في الظلام الرهيب. . في غفلة الدهر. . في يقظة الدم المخمور
في انتفاض الغصون. . في عاصف الريح، في فورة اللظى المسجور
رن لحن مخضب يتنزى. . في جنون مستكبر. . مقهور. .
في صدور الأمواج يطفر. . مشبوبا. . ويرتج كالصدى المذعور. .
حملته الرياح للأفق الغاضب، لبحر، للذرى، للنسور
فكأني أحس دمدمة الماضي وصوت الأجيال تحت الصخور
تحطم القيد في جنون وتمضي خافقات الجناح فوق الأثير
إنها قصة الحياة لشعب أبدى الخلود مثل الدهور. .
قصة الدمع والدم. . قصة البعث والخلود
قصة الأمة التي حطمت صخرة القيود
طلع الفجر فاروها للربا وأعزف النشيد
أنفس حرة. . تصفق للموت. . وتنهار في اللظى المجتاح
وقلوب تدق. . في موكب النصر. . وتحنو على الدم النضاح
حطمت هيكل الظلام. . وطارت. . مطلقات جناحها للصباح
حطمت قيدها العتى. . وهيت. . تنشر الهول في الربى والبطاح
فإذا البحر مارج من دماء. . ظامئات إلى اللقاء المتاح
وعلى الأفق روضه من ورود. . قانيات. . ترف فوق الجراح
وكأن السحاب شب حريقا. . يتهاوى على عزيف الرياح
إنها قصة الكفاح لشعب. . . باركته السماء يوم الكفاح
عاصف جن فارتمى في شعاب الردى الكئيب
أشعل الحق روحه فتأبى على الخطوب
ومضى ينسج اللظى وانثنى يغزل اللهيب
. . . ومضى الركب. . . والحتوف حواليه. . . جحيم يطبر في أجوائه
وهتاف الأحرار في مسمع الكون. . . نشيد مخصب بدمائه
ولهيب المنون يزحف في الشاطئ. . . ظمآن كالحريق التائه. . .
وقف الدهر ضارعاً لأسى طفل شهيد ملفع بنقائه
في اللظي المشرئب. . . عانقة الصبح. . . فذابت أشواقه في ضيائه
هجر الروض. . . والعصافير. . . والنهر. . . وحلما يرف في أحنائه
ومضى والنهار. . . وهم بعينية. . . كطيف الغروب عند انطفائه
ظامئ القلب للمنى. . . لأغاريده. . . لعرسه
حن للزهر. . . والزبى. . . فسقاه الردى بكأسه
أطلق الموت أسره. . . وغدا يومه كأمسه
لست طفلاً. . فأنت طيف جميل. . عبر الأفق عازفاً أنغامه
لست طفلا. . فأنت روح نبي. . غادر الأرض. . حاملاً آلامه
صفقت روحه الطروبة للموت. . . وضجت أفراحه المستهامة
وبعينيه للصباح. . . حنين كرفيف الأزاهر البسامة
وربيع الخلود في قلبه الضاحك. . . روض. . . وجدول. . . وغمامة. . .
في ظلال الغصون. . نامت لياليه. . وغطت أوراقها أيامه. .
صافح الشاطئ الحبيب. . وأغفى. . وعلى ثغره خيال ابتسامه
وغدا. . . قصة الدموع ستروى: للإله العظيم. . . يوم القيامة
اومضا الركب طاويا. . . شاطئ الدمع. . . والنواح. . .
بين قلب ممزق. . . ذاب في ثورة الرماح. . .
ويد تحجب الردى. . . ويد تغسل الجراح
عبر الشاطئ الجريح فرنت. . . صدحات البلابل المحزونة
وتمطى النسيم في مئزر الروض. . . وهبت عطوره المفتوحه
واستطار النشيد، كالتفت النهر. . . وثارت أشواقه المحنونه
وانحنى فوق زهرة عانقته. . . وتهاوت أوراقها مستكينة
إنها الزهرة الشهيدة تروي. . . قصة الروض للضفاف الحزينة
نسجت عطرها الخفي جناحا. . . أطلقته على ضباب السكينة
أيُها النهر بين جنبيك قلب. . . مستهام الرؤى يذيب أنينه
إنها الزهرة الشهيدة فأنضح قلبها بالندي. . . وأطفئ شجونه
ذاب في عطرها الأسى. . . مات في روحها الأنين
عبرت شاطئ الردى. . . سوف يبقى على السنين
هي رمز مقدس. . . سوف يبقى على السنين
سمها ما نشاء لست أراها. . . في فنون الأسماء. . . والأوصاف
هي معنى في خاطري للبطولات. . . وللمجد. . . والخلود الضافي
هي إن شئت ابنة النيل. . . شبت. . . في الرياض العذراء فوق الضفاف
في رفيف الضياء. . . أنبتها الفجر. . . على شاطئ الغدير الصافي
وسقاها النبع الإلهي. . . خمرا. . . من عبير الخمائل الرفاف
فسرى لحنها المعطر. . . روحا. . . ذاب في خفقة النسيم الغافي
زهرة النيل. . . وابنة الشاطئين. . . ونجوى الحمام للصفصاف
وهيت عمرها. . . لمجدك يا مصر. . . لمجد الأجيال. . . والأسلاف
ودنا الفجر فاحتمى. . . شبح الليل بالغصون
وسرت نفحة الريا. . . في رؤى الشاطئ الحزين
ومضى الراكب سابحاً. . . في رؤى الشاطئ الحزين
أشرق الفجر بالضياء. . . وطيف الليل يحبو على الضفاف الحبيبة
وتهادى النشيد. . . في مزهر الأفق ... في هدأة الليالي الرهيبة
عانق النهر. . . والخمائل. . . وهنا ... فتغنت به المروج القشيبة
ودنا موكب الصباح. . . وهبت ... نسمات. . . مرنحات. . . رطيبه
بعد أن ذابت النفوس حنينا ... واستبدت بها الظنون المريبه
أيُها الحائر المحموم. . ز صفق ... بجناحيك. . . للدماء السكيبه. . .
حان الخلاص فابسط ذراعيك ... للأفق. . . للسماء الرحيبة
إن هذى الدماء. . . معبر شعب. . . ... يسترد الحرية المغصوبة

