الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الرباط المقدس :، بين المد والجزر

Share

قرأت فيما قرأت فى الصحف اقتراحا أعجبنى وحملنى على التفكير الطويل ، فقد قطن أحد الأدباء الأذكياء إلى ضرورة وجود جائزة أدبية فى مصر تتوج باسم فاروق ملك مصر الحبيب المرجو لكل خير ، ويكون منها نصيب لتشجيع الأدب فى العالم العربى .

أقول أعجبنى هذا الاقتراح ، وأطلت التفكير فيه ، ولم أنس نصيبى منه فى الخيال فزينت لنفسى ما يكون من أثر هذه الجائزة لو تحقق الاقتراح ، وأخذت أسبح فى عالم الرؤى ، وأستجمع فى نفسى شوارد الإلهام لعلى أوفق إلى موضوع لمؤلف رائع أبد فيه الأدباء جميعا ، ويعترف لى به الأقران ، وينادي من أجله باسمى المحبون والمنافسون ، فأفوز بعد ذلك بالجائزة فتقع منى موقع الماء من ذى الغلة الصادى .

بل لقد جمح بى الخيال فقدرت الجائزة بألف من الدنانير ، وقلت لنفسى " لا بأس بهذا القدر من المال ، وإن كان الغلاء ، يجملها فى حكم المائة أو المائتين ". وألح بى التصور بعد ذلك كله حتى خيل إلى أننى قد فزت فعلا بالجائزة أو أنها صارت منى قاب قوسين ، وأنها صارت مؤكدة مضمونة . ثم زين لي أن أقوم من ساعتى فألجأ إلى رجل ذى مروءة وتجدة ومال كثير لا يبخل على الاصدقاء ، فأطلب إليه أن يقرضنى تلك الدنانير كلها أو جلها على أن يجعل ذلك دينا ينتظر به على حتى تتحق الاحلام بعد حين .

ولم أجد فى أصدقائى رجلا ظننت أنه يجمع كل خلال الكرم والغنى إلا صديقا واحدا هو توفيق الحكيم . فقد كانت فراستى فيه صادقة فى كثير من الأمور ، وزعمت لنفسي أنه رجل أديب بقدر الأدباء ، وأنه رجل غنى واسع الثراء له حظ موفور من الذهب والفضة مما وهب الله له من تراث قديم وطريف مستحدث ، ثم أعرف فيه كرم الطبع ولين الجانب وطيبة القلب وحسبت أننى لن أجد صعوبة

فى إقناعه بوجاهة مطلبى .

وما فكرت حتى هممت ، وما هممت حتى انتهيت ، فإذا بى فى داره ، وإذا به يستقبلي استقبال الخيم ويخلع على ما تعود أن يخلعه على من نظراته وبسماته وكلماته ، حتى أثلج صدرى ، لا بل استغفر الله لقد أدفأ صدرى .

ولم أطل عليه المقدمات بل اختصرت الطريق إلى مقصدى ولحنث له بحجتى ، حتى رأيته ينظر إلى فى عطف ثم رأيته يمد يده إلى جيبه فيخرج منه مفتاحا فى مفاتيح ، ثم قام عنى صامتا ودخل إلى الحجرة الآخرى .

وقعدت أنتظر عودته ، وعاد إلى الخيال فجمح لى وشرد ، وكان عند ذلك أفسح مجالا ، وأطلق عنانا ، فخيلت لنفسى ما أنا صانع بالمال إذا ملا جيبى وما أنا فاعل بعد ذلك بنفسى وبقيرى ، وكان أول خواطرى ان أقلد الأستاذ ( توفيق ) فى ترك الحكومة والاعتماد على قلمى . مؤثرا حياة البشر على ضيق الحجر ، ناجيا من قيود الوظيفة وما تتطلبه من مداجاة ومداراة وغير ذلك مما يعرفه الموظفون فى مصر .

وقطع الأستاذ على سلسلة الخيالات بعودته ، فنظرت إلى وجهه وكانت عليه بسمة خبث تلمع فى عينيه . وجلس صامتا حينا ثم مد يده إلى بكتاب .

فقرأت عنوانه فوجد الكتاب الأخير الذى اخرجه منذ قليل وهو " الرباط المقدس " .

وقال فى ضحكة رقيقة . هذا ما أملك يا صديق وأعتذر إليك من خطئك أنت . وأنى يكون عندى ما نطلب من المال وأنا رجل أديب ، وحسبى أن أكون رجلا أديبا . وكان قوله قاطعا حاسما فلم تكن المراجعة لتجدى شيئا معه ومددت يدى فأخذت الكتاب وقلت لنفسى : " إذا لم تكن الدنانير فالكتاب خير من أن أعود خائبا " .

ووضعت الكتاب تحت إبطى واستأذنت منه فى غيظ وسرت فى طريق أهمس بكلمات أحمد الله علي أن صديقى لم يسمع منها كلمة .

وقسوت فى أحكامى عليه فقلت لنفسى ماذا هى أن يكون هذا الكتاب ؟ إنه حقا أضخم من سائر كتبه ، فقد تعود

أن يطلع بالكتاب فى صفحات يمطها مطا ، وينثر ألفاظه نثرا ، لكى يوسع بينها بياض الصفحات ، ثم ما أدرانى لعله قد جمع فيه قصاصات من مقال لأنه ، أو لعلى فيه بأحاديث من الشرق والغرب كما فعل فى ( عصفورة ) أو أو . ولم يخل قلبى من الحقد عليه لعودتى من داره بغير أن أحمل الدنانير الألف .

ثم عدت إلى الدار ، وجعلت أتصفح الكتاب وأنا أبسم فى كثير من التحفز للسخرية ثم قرأت فقلت ما هذا ؟ إنه كلام رائع فعل الله له ! ثم ما هذا ؟ إنها لصورة صافية مثل ماء المزن لا دردره ؟ ثم ما هذا ؟ إنه لأسلوب يشيع فيه النور ، وتنعكس عليه ألوان قوس السماء . لله هو من فنان ! حتى أتممت ستا وتسعين صفحة .

ثم قرأت الخطابات التى كتبها المحب فى القصة المحبوبة التى فارقته ولم تعد إليه ولم تترك له أثرا ينم عليها . حتى عنوانها لم تتركه عنده ولم تبعث به إليه . تلك الخطابات التى يبعث بها إلى الحبيبة ، بل كتبها لكى يناجى نفسه ويتخذها وسيلة للتغنى بحبها .

فوقفت كأن شيئا صدمنى ما لتوفيق وهذه الخطابات ، إنها وسيلة للناشئين فى فن القصة إذا أرادوا أن يملأوا الفراغ بألفاظ منمقة يخدعون بها أنفسهم : حقا كانت تلك الخطابات مثل العقبة تعترض سبيلا تخف بها الزهور وتغنى من فوقها الطيور .

ولما فرغت منها تنفست الصعداء وعدت أقرأ فى شغف حتى انتهيت إلى مذكرات المرأة المحبوبة . وهى مذكرات عثر عليها الزوج عفوا وقرأ فيها أسرار المرأة الدفينة . ما هذا . ؟ أهذه امرأة يصورها فنان ؟ إنها لا تزيد على أن تكون قطة أو كلبة أو فردة أو حيوانا من حيوان الناب أو الحقل ، وليست على كل حال بامرأة من البشر .

قالت المرأة " إنى أحب . إنى أحب وما من عقل أو حزم أو منطق يحول بينى بعد الآن وبين الهدف . لابد لى من بلوغ مأربى وفى سبيل أن افوز ب ( .... ) لن أحجم إذا لزم الأمر عن ارتكاب الجريمة .

ثم قالت بعد حين من الرفث : " وتنفسنا والعين فى العين . فخيل إلى أنى أشرب أنفاسه شربا . وأنها تهبط إلى سويداء قلبى ، فأدركت عندئذ أن جسدى كان جوعان حبا . وإن هذا الرجل يستطيع أن يصنع فى ما يشاء ... وهنا شعرت بأصابعه اللبقة تفك أزرار ثوبى وتجردنى منه بغير لهفة ولا عجلة ، ثم جمل يعجب بى وأنا هكذا . ثم أخذ يداعبنى بيده وفمه " ...

ثم قالت بعد حين من الرجس " ما أسعدنا نحن النساء بأن تذعن لمثل هذا الرجل ، وأن نطوى إرادتنا تحت جناحه ".

وقالت " إن المرأة يجب أن تفهم الرجل أنها مساوية له ، وأن الأمر بإرادتها هى أيضا . وأنها تعطى عندما تريد هى أن تعطى " .

ثم قالت أخيرا " لقد فكرت فى مصير تلك المرأة التى يذهب إلى رجل لتضع حياءها بين يديه دون ان يكون فى جيبها قرش . حقا كيف أستطيع وأنا المجردة من كل ثروة خاصة إذا انفصلت عن أسرتى وترفعت عن مديد السؤال ، أن ألقى بعبئى علي كاهل ( ... ) إن كرامتى لتأبى ذلك ... فهل يطيق هو أن يتحمل ذلك العب طويلا ؟ لا . لا ينبغى أن ينتهى الحب إلى هذا الحد ، وليس من الضروري أن ينتهي الحب دائما بالهرب مع الحبيب .... إن الذى أراده ( .... ) أن أدبر وسيلة أو أخترع حجة للسفر معه بضعة أسابيع دون أن يفطن زوجى " . أي شئ فعل توفيق ؟ .

إنه يبارى القصمى الانجليزى لورنس فى صراحته الشوهاء ، ماله يكشف الستر عن هذه المرأة التى صور منها صورة الملائكة فى أول الكتاب فإذا به يبديها عاهرة ماجنة .

أما كان أولى به لو ستر واقتصد ؟ إنها تتحدث حديثا مكشوفا لا يرضاه السمع ، وان كان توفيق يزعم أنها مذاكرات خاصة لا تريد المرأة أن تقرع بها الأسماع ، انها امرأة كحيوان ، أو هى حيوان كامرأة ، أنها تتحدث عن الجسم

ولا تعرف الروح ، انها تهيم فى الطين ونصفه كما لو كان عطرا ، انها تخوض فى الغلام وتصفه كأنها نصف الفردوس فى شعر .

ماذا فعلت يا توفيق ؟ أهى عروة انفتقت عن إباحية ؟ أهى دعاية مكشوفة إلى المجانة ومتعة البدن ؟ .

ثم طويت الصفحات واحدة بعد أخرى حتى بلغت الصفحة الخمسين بعد المائتين . فتنفست الصعداء مرة أخرى وأخذت ألتهم القصة التهاما حتى انتهيت إلي آخرها . ولكن الآخر من القصة كان رائعا .

حقا إنه لقصصى مبدع ! هذا الأديب الذى أثارنى وأغضبنى أخذ بعد ذلك يرضينى ويملأنى اعجابا بفنه . وقرأت له وهو يحدث المرأة قائلا :

" إنما أود أن ألفت نظرك إلى أن الزواج قبل كل شىء عقد من العقود لا قيد من القيود . عقد بين طرفين لكل منهما حقوق وعلى كل منهما واجبات . وقد أخذ رأيك فيه قبل إبرامه وقبلت أن يحترمى يحتوي شروطه فما من أحد يقيدك بقيد ولكنك مطالبة بتنفيذ عقد " .

ثم قال لها " المرأة المتزوجة قد أبرمت عقدا كما قلت لك وقد تعهدت فيه بالحب لزوجها والوفاء له ) ولابد أن تفي بوعدها) . المرأة اليوم تكثر الكلام عن الحرية ( أن الحرية الحقيقية هى فى احترام العقود لا الإخلال بها " .

وقال لها " إذا تغيرت عواطفك فغيرى العقد ، اذهبى إلى زوجك وقولى له بكل هدوء ( إن عواطف قد تجهت إلى شخص آخر ولم يعد في استطاعتى القيام بتعهداتى فى الوفاء لك منذ اليوم ، والأمانة تقتضينى أن أطلب إليك الطلاق " .

هذا ما يجب أن تفعله المرأة إذا وثقت من صدق عواطفها ولم تكن هازلة ولا مغامرة ولا ضعيفة عن صد شهوة عابرة . ولكن المرأة تريد أن تأخذ من الزوج اسمه وماله وبيته لتجمل من ذلك كله إطارا براغا لحياتها . لماذا يحلو للزوجة أن تجعل من زوجها ثورا يدور ويكد ويكدح فى ساقية الحياة ليروى ظمأ ملونا ؟ " .

ما كنت أصدق أن ( توفيق ) يبلغ كل هذا ، كنت

أحسبه لم يعرف المرأة - كنت أراه رجلا عزبا لم يعرف المرأة إلا من وراء ثيابها الحريرية ، ولم ينفذ إليه منها إلا عطرها الساحر . كنت أظن أنه يتملق ويفك القيود ويطلق الغرائز فإذا بى أجده قاسيا بالغا فى القسوة على المرأة الماجنة . لقد هتك الثياب عن المرأة الماجنة فجردها وجعلنا نراها وهى تحملق إلى جسدها فى وحشية ، ثم لف أصابعه حول عنقها فصرعها ثم أهوى عليها يطعن ويقطع و يمزق بالمشرط فى غير رحمة ، حتى لكأنه قد بلى من المرأة أشد ما يبلوه الرجل منها وقاسى قسوتها وتجرع  غصصها ، هذه المرأة الماجنة التى تستطيع أن تكون لها أنانية الوحش وقسوة السهم المسموم وخيانة ملمس الحية الرقطاء ، لقد صرخ من أعماق قلبه عندما سمع أن الضابط المخدوع قتل نفسه فقال ( مات الرجل ! لعنة الله على النساء )

فى هذه الكلمات القلائل صور الفنان توفيق كيف يثور الزوج المخدوع على نفسه لأنه ثائر على الإنسانية

القاسية ، ولكنه عندما لم يستطع أن يقتلها جميعا لم يجد إلا نفسه ينشفى بقتلها . وصور كيف يبلغ الحنق من الرجل الذي يثق بإمرأة ثم ينكشف له الحق ويعلم انها كانت تسخر من ثقته سخرية قاسية سخرية مثل حز السيف على مهل .

ثم كانت نهاية القصة مناقشة بارعة ، فيها منطق الفاجرة وفيها منطق المجتمع ، فيها جداع الأسماء وفيها صخرة الحقيقة الثابتة ، فيها الصراع بين تغرير الطبع العامى الحيوانى وبين هداية العقل السامى .

أما إنها لآية فى الفن حقا ؛ وما كدت أفرغ من القراءة حتى قمت وأنا ألهث من التأثر وخاطبت صديقى ( توفيق ) فى التليفون ، وقلت له بغير مقدمات :

- لقد تنازلت لك يا سيدى ، تنازلت لك عن الدنانير كلها ، تنازلت لك عن جائزة فاروق فأنت جدير بها ، أنت جدير بجائزة فاروق لهذا العام وسأنتظر أنا إلى العام المقبل .

اشترك في نشرتنا البريدية