الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 634الرجوع إلى "الثقافة"

قصة الكتب الإضافية

Share

ما كنت آبه للنقد الذي وجهه الأستاذ سعيد العريان وزملاؤه ، لولا أنهم أمعنوا في النقد وبالغوا فنالوا من شرفي ، وشروا ذلك في جريدة الأهرام والكتلة والنداء والبلاغ . فأحببت أن أشرح القصة كما اعلمها .

شرفني معالي وزير المعارف الدكتور السنهوري باشا برياسة لجنة تنظر في كل ما يتعلق بترقية اللغة العربية . وكان من أعضائها المفتشان الأولان للغة العربية : الأستاذ محمد علي مصطفى والأستاذ سليمان منصور ، والأستاذ إبراهيم مصطفى بك عميد دار العلوم ، والدكتور القوصي عميد معهد التربية ، والرحوم على بك الجارم . وكان ذلك بمكافأة لا تتجاوز ستة جنيهات في الشهر لم تقرها وزارة المالية إلا بعد أكثر من سنة ، ومع ذلك مضينا في عملنا .

وكان أول عمل قمنا به دراسة اللغة العربية في المدارس بفروعها المختلفة ، من مطالعة وقواعد وأدب وبلاغة واستعنا في ذلك بالخبيرين والخبيرات من مصريين وأجانب . ومكنا في ذلك نحو سنتين . ووضعنا تقريرا مفصلا رفعناه إلي معالي الوزير . وكان التقرير محل إعجاب رجال الوزارة وأساسا للمؤتمر الثقافي الأول للجامعة العربية الذي عقد في لبنان ، وكان هذا التقرير أيضا أساس وضع منهج لمراحل التعليم المختلفة من رياض أطفال وابتدائي وثانوي .

وعهد إلي هذه اللجنة على هامش عملها النظر في الكتب الإضافية المقررة في المدارس الثانوية ، وكان الغرض من هذه الكتب غرضا نبيلا يرمي إلي هدفين : تشجيع المؤلفين المصريين على التأليف في الأدب ، وتشجيع الطلبة على قراءة الكتب الأدبية . وقامت اللجنة بهذه المهمة ؛ فكانت تقرأ الكتب قراءة عميقة وتختار أحسنها ، وقد تعمد إلى أن تقترح على المؤلف تغيير كلمة أو تعديل صحيفة أو فصل في الكتاب ليتناسب مع الطلاب . ولم تخطئ في ذلك خطأة

واحدة - لا كما حدث بعد ، من تقرير كتاب للأستاذ محمود بك تيمور لطالبات المدارس الثانوية ، وقد اعتذر تيمور بك لأن الكتاب لا يتناسب مع الطالبات ، لأنه يمثل فتاة فنانة في شارع عماد الدين .

وقد راقبت اللجنة الله في عملها ؛ فلم تقصد إلا إلى مصلحة الطلبة واستفادتهم من الأساليب المختلفة لشيوخ الأدب في العصر الحديث ، فلم تنظر إلى حزبية ما ، فاختارت لزعيم حزب الأحرار الدكتور حسين هيكل باشا ولبعض النابهين من الوفد بين أمثال الدكتور طه حسين باشا ولبعض النبغاء من السعديين كالأستاذ عباس محمود العقار ولمن ليس لهم لون حزني ، كالمرحوم الجارم بك والأستاذ تيمور بك . وللمتوفين رحمهم الله ، مثل شوقي بك وحافظ إبراهيم بك ومصطفى لطفي المنفلوطى . وساعدت أشهر الناشرين جميعا أمثال مكتبة المعارف ومكتبة النهضة ولجنة التأليف والترجمة والنشر ومكتبة الأداب وغيرهم ممن لا يزالون يترحمون على هذه اللجنة إلى اليوم . ولم تسمح لأي مكتبة أن تحتكر توريد الكتب كدار المعارف سواء كان مطبوعا عندها أو لا .

وقد اقترح كاتب هذه السطور على اللجنة في أول جلسة من كل سنة ، ألا يختار كتاب لرئيس اللجنة ولا أحد من أعضائها كما هو مدون في محاضر الجلسات المودعة في الوزارة ، فأبى ذلك المرحوم على الجارم بك بحجة أن ليس من العدل حرمان مؤلف جيد لأنه عضو في اللجنة ، والأستاذ إبراهيم مصطفى بك بحجة أن رائد اللجنة اختيار أحسن الكتب بقطع النظر عن كون المؤلف عضوا في اللجنة أم لا . وكان حضرات الأعضاء يبدون آراءهم بكل شجاعة . فقد اقترح مثلا بعض الأعضاء جزءا من فيض الخاطر ، ولكن الأستاذ

محمد على مصطفى عارض في ذلك بكل قوة ، لأن الكتاب مجموعة مقالات لا وحدة بينها ، وعارضه بعض الأعضاء في ذلك ، ووافقه رئيس اللجنة ولم يقرر الكتاب . وهذا هو السبب في أن اللجنة لم تختر وحي الرسالة للأستاذ أحمد حسن الزيات ، ولا كتاب وحي القلم للأستاذ الرافعي ، مع إلحاح معالي الأستاذ على أيوب بعد هذا في ذلك .

وقد اعترض الأستاذ سعيد العريان على اختيار كتاب زعماء الإصلاح ، واعتقد أنه ظفر بحجة قوية مع أنها مسألة عرضية . فالانتفاد الجوهري إنما يكون موجها إلى الكتاب نفسه وقيمته . والكتاب بحمد الله قد حاز رضا كل الطلبة وقراء الطلبة وأعضاء أسرهم ، ورضي عنه المدرسون بشهادة تقارير المدرسين المحفوظة بالوزارة . واقترح سعادة عمرو باشا على وزارتي المعارف والخارجية ترجمة هذا الكتاب ؛ لأنه سيكون أكبر دعاية لمصر ، فلما لم تجيبا طلبه اشتغل هو وبعض المصريين المقيمين في لندن بترجمته وقد كاد يتم . واتفق سعادته مع دار من دور النشر الإنجليزية لنشره . فهل كل هذا بصرف النظر عنه ويتعرض لمسألة عرضية بحتة ، وهي أن الكتاب صدر في سبتمبر وقرر قبل صدوره ؟ والحق في هذه المسألة أن الكتاب صدر مقالات متتابعة في مجلة الثقافة قبل ذلك بنحو سنتين ، واطلع عليه أعضاء اللجنة وغيرهم واعجبوا به . وقد صادف أن الأستاذ محمد علي مصطفي لم يكن قد اطلع على هذه المقالات وأبي أن يقره حتى يطلع عليه فأحضرت له ملازم مصنوعة من الكتاب فقرأه وأقره في الجلسة التالية . وليس بصحيح أن أحدا من الأعضاء قرر الكتاب قبل ظهوره . ويطنطن الأستاذ بكثرة الربح ، لأن وزارة المعارف اشترت منه نحو ٢٠ ألف نسخة . والحق أنها اشترت نحو هذا العدد لطلاب سنتين متتاليتين ، وفي السنة الأولى اشترت الوزارة الكتاب بثمانية وعشرين قرشا للسنة الواحدة ، وكان يباع في الأسواق بأربعين قرشا . وفي السنة الثانية جمعت لجنة تـمثل فيها وزارة المعارف والمطبعة الأميرية ودار الكتب ، وقررت أن تشتري الكتب

المقررة بثمن ورقها وطبعها وزيادة عشرين في المائة ربحا للمؤلف والناشر ، وعلى ذلك قررت اللجنة أن يكون ثمن الكتاب ٢٤ قرشا . واعترض على ذلك الدكتور طه حسين في كتابه الأيام ولم يقبل هذا التقدير ، والأستاذ العقاد في كتابه عبقرية عمر ، والأستاذ توفيق الحكيم في كتابه يوميات نائب في الأرياف ؛ فرفع الربح إلى ٣٥ % . وعرض الأستاذ الدمرداش بك محمد على مؤلف زعماء الإصلاح أن يعامل كتابه بزيادة ٣٥ % كهؤلاء المؤلفين ؛ فأبى لأنه عضو في اللجنة ولا يحب أن يسمع آية كلمة تنال من شرفه . وباع الكتاب للوزارة بأربعة وعشرين قرشا لا غير . وكان ربحه في السنة الأولى بعد ثمن الورق والطبع ٢٨٠ جنيها ، وفي السنة الثانية ٢٤٠ جنيها ، فهل يستكثر الأستاذ على أديب أن يربح ٥٢٠ جنيها في سنتين ، مع أنه قد يربح بائعو السجائر أكثر من هذا ، وقد ربح حتى بائع الخنازير أضعاف هذا المبلغ . ولكن كما يقول المثل العامي : اللقمة في يد اليتيم عجب . وهل يستكثر حضرته ذلك ولا يستكثر ربحا من كتاب له .

ولما ولي وزارة المعارف معالي على أيوب بك اضطهد اللجنة ، وقرر من غير أخذ رأيها كتابا للأستاذ أحمد الصاوي ووحي الرسالة للأستاذ أحمد الزيات ؛ فاعترضت اللجنة على أنه لم يؤخذ رأيها وطلبت الكتابين لتقرأهما حتى إذا كانا صالحين قررت في أية سنتين بطالع الكتاب ؛ فلم يرض معالي الوزير بذلك وقال : كيف تفرض اللجنة رأيها على الوزير . وأمر بإجراء تحقيق مع مدير التوريدات ، إذ طلبت اللجنة منه الكتب فأرسلها . ولما كثر الاحتكاك بين اللجنة والوزير واستكثر عليها أن تنعقد مرة في الإسكندرية لوجود أكثر الأعضاء بها ، قدم رئيس اللجنة استقالته منها وتضامن معه حضرات الأعضاء في الاستقالة .

ثم أسدل الستار على هذه المأساة . فهل يرى الأستاذ العريان في هذا ما يشرف الرئيس أم ما يجرح شرفه ؟

اشترك في نشرتنا البريدية