثقة واعتداد، ولم يبد من اضطراب نفسها إلا حمرة خفيفة بدت على وجهها، فزادتها جمالا.

فقال جو : - أريه الوثيقة والخاتم يا بتى. فمدت الفتاة يدها بالوثيقة، فقرأتها، ولاحظت أن السن المسجلة فيها غير حقيقية. ثم خلعت قفازها، ومدت أصابعها بالخاتم فتيقنت أنهما قد ارتكبا الحماقة الكبرى

فقلت: - لطيف منك أن تخبرنى بذلك. وهل أنا أول من يعرف؟ .

- أجل يا سيدى. أردت أن أخبرك حتى تشهد بصحة زواجنا. فقد لا ترضى أمها. ها هى يا سيدى حتى أرجع ثانية.

قال هذا واضطربت ملامحه وبدا كأنه يكاد يبكى. ووقف كلاهما ينظر إلى الآخر لحظة، ظنا فيها أنهما وحدهما، ثم التفت إل الفتى وقال: - كم هى الساعة يا سيدى؟ . - الخامسة.

- لقد تأخرت، زملائى فى المحطة. هل أتركها فى رعايتك يا سيدى؟ .

فوافقت. وتركتهما وحيدين برهة، وعندما رجعت وجدتها جالسة وحدها حيث كانت تجلس وهى فى المدرسة، وقد وضعت رأسها على ذراعيها. ولم أكن أرى غير شعرها الغزير الأسود وحركة اهتزاز كتفيها. فقد ذهب جو.

ومر الشتاء الثانى عاصفا ممطرا كما مر الشتاء الأول وقد نبا بنا أمل انتهاء الحرب. وأرتنى بتى بضعة خطابات جاءتها من جو تكشف عن عاطفة ملتهبة وتنم عن حنين شديد، وقبل زواجهما رسميا فى القرية، فقد ذاع أمر زواج الأطفال، وبدا عليها فى شهر إبريل أن هذا الزواج سوف يؤتى ثماره. وقابلت ذات يوم والدتها، فاشتكت إلى الأمر، وأخبرتنى بأنها قد أرسلت تخبر جو بالمولود المنتظر تحت إلحاح ابنتها.

وبعد مضى شهر علانى الدهش عندما دخل على جو وهو فى وعثاء السفر، وبدا كأنه لم ينم ليالى بأكملها. وذهب ليرى زوجه بعد أن حيانى. ووضعت بتى طفلا بعد يومين وشفيت سريعا. وأما جو فقد بقى فى القرية. ولابد أنه فى إجازة طويلة. وكنت نادرا ما أتحدث معه، وإن تحادثنا لم يكن يذكر الحرب. ووجدته ذات ليلة واقفا مع بتى عند بوابة قريبة من النهر، وكانت معركة "السوم" على أشدها. وكانت الجحيم يعلو سعيرها، وهنا السلام يسود والأضواء تذوى، والنهر تتدفق مياهه فى سكون وهدوء. ورأيتهما متقاربين، فحاذرت أن أزعجهما، وظننت أنها ليلته الأخيرة قبل أن يلقى بنفسه فى الجحيم مرة أخرى.

وجاءت إلى بتى فى اليوم التالى وهى فى أشد حالات الفزع وقالت : - أسرع يا سيدى فقد ألقوا القبض على جو. ففزعت وخرجت معها فقالت :

- يظهر يا سيدى أن هناك خطأ فى أمر إجازته، فقد كانت طويلة، وخفت أن يصيبه أذى، فحادثت ضابط القرية، فأتوا وألقوا القبض عليه بتهمة الهروب من الجيش فماذا فعلت ماذا فعلت ! .

ووجدت جو وافقا خارج الكوخ بين رجال الشرطة، فألقت بتى بنفسها بين ذراعيه، وكانت أمها تناقش رجل الشرطة، والطفل يبكى، فسألت جو عن الأمر فقال : - طلبت إجازة فلم يسمحوا لى بها، وكان يجب أن أحضر.

فسألته: - وأين كانت فرقتك ؟ فقال : - فى الخط الأمامى. فأخذت رئيس الشرطة بعيدا وقلت له :

- كنت مدرس هذا الفتى، وقد انضم إلى الجيش وهو فى السادسة عشرة، وله الآن زوج صغيرة وطفل رضيع.

فقال الشرطى : - يجب أن يرجع إلى فرنسا ثانية يا سيدى وإن كان فى ذلك قسوة. - وما معنى هذا؟

فقال : - الإعدام. هرب من مواجهة العدو. أيمكن أن تبعد هذه الفتاة يا سيدى ؟ فقام جو بذلك بعد أن قبل شعرها ووجهها. وسار بين رجال الشرطة.

وتركونى وحيدا فى ذلك الطريق العبق برائحة الزهور، ومعى الفتاة الشقية.

وجلست تلك الليلة أكتب ما أعرف عن جو، وأرسلت نسخة مما كتبت إلى رئيس فرقته، كما أرسلت نسخة أخرى إلى قسيس هذه الفرقة. وكان هذا كل ما أستطيع أن أقوم به.

ومضى أسبوع دون أن تصلنى أخبار، وكانت بتى شاردة اللب معذبة الفؤاد، تعتقد أنها هى السبب فى القبض عليه. وما منعها من الجنون أو الانتحار غير طفلها، وكانت أمها تقول: "خير للفتاة أن تعرف أسوأ الفروض، فالقلق يميتها. "ولم أكن لألمس بشاعة هذه الحرب كما لمستها بسبب هذه الحادثة.

وأخيرا وصلنى خطاب من قسيس الفرقة يقول فيه : " قتل الفتى جو فجر اليوم. وقمت بما أستطيع، فقدمت الحقائق التى أرسلتها، إلى المحكمة العسكرية، فدرستها، ولكن الإجازات كانت موقفة، ورفض طلبه. وكانت فرقته فى الخط الأمامى، والموقف حرج فى ذلك القطاع. وأنت تعلم أن الحالات الفردية لا قيمة لها أمام هذه الظروف،

فواجبه أن يحارب، وخاصة فى مثل ذلك الوقت. وأحزننى الأمر كما أحزن المحكمة. وكان الصبى ذاهلا أثناء المحاكمة، ولم يقل بعد الحكم عليه غير "زوجى، زوجى" واحتفظ برباطة جأشه حتى النهاية. "

واحتفظ برباطة جأشه حتى النهاية . . لن يتهم بالجبن وإن هرب. فلا يصدق هذا من رأى تلك العينين الزرقاوين الصريحتين . . لقد عصبوهما ثم أطلقوا عليه رصاصة واحدة من بين ملايين الرصاص. رصاصة لا قيمة لها، مثلها مثل نقطة من المطر سقطت على شجرة غارقة فى النهر. ثم انحدرت مع مياهه إلى البحر. وهكذا ذوى هذا الصبى كما ذوى آلاف غيره. ولكن أليس من السخرية أن يطلق جيشه عليه الرصاص وهو الذى كان لا بد له أن يصبح هدفا مشروعا للموت فى مدى شهر؟ وأليس من السخرية أيضا أن يترك طفلا فى عالم لا تهدأ ثائرته ولا تخف مطامعه؟ حقا أن نغم الحياة والموت لا يعبأ بفرد منا.

اشترك في نشرتنا البريدية