ما زال الناس يستلهمون التاريخ ويستمدون منه العبرة كلما ألجأتهم ضرورة في حاضرهم إلى ذلك، فإن تجربة العصور في حاضرها لا تغني الناس إذا شاءوا التماس الحكمة أو استبانة القانون الإنساني، وذلك أن حوادث السنين لا تتصل نتائجها بمقدماتها إلا بعد مضي القرون ولا تكمل عبرتها إلا بعد توالي الأجيال. وليس في تكرار التمثل بعبر الزمان إعادة ولا في تعدد النظرات إليها إباحة لها أو ابتذال، فان الحادثة الواحدة قد تنطوي على ما لا حد له من العظات، وقد يتناولها الناس في كل عصر فيجد كل منهم فيها ناحية من المعنى مخالفة لما وجده سواه من معانيها. ولقد كان النضال بين قرطاجة ورومة أحد هذه المواقفالتريخية الفذة التي هزت العالم هزة قوية في أبانها، وما زالت العصور التالية ترجع وتلتفت صوبه، وكل منها يشير إلى ما يبتغي من عبرة فيه أو يتحدث عنه حديثاً يوحيه إليه موقع الضوء عليه في ناظره، وهكذا كان شأن الأستاذ (توفيق الطويل) مؤلف هذا الكتاب عندما تناول بالبحث هذا النضال.
لقد نظر المؤلف الفاضل إلى تلك الحرب التي يسميها التاريخ بالحرب اليونانية كما نظر سواه إليها ووصفها ورسم لنا منها صورة خاصة لا أظن أنها تشابه صورة أخرى رسمها أحد في لغة العروبة فهو قد استدرج الذهن من موقعه إلى موقعة ومن صورة إلى صورة حتى بلغ به النهاية فأشار إليه مومئاً إلى ما تحت قدميه، فإذا بالعبرة التي كان يرمي إليها ماثلة واضحة لا يستطيع أحد أن يخالف فيها ولقد كانت الشعوب الإنسانية منذ القدم ينافس بعضها بعضاً في كل ميادين النشاط والمطامع، فلقد كانت تتنافس في امتلاك الأراضي وفي الانتفاع بالمراعي، وكانت تتنافس في القوة والمنعة ثم هي تتنافس اليوم في كل هذه المعاني بوسائل سلمية تارة وحربية أخرى. غير أن ذلك التنافس الإنساني كانت له مظاهر عدة، فقد كان يحدث بين وحدات القبائل الصغيرة في دائرة محدودة كما كان يحدث بين الأجناس والشعوب في دوائر أوسع، فأنا لا نكاد نجد عصراً خلا من محاولة شعب من شعوب الأرض سيادة سائر الشعوب ونبوغ شعب آخر يتصدى له بالدفاع، فإذا بشعوب الأرض موزعة بين الزعيمين المتناضلين حتى ينتهي الأمر بإذعان أحدهما أو انقراضه وضياع سلطانه. وقد حاول بعض علماء التاريخ أو الاجتماع أن يخلصوا من استقراء ما حدث من ذلك النضال في كل العصور إلى أن أجناس العالم بينها طائفتان كبريان لا تفتأ تميل إلى النزاع والنضال على سيادة الأرض، فيسمون طائفة من الطائفتين شرقاً والطائفة الأخرى غرباً، ويقول هؤلاء العلماء إن النضال بين هاتين الطائفتين دائب مستمر استمرار الليل والنهار فقد يحدث أن شعبين من طائفة واحدة يثوران حيناً للنضال ثم لا يلبثان أن يستقرا على نوع من التفاهم والتجاور، في حين أن الطائفتين الكبريين لا يستقر بينهما النضال بل لا تزالان تتصاولان وتتصارعان. فإما إحداهما سيدة غالبة، والأخرى تناضل في سبيل الحياة تجاهها، وإما أن تنقلب الآية فتصبح السيدة مسودة والمستضعفة سيدة، وهؤلاء العلماء يجعلون قرطاجة وروما رمزيين لهاتين الطائفتين الكبريين في العصور التي سبقت الميلاد بقرنين أو ثلاثة. كما أنهم يجعلون حرب الفرس واليونان رمزاً لذلك النضال قبل ذلك، وحرب العرب والروم ثم الفرنج رمزاً له في العصور الوسطى.
ومهما يكن من أمر هذا الرأي فأنا لا نستطيع أن نغضي عما فيه من الضعف والتعسف، فالحقيقة التي لا شك فيها هي أن أمم الأرض تتنازع وتتناضل فيما بينها. وان ما بقي بعد ذلك من التحديد ناشئ من الظروف والحوادث. ولقد كان نضال قرطاجة ورومة بغير شك من أروع مواقف النزاع العالمي، ولكن لم تكن رومة لتمثل عند ذلك شيئاً اسمه الغرب ، ولم تكن قرطاجنة تمثل شيئاً أسمه
الشرق ، فقد كانت مصر عند ذلك تحت سلطان البطالمة العظام ، وما كانت قرطاجنة إلا مدينة نامية تستولى على المال وتستخدمة في سبيل بسطة سلطانها بأن تسخر الجيوش لتنتصر لها في حروبها ، وما كان لمثل هذه المدينة أن تكون زعيمة الشرق أو الآخذة بزمامه في نضال السيادة العالمية ، بل لقد كانت مصر أجدر منها بذلك وأخرى ويلوح لى أن المؤلف الفاضل لا يذهب مع أصحاب الرأى المتقدم فأنه وإن علم أن قرطاجنة لها رحم بالساميين لم يجعلها ممثلة الشرق في نزاع الأجناس ، بل نظر نظرة أخرى تختلف كل الاختلاف عن تلك الوجهة التي أشرنا إليها .. فهو لا يتعصب لها ولا يراها تمثل مثلا من أمثلة الشرق العليا ، بل إنه لينظر إلى المثل العليا لرومة على أنها أقرب إلى تمثيل مثل الانسانية عامة ، وهو يتحدث عن حوادث نضال قرطاجنة ورومة حديث من يريد أن يتغلغل دون السطح ليتخذ من بحثه عظة تنفعنا في حاضرنا فهو يريد أن يوجه أنظارنا إلى أن قرطاجنة قد فنيت لانها كانت جديرة بالفناء ، وأن رومة قد بقيت وتمت لانها كانت جديرة بالبقاء والنمو ، ثم هر بشير لنا وهو يسير في حديثه إلى الأسرار التي أهلت كلا من المدينتين إلى مصيرها وجعلتها جديرة بما نالها
خلفت الأساطير قصتين عن منشأ المدينتين المتناضلتين، وما أخرى هاتين الأسطورتين أن تكونا مختصرة لتاريخهما. فروما تنشأ في العراء وتغذوها الوحوش ثم ترويها الدماء ولكنها ترفض الاستكانة إلى الدعة ويطلب أهلها العيش في ظلال المكارم، فلا تزال مثلها العليا الخشونة والقوة والقسوة. وقرطاجنة تنشأ هرباً من مطامع الطامعين لتنفرد في مأمن تتمتع في برغد العيش وذكريات السعادة ولكنها لا تلبث أن تحرق نفسها دفاعاً لمطامع جديدة اتجهت إليها من ناحية أخرى. وما كانت التاريخ ليحدثنا عن المدينتين إلا هكذا إذ شاء اختصار حكاية كل منهما في كلامات قليلة.
وانه لمن ألذ المطالعات أن يتتبع القارئ وصف هذا الكتاب لحوادث تلك الحقبة من الدهر، فان فيه خصالاً ثلاثاً تسمو به. دقة في البحث، ونفوذ في النظر، وجمال في الأسلوب.
وإني لأنتهز هذه الفرصة لتهنئته تهنئة حارة على ما أصاب من إجادة وتوفيق.

