الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 449الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الاسبوع، الجفاف، قصة مصرية

Share

لما مات والدة انخرط في بكاء طويل وادفع نحو صدر أمه يدفن فيه أحزانه .

ولما ماتت أمه لم يبك . . بل ظل ساكنا لا يصدق ، وقف مبهوتاً كأن صاعقة قد مسته ، وكان ينظر إلي جسدها المسجي علي الفراش نظرة زائفة ، وأدار بصره بين إخوته المشفقين عليه . . ثم سحت الدموع فجأة من عينيه غزيرة وتطلع إلي الصدر الذي يمكنه أن يندفع نحوه . . ولكنه لم يجده . . فشعر بنفسه بتخاذل ووقع مغشياً عليه !

كان حبه لوالدته حياً هائلا بملأ شغاف قلبه الصغير ، وكان ما زال طالباً بالمدارس الثانوية ، وكان هو آخر ذرية والديه ، فأولياه من حبهما الكثير ، ونشأ رقيق العاطفة ، دقيق الإحساس ، غزير الشعور . وأحب أمه منذ النظرة الأولى التى فتح فيها عينيه على وجهها الأبيض الهادىء

بملامحه الطيبة ، وكان دائماً يجد على صدرها هناءته ، وفي ضمتها سعادته ، وفي قبلاتها حلاوة الحياة التي بدأ يسير في موكبها . ونما وترعرع وقد سري حبه لأمه في شرايينه مع دمة واختلطا ، وبات يعتقد تماماً أنها كل شئ له في الحياة ، والسراج الذي يضيء طريقه فيها ، وأن سعادتها الدائمة هي الأمل الذي يرجوه ويجاهد من أجله . . وكان تبعاً لذلك يضقيه أن يراها حزينة لحظة ما ، فسرعان ما يبكي لبكائها دون أن يعرف السبب فتمسح دموعه بقبلاتها . وكان لا يحتمل ابتعادها عنه وكانت هي تلاحظ دائما لهفته عليها في غيابها واندفاعه نحوها في وجودها

ويفقدها فقد كل شئ . وبقي صامتاً أياماً طويلة لا يتكلم إلا لتأدية طلباته سواء في المنزل أو في المدرسة وعجب أصدقاؤه لذلك . كان معروفاً بينهم بضحكاته العالية المرحة ، وروحه اللطيفة ، وأحاديثه المتوالية .  . كانوا كلهم يحبونه لبشاشته ز . ولكن حدث ذلك الانقلاب في حياته فغير من طبيعته . . وأصبح صامتاً . . هادئاً . . لا يتكلم إلا بحساب . ولم تعد للحياة قيمة في ناظريه ما دامت قد عصفت بحبه وامله وسعادته وهنائه .

ولكنهم أنشأوه مؤمناً . وكان يعرف الله جيداً . فحاول الاستسلام للأمور . . وعاد يسير في ركاب الحياة . كان إخوته من حوله ، ولكن الحب الذي يتبادلونه جميعا يختلف عن حب والدته بطبيعة الحال ، وكان كل منهم مشغولا بشئونه الخاصة . وإذا بفراغ قلبه لا يملأه ، شيء ، وإذا به يشعر بالجفاف والسقب والجوع العاطفي ، تؤثر على ذلك القلب فتكاد تهلكة !

ولما آن له أن يعمل في الحياة خرج إليها وحيداً وبدأ عمله بعيداً عن الإسكندرية مسقط رأسه ومسرح نشأته وراعية تلك العاطفة القوية الجبارة التي تزخر بالحنان والعطف . . حبه لأمه وحب أمه له .

ولم يجد بأساً في أن يكون بعيداً عن إخوته ما دامت المقادير قد أرادت أن تأخذ أمه منه . . وما الذي يضيره ان يعيش في أي مكان ، فلقد أصبحت البلاد والمدن لديه سواء ما دام لا يجد ذلك الصدر الحنون يرتاح إليه

وعاش وحيداً . . وتقدم يواجه الحياة في تلك السن الشابة غير مكترث ولا رجل . . ولكنه كان دائماً يشعر بأن قلبه يكاد يتشقق من فرط الجفاف الذي يعانيه .

ولما قيل له إنه يمكن لهذا القلب أن يستعيد نشاطه ، وأن يعود إلى نفسه ولو بعض اشراحها ، حاول تصديق هذه الأقوال ، ودفعته الحياة لأن يبحث ليعوض سعادته الضائعة .

ومرت به التجارب الكثيرة المتعددة النواحي . كان يسكن عند امراة نمساوية عجوز . . امرأة طيبة ، تسبغ عليه من حنانها الكثير ، وأحبها هو ، ولكن مع ذلك كان يشعر في قرارة نفسه أن حنانها هذا إنما هو في مقابل ما يدفعه لها من نفود ، فلم يكن إذا حباً خالصاً . . وما كان هو ليبحث إلا من الحب الخالص الخالي من الشوائب والأغراض.

ودفعه الشباب مرات عديدة فأنشأ علاقات مع فتيات ، وحاول أن يرفعهن إليه ليتساوى شعورهن بشعوره ، وأحاسيسهن بأحاسيسه . . ولكنه فشل ,

لم يجد معهن الحب الطاهر الذي يبحث عنه ويعوضه خير عوض عن حب أمه المفقود . بل وجد الغرض الآثم مرة والخداع أخري والنفاق ثالثة والغش رابعة والحب إذا داخله شئ من ذلك لم يكن حباً . وتنقل من واحدة إلى اخرى فما خفق قلبه لإحداهن الخفقات التي يرتجيها . .  وعاد مخفقا .

وكان له أقارب يحبونه بعطفهم ، ولكنه كان يشعر تمام الشعور أن عاطفتهم نحوه ليست هي الحب . . الحب الذي فقده وجعل يفتقده فلا يجده . . بل كانت عاطفتهم هي الشفقة به ، وهذا أكبر ما يجرح شعوره ، فقد نشأ على الكرامة والرجولة وعلو النفس .

وهو يذكر أن إحداهن - وهو يحترمها ويجلها ويحبها - قالت له يوماً :

- إني اعتني بشئونك لأنك مسكين وحيد ! لم يقل شيئا . . فهو يؤكد انها لا تقصد ولا تعرف أن هذه الكلمات تجرحه في الصميم . وحاول الضحك , وشكرها ! .

ولكنه كان يبكي في نفسه . فهو لا يبحث عن الشفقة . . بل يبحث عن الحب الخالص . . ولكن أين حبهم له ، وكل معنى بأموره . . وهو وحيد !

أما أصدقاؤه فكانوا ككل الأصدقاء ، يربطهم رباط طيب ، ولكنه لا يغني عما يبحث عنه قلبه .

وظل هكذا يبحث حتى مل البحث . ويرجو حتى مل الرجاء . . ويأمل حتى هزمه اليأس . . وكان ما زال على صمته وانطوائه على نفسه . . يتأمل في كل شئ ، وبشعر بكل شئ ، ويتأثر لكل شئ . ويهرع إلى كتابه يخفى فيه همومه .

إن أعصابه الثائرة ورقة شعوره ، ودقة إحساسه ، قد نقصت دائماً عليه حياته . كان يقول لنفسه دائماً : " لو خلقني الله متبلد الإحساس ، عديم الشعور . . لكنت سعيداً ولكنه ما خلق كذلك بل خلق وبين حناياه قلب يخفق بحب أمه حتى بعد ان مرت على وفاتها تلك الأعوام . . ونفس أبية لا تقبل الضيم ، وكرامة يحرص على ألا تمس . . وشعور فياض يجتهد في ألا يجرح ، وإحساس دقيق يتأثر لأي شيء . وحاول أن يعيش بهذا كله ، وكافح وقاوم ، فكان ينجح أحياناً ويخيب أخرى .

سألته يوماً إحدي قريباته ، ولعلها ضاقت ذرعاً بصمته وفتوره وآيات الأسى المرقعه على وجهه دائماً ، ما الذي يشقيك بابني وانت لا تحمل من أعباء الحياة المادية شيئا . . ما الذي ينقصك وما الذي تريده ؟

فقال وهو يتألم : ينقصني أم . . لو كانت لي أم لاستبشرت في الحياة . . أو ينقصني حب يعوضني خيراً ن حبها . .

فقالت : أهكذا يفعل كل من فقد أمه ؟ ! قال : نعم بفعل هذا كل ذي شعور وإحساس دافقين . .

كانت تلك هي فلسفته في حياته الفاترة التافهة بعد أن فقد أعز ما يملك فيها . وأطلعها على ما كتبه في يومياته في أحد أيام عبد ميلاده ، كان يقول :

" إني أذكر ذلك اليوم من كل عام . . أذكر تلك القبلة التي كانت توضع على جبيني ، وتلك الربتة الرقيقة على خدي وظهري ، وتلك الخفقات التى كنت أتسمعها من فؤاد أحتله . . من أم كانت تجمع مع كل ذلك لطف المعشر وحسن الصداقة . حين كنت صغيراً لم تكن لي أما فحسب ، بل كانت صديقة كبيرة ومرشدة حكيمة ومناطا أعقد عليه كل آمالي ونوراً يضئ جنبات حياتي . . حتى إني كنت سعيداً إلى أقصي ما أتصوره من السعادة . . كنت أستدفيء بصدرها ، وأستظل بعودها ، وأستريح على ذراعها ، وأرتفع معها إلي ذروات عالية من الحب الخالص . . حب أموي عظيم هائل قوي جارف ، لم أر ولم أشعر أن سيدة تبادل به ولدها في هذا الوجود . .

إني أعود بذاكرتي إلي أيام كنت فيها إذا لم أشم يدها صباحا لا أعرف لذلك اليوم لذة ولا أشعر له بأي معني . حتى آخذ تلك اليد البيضاء العزيزة الطاهرة بين يدي أدفئهما بها ثم أرفعها إلي فمي لأضع عليها قبلة أشعر بعدها بأني حقاً اعيش وبأني حقاً إنسان وبأني حقاً أمتلك شيئاً في حياتي هو نعيمي . . وهو جاهي . . وهو نهاية أملي ."

وأخيراً يئس من كل شيء . إن الأمور مهما تحولت فلن يجد حباً يضاهي الحب الذي فقده . وأعتقد دائماً أن حب الأم حب لا يعوض . وأن هذه العواطف التي يحيطه بها كل من يعرفه إنما هي لفائدة او غرض أو مجاملة ، وإن لم تكن كذلك فمجرد شفقة أو عطف . . وهما أدنى مراتب الحب .

وكره كل شئ ، . وأحس بنفسه دائماً يستعين بخياله ليعيش مع أمه . . كان يتخيلها طيلة نهاره وطيلة لياليه المهددة القلقة ، وكان سعيداً بهذا الخيال الذي أغناه بعض الشئ .

وليلة . . زارته ، وسمعها تهمس باسمه ، وتأخذ بيده وهي تبتسم وتضمه إلى صدرها ، وتقبله في حنان ، وتربت

بيدها على ظهره وتمسح بها رأسه . . وقام يسير معها . . قالت : أتتبعني يابني ؟ .

قال : كيف لا أتبعك يا أماه وقد وجدتك أخيراً ! وفي الصباح كان يرقد في سبات أبدي عميق وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة مشرقة فيها الكثير من الهدوء والسعادة .

اشترك في نشرتنا البريدية