الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 342الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الأفيون

Share

الفلاح والمخدرات - رسالة الشاعر كوكتو عن الأفيون - الأفيون كمنبه ومخدر - متى عرفه العالم - معاهدة الصين وانجلترا عنه - استخلاصه - زراعته فى الدول الشرقية ومصر .

الفلاح المسكين الذى تكالبت عليه الأدواء ، وعز عليه الدواء يتضح من تقارير مكتب مكافحة المخدرات أنه أكثر الطبقات إدمانا المخدرات . والأفيون والحشيش بدورهما أكثر الأنواع انتشارا . هذا الذى يعانى الجهل والفقر والمرض ما الذى ابتلاء بالمخدرات أيضا ! أغلب الظن عندى أنه راح يدفن آلامه وأحزانه فى الجو الذى تشيعه القطعة المخدرة ، وتكاد نلمس هذا الجو حين تقرأ رسالة الشاعر كوكتو إلى صديقه الفيلسوف جاك موتايان ، فهو يقول (( إن الأفيون ليس إلا مصورا طريقته خدعة الروح . إنه يزين حيطان الحجرة التى أدخن فيها بتصاوير تلذ لى وتريح نفسى . إن الأفيون هو طارد الحيرة والقلق )) . هذا الشاعر ابتلى بالأفيون لما انتابته آلام نفسانية .

على أن الواقع أن الأفيون قد يكون منبها كما قد يكون مخدرا ، ويتوقف ذلك على الكمية التى تؤخذ منه . فهو منبه إن كانت أقل من الحبة grain ، والحبة تزن من الجرام ٦٤ _ و . فهو بمثل هذه الكمية ينتج نشاطا وحركة ، فإن زادت عن ذلك كانت فترة النشاط محدودة لزمن قصير يعقبها نوم عميق بصحبه غثيان ودوار فى الرأس . ولما كان الأفيون منبها ثم مخدرا فإنه يورث الإدمان عند متعاطيه

هذا الأفيون الذى يعانى الناس آثاره السيئة فى القرن العشرين يرجع استعماله إلى القرن الثالث قبل الميلاد . وأما عن طريقة استخلاص القدماء له فهناك من الآثار التى ترجع إلى القرن الأول بعد الميلاد ما يشير إلى استخلاصهم نوعين ، أحدهما من الثمار الجافة ، وهو النوع المألوف اليوم للناس ، والآخر من جسم النبات نفسه بإضافة مواد مذيبة .

والبلد الوحيد الذى كان يحصل الناس الأفيون منه إلى القرن الثالث عشر هو آسيا الصغرى . ويقال إنه أدخل فى الصين فى القرن التاسع الميلادى ، وكانت تستهلك مقادير وافرة منه حتى كانت تلجأ إلى استيراده من الهند لتسد الفراغ المطلوب .

وكانوا يستعملونه فى علاج الدوسنتاريا حتى إذا جاء عام ١٨٢٠ أقفلت الحكومة الصينية موانيها فى وجه التجارة الانجليزية . ودعا هذا إلى قيام حرب بين الصين وانجلترا انتهت بمعاهدة نانكنج عام ١٨٤٢ . وبمقتضى هذه المعاهدة فتحت خمسة موانىء صينية للتجارة الأجنبية وسلمت جزيرة هنج كنج للحكومة الإنجليزية ، فزاد الوارد من الأفيون الهندى زيادة كبيرة إلى عام ١٨٨٠ ، حتى قامت حركة واسعة فى الصين تطالب بتحريم تعاطى الأفيون كمخدر ، ومن مستلزمات ذلك طبعا أن تقف حركة استيراده من الهند . فانتهت حكومة الصين مع الحكومة الانجليزية إلى اتفاق عام ١٩١٣ ، وهو يقضى بوقف إصدار الأفيون من الهند إلى الصين ، وكان فى ذلك خسارة مالية على الهند .

والأفيون هو العصارة اللبنية للثمار الجافة من النبات المعروف فى مصر (( بأبى النوم )) Papaver SonniFerum. ومن أجل ذلك تشق الثمار وتجمع العصارة التى تسيل على ورق من النبات ، ثم تجفف هذه العصارة . وهذه الثمار الجافة قد تكون كروية الشكل وقد تكون بيضاوية . وشكل الزهرة جميل . وأجزاء التويج فيها قد تكون بيضاوية اللون أو حمراء أو بنفسجية تزينها فى أغلب الأحوال بقع أرجوانية قاتمة فى أسفلها . وتحتوى البذور على زيت ثابت غير طيار بنسبة كبيرة قد تبلغ الثلث ، وأحيانا تصل إلى النصف .

وشق هذه الثمار من العمليات التى تحتاج درية ودراية ، لأنه إذا لم يكن الشق غائرا فإن العصارة لا تسيل بأكملها وبذا يضيع جزء من المحصول . وإن كان الشق يمتد إلى

مسافة أكبر مما يلزم ، فانه يبقى جزء من السائل داخل الثمرة وفى ذلك ضياع لجزء من المحصول .

وفى صباح اليوم التالى للشق توضع الأوراق وما يتجمع عليها من العصارة فى الظل لتزداد جفافا ، حتى إذا جمدت العصارة قسمت إلى كتل مختلفة الأحجام ويبعث للتجار ، بعد أن تحاط ببعض الأوراق من النبات ، وبعض الثمار من نبات الحماض Rumex لتمنع تلاصق كتل الأفيون . ويستفيد الزراع أيضا من البذور ببيعها لاستخلاص الزيت منها .

والأفيون ذو اللون الخفيف يقدر بثمن أعلى من ذى اللون القاتم ، لذلك يراعون عند شق الثمار أن يكون الوقت وقت أصيل ، وأن تجمع العصارة قبل مطلوع الشمس فى صباح اليوم التالى حتى لاتؤثر الشمس على اللون فتزيده قتامة : ومن ظروف البيئة التى تؤثر عليه أنه يحتاج إلى تربة رطبة ليست بذات مطر غزير ، كما أن الصقيع القارس أو الحر اللافح يؤثران تأثيرا سيئا على الانتاج .

وكثيرا ما يعمد التجار إلى غشه بإضافة شوائب اليه حتى يزداد وزنه . فمن المواد التى يضيفونها الرمل والطفل وعصارة العنب المزوجة بالدقيق ، والتين المجفف ورب السوس ، والمشمش الذى قارب الجفاف ، وصمغ الكثيراء Tragacanth وهو إفراز من شجر الاسطراغالس الموجود فى آسيا الصغرى ، والرصاص والحجارة .

ولتعاطى الأفيون فى إيران طريقة خاصة ، ذلك أنه بعد أن تجف العصارة ويقل حجمها مقدار السدس تقريبا تضاف اليها شوائب بنسبة ٢٠ ٪ وغالبا ما تكون هذه عصارة راتنجية هى الكحل الفارسى Sarcocolla .ويغلى المخلوط ببطء لمدة ثلاث ساعات مع التحريك الدائم وتشكل العجينة الناتجة على هيئة عصى ، وعندئذ تصبح صالحة للبيع فى الأسواق المحلية . وما يتخلف من الأفيون المحترق بضيفون اليه ١٠ ٪ من الطازج ويعاد تدخينه .

والأفيون الهندى من أهم منتجات الهند ، ولو أن مساحة الأراضى التى كانت تنتجه قد قلت بعد وقف إصداره إلى الصين . ونظرا للندى الثقيل فى الهند فإن نسبة الماء فى العصارة عالية ، لذلك يتخلص من أغلب السائل المائى بالتصفية ، ثم يعرض الأفيون للجو لمدة ثلاثة أسابيع أو أربعة حتى تنخفض نسبة الماء إلى ٣٠ ٪ ، ونسبة المورفين الذى يستعمل فى الحقن كمخدر ، الموجودة فى الأفيون الهندى ، أقل من تلك التى فى الصنف التركى إذ تقرب فى الأخير من ١٢ ٪ .

ولقد كانت زراعة الأفيون مباحة فى مصر إلى وقت قريب ، ولكن لم يجد نوعه . لذلك كان لا يصدر إلا بكميات ضئيلة . وكان يزرع فى مصر العليا بالقرب من اسنا وقنا وأسيوط . وكان أجود أنواعه نسبيا ما نتج فى إخميم . وكان الصنف الناتج فى هذا الإقليم يحوى ٢٤ و ٧ ٪ من المورفين ، فى حين أن الأفيون الذى كان ينتج فى أسيوط كان يحوى فقط ٠,٦ ٪ . وكان تعليل رداءة الصنف فى مصر أن التربة رطبة أكثر مما يلزم ، وان الناس لم يحسنوا طريقة استخلاصه .

وضرر الأفيون إذا أخذ عن طريق الاحتراق أقل من ضرره إذا ابتلع ، إذ علاوة عما سلف ذكره من الأضرار فإنه يحدث تأثيرا سيئا على الجهاز الهضمى  وكلا الطريقتين إثم من الخير تجنبه لمن أراد الهدى والعافية ورضاء الله . .

اشترك في نشرتنا البريدية