عزرائيل يقبض بيد صفراء
وصل الفائت أرسلت حكومة الولايات المتحدة البكباشي ريد إلى جزيرة كوبا ليفحص سبب وباء الحمى الصفراء. وكانت الحرب الأسبانية انتهت في كوبا. فأعلن البكباشي أن الحرب قائمة ضد عدو جديد هو الحمى الصفراء. وطلب متطوعين ليجرب فيهم عض البعوض ليعلم هل تنقل الحمى به. فتطوع لازار وهو صياد مكروب متدرب، وتطوع كارول وكان جراحا مساعدا في الجيش -
٣ - واستدعى رجال الحكم رِيدَ إلى واشنطن ليؤدي تقريره عن أعمال جرت في الحرب الأسبانية. فلما جاءته الدعوة أصدر أوامره مفصلةً إلى كارول ولازار وأَجَرَمُنْتي. وكانت أوامر سريّة، وكانت غاية في التطرف والوحشية إذا أنت قرنتها بطبع ريد المعتدل الهادئ - أوامر إذنابية لا ترضاها الذمم، وهي إلى جانب هذا خروج على النظام العسكري، فما كان لدى ريد إذن من رؤسائه في الجيش بإصدارها. ورحل ريد إلى واشنطن. وقام لازار وكارول يصدعان بأوامره فيركبان خطة غاية في الجرأة لم يركبها قبلهما من صُياد المكروب أحد. أما لازار، وقد كنتَ بالأمس تقرأ في عينه معنى الفناء ووجْمة الموت، فقد صرت اليوم تقرأ فيها معنى العزم والتلهف على البحث. وأما كارول فقد كان جندياً بطبعه فلم يأبه عمرّه بمجالس التأديب العسكرية ولم يحفل قط بالموت، وقد كان في المكروب صياداً طويل الحبل طويل الباع
بدأ لازار خطته. فحمل معه في زجاجات تلك البعوضات التي فقّسها فخرجت من البيض تحمل على أظهرها أقلاما من فضة وأخذ يسير بها بين سرائر المرضى وقد اصفرّت وجوههم كورق
الخريف، واحمرت أعينهم بالدم القاني، وهذَوا في القول وحق عليهم الفناء. وفتح زجاجاته على جلود المرضى، فأخذت البعوضات تمتص من دمائهم حتى إذا امتلأت سدّ الزجاجات عليها، وحملها إلى منازل من الزجاج أُعدّت لها، وأدخل فيها إلى البعوض أطباقا صغيرة من الماء ومن سكر. وفي هذه المنازل هضمت أُنثيات البعوض هذه غذاءها من الدم المحموم، وطنّت قليلا، ثم سكتت في انتظار التجربة
وتذكر لازار ما قاله رِيدُ له: (يجب ألا تغفل عن حمى الملاريا، فلعل بينها وبين هذه الحمى الصفراء شبهاً قريباً، ففي حمى الملاريا لا يكون البعوض خطراً على الناس إلا بعد أسبوعين أو ثلاثة، فلعل الحال في هذه مثله في تلك)
ولكن أين الصبر من لازار، وأين منه صبر أيام بَلْهَ صبر الأسبوعين أو الثلاثة! فجاء بسبعة متطوعين لا أدري كيف جاء بهم، ولا ادري ما اسمهم، لأن أسماءهم على ما أعلم أُسدِل عليها الستار عمداً، لأن التجربة أُريدَ إجراؤها في خفاء كالليل البهيم. وقام لازار على هؤلاء السبعة - ولعّله أسكرهم أو لعّله خدرهم - فأسقَى البعوضَ من دمائهم، هذا البعوض الذي استقى منذ أيام قلائل من دم مرضى أصبحوا في هذه الساعة في عداد الأموات
وا أسفاه للازار! فقد جاءت النتيجة بغير ما ارتجى، فظل السبعة الرجال على أصح حال ولم تأتهم الحمّى. فانكفأ على عقِبَيْه خاسراً نادماً
خسر لازار، وبقى كارول لم يجرّب بعدُ حظَّه. وكارول هو الرجل الذي قضى سنين عونَ ريد الأول، وكان دخل الجيش أول ما دخل جندياً بسيطاً، ثم صار أمباشيَّ وجاويشَ سنوات عديدة تعلم فيها الطاعة حتى صارت من جبلّته. وكان رئيسه ريد قال: (جربوا البعوض) . وكان رئيسه ريد ارتأى أن الشيخ المأفون فِنْلي لم يقل لغوا عندما اتهم البعوض. فلزم كارولَ أن يقول ما قال ريد وأن يرى ما ارتآه. أما رأيه هو فثانويّ في حكم الجيش ومألوفه. ألم يقل لهم البكباشي ريد عند رحيله (جربوا البعوض) !
فجاء كارول إلى لازار وهو في يأسه يذكّره، قال: (هأنذا بين يديك متأهب لما تريد) . وسأله أن يُخرج إليه أخطر بعوضة
لديه - بعوضة تكون عضّت لا مريضاً واحداً بل عدة من المرضى. ومن مرضى في أسوأ حال من حمّاهم. وفي السابع والعشرين من أغسطس أخرج لازار بعوضة حسبها أخرط ما عنده، فقد كانت شربت من دماء أربعة من مرضى الحمى الصفراء كان من بينهم اثنان في أسوأ حال. وحطّت هذه البعوضة على ذراع كارول.
ونظر إليها الجندي كارول وهي تتحسس بمقراصها تتخير للقرص مكاناً من جلده. فما الذي دار في خلده وهو يرقها تنتفخ كالكرة مما تشرب من دمه؟ لا أدري ولا أحد يدري، ولكني أحسبه يداور في فكره حقيقة يعرفها كل أحد: (أنا الآن في السادسة والأربعين، وفي الحمى الصفراء كلما زادت السن قل الرجاء في الشفاء) . وكان في سنّه السادسة والأربعين، وكانت له امرأة وخمسة أولاد، ومع هذا فقد كتب في هذا المساء إلى ريد يقول: (إذا كانت نظرية البعوض صائبة وجب أن يكون حظي من الداء وفيراً) . وفعلاً قد كان حظه منه وفيراً
فبعد يومين أحس بالتعب ورغب عن عيادة المرضى في عنبرهم، وبعد يومين آخرين أحسّ أنه مريض، وخال أن عنده حمى الملاريا، فنهض بنفسه على رجليه وذهب إلى معمله وفحص دمه تحت المجهر فلم يجد به مما خال أثراً. ولما خيّم الليل ضرب في عينيه الدم، واحمرّ وجهه وأقتمّ، وفي الصباح حمله لازار إلى عنبر الحمى الصفراء، وبقى هناك أياماً طويلة وإلى جنبه الموت. . . ومرّت به دقيقة أحس فيها كأن قلبه سكت فلم ينبض. . . وتلك دقيقة أعقبته سوءاً ستعلمه بعد حين. وظل بعد شفائه يعد تلك الأيام التي قضاها مريضاً بالمستشفى أمجد أيامه. قال: (أنا أول رجل أصابته الحمى الصفراء في أول تجربة من عضة بعوضة متعمَّدة)
وعانى مثلَ حظ كارول جنديٌّ يدعى (س. ص) ، أسماه هذا الاسم هؤلاء البحّاث الذين خرجوا على القانون فتستّروا في ظلام الكتمان، وكان اسمه الحقيقي وليم دِين willam dean ومسكنه جراند رابدز grand rapids بمتشجان michigan(1) . فهذا عضّته أربع بعوضات وكارولُ في أول مرضه، إحداها
هي التي عصّت كارول، والثلاث الأخريات عضت ستة رجال في درجة من المرض معتدلة وأربعةَ رجال كانوا في أسوأ حالة من الحمى ورجلين ماتا بها. وحَظِي هذا الجندي بالشفاء كما حظي كارول
إذن فالتجارب جاءت بخير ما يُرجَى. نعم لقد عضَّ البعوض ثمانية رجال فلم يصبهم سوء، ولكنه عض كارول وعض (س. ص) ونِعْم الخنزيرين الغينيين كانا في هذا التجريب فأصابتهما الحمى، وكاد قلب كارول أن يقف، وتماثل الاثنان للشفاء؛ وكان كارول مغتبطاً يكتب إلى رئيسه ريد وينتظر اليوم الذي يعود فيه ليطلعه على سجل التجارب زاهياً فخورا
ولم يشكّ في هذه التجارب أحدٌ إلا لازار، فداخله في هاتين الإصابتين شيء من الريبة، لأنه كان مجرِّباً متقناً دقيقاً حذِراً في تجريبه؛ وكان يرى أنه إذا قام بتجربة وجب عليه أن يتحكّم في ظروفها ويضبطها غاية الضبط حتى لا يتسرب إليها الخطأ، شأنَ البحّاثة القح. حدَّث لازار نفسه قال: (ليس من الكرم التشكك في أمر هاتين التجربتين بعد ما أبدى فيهما كارول و (س. ص) من التضحية والجرأة ما أبديا، ولكن كلا الرجلين تعرض للإصابة قبل التجربة وذهبا حيث توجد الحمى مرة أو مرتين قبل أن يصابا بها فعلا، فليست التجربة بالغة حدَّ الكمال، فمن يدريني أن بعوضي لا غيره هو الذي أعطاهم الحمى)
تشكك لازار، ولكن ما تشكُّكُ جندي أول واجبه إطاعة الأمر؟ وإذنْ فقد أخذ يجري على عادته فيذهب عصر كل يوم إلى أسرّة المرضى في تلك الحجرات ذات الرائحة الغريبة الضعيفة المعهودة، وإذنْ فقد استمر يقْلب زجاجات اختباره بما فيها من البعوض على أذرع رجال حمر الوجوه محمومين، ويجعل البعوض يمتص من دمائهم حتى يرتوي. وجاء اليوم الثالث عشر من سبتمبر، فكان يوماً على لازار مشؤوما، إذ بينما هو يأذن للبعوض في الزجاج أن يشرب من دم المرضى، حطت من الجو على ظاهر كفه بعوضة تائهة، فتركها تشرب من دمه وقال: (دعها تشرب فما أظنها من البعوض الذي يسيء) ، قال ذلك عن بعوضة تائهة طائرة طليقة في عنبر به الرجال تموت!
كان هذا في اليوم الثالث عشر من سبتمبر
و (في مساء اليوم الثامن عشر من سبتمبر. . . شكى الدكتور لازار سوء المزاج، وجاءته رِعدة في الساعة الثامنة مساء) . هكذا ذكر سجل المستشفى
واستمر السجل يذكر في إيجاز: (١٩ سبتمبر: الساعة ١٢ ظهرً، الحرارة ٣٩. ١ ? درجة. النبض ١١٢. بالعين احتقان وبالوجه ارتشاح)
الساعة السادسة مساء. الحرارة ٣٩. ٩ ? درجة النبض ١٠٦) (
ظهرت الصفراء في اليوم الثالث. واستمرت حالة المريض في التدرج إلى أن ظهرت عليه أعراض الحمى فكانت شديدة موئسة)
ثم يخرج السجل عن جفافه القاسي ويلطف من أسلوبه قليلاً: (جاءت الوفاة زميلنا العزيز فمات مأسوفا عليه في مساء الخامس والعشرين من سبتمبر عام ١٩٠٠)
يتبع)
